المازوخية الحميدة.. لماذا نبكي على أبطال الأفلام الوهميين ولا نتأثر بالأحداث الواقعية؟

البكاء "أكثر من مجرد تنفيس" فالمشاهدون غالبا ما يستمتعون بتجربة الحزن، والكثير منهم يسعدون بالبكاء

البكاء لدى البالغين يعد أكثر من مجرد عرض للحزن، فقد ينتج عن مجموعة من المشاعر مثل التعاطف، والمفاجأة، والغضب (وكالات)

يتناول أكثر من ملياري شخص بالغ الفلفل الحار، ويستمتعون بالأثر اللاذع له في أفواههم، ويمثل ذلك نوعا من الألم اللذيذ، أي تحويل تجربة سلبية عادة إلى تجربة إيجابية.

الفلفل الحار أحد الأمثلة على "المازوخية الحميدة" المفسرة للاستمتاع بتجارب سلبية في البداية يفسرها الدماغ بشكل خاطئ على أنها تهديد.. ذلك الإدراك بأن الجسد قد تم خداعه، وأنه لا يوجد خطر حقيقي، يقود إلى اللذة المستمدة من سلطة "العقل على الجسد"، وهو ما نختبره عند مشاهدة الأفلام العنيفة والحزينة، وهو ما يدفعها لتحطيم أرقام المشاهدات القياسية.

الدموع.. بخار القلب الملتهب

يتكهن العلماء لتفسير من أين تأتي الدموع ولماذا يذرفها البشر منذ حوالي 1500 قبل الميلاد، لقد اعتقدوا لقرون أن الدموع تنبع من القلب، إذ وصفت الدموع على أنها نتيجة ثانوية عندما يضعف القلب ويتحول إلى ماء.

وكانت النظرية السائدة في القرن الـ17 ترى أن العواطف -خاصة الحب- تسخن القلب، مما يولد بخار الماء، ثم يرتفع بخار القلب إلى الرأس، ويتكثف بالقرب من العينين ونذرفه كدموع، وأخيرا، في عام 1662، اكتشف العالم الدانماركي نيلز ستينسن أن الغدة الدمعية هي مصدر الدموع، واعتبر الدموع مجرد وسيلة للحفاظ على رطوبة العين.

استمرت نظريات أخرى على الرغم من عدم وجود دليل، مثل الفكرة التي روج لها عالم الكيمياء الحيوية ويليام فراي في عام 1985 بأن البكاء يزيل المواد السامة من الدم التي تتراكم في أوقات الإجهاد، حتى تزايدت الأدلة لدعم بعض النظريات الجديدة الأكثر منطقية، إحداها أن الدموع تحفز الترابط الاجتماعي والتواصل الإنساني.

يعد البكاء لدى البالغين أكثر من مجرد عرض للحزن، فقد ينتج عن مجموعة من المشاعر مثل التعاطف، والمفاجأة، والغضب، كما أن الدموع العاطفية تختلف كيميائيا عن تلك التي نذرفها أثناء تقطيع البصل، مما قد يساعد في تفسير سبب إرسال البكاء إشارة عاطفية قوية للآخرين في أحيان دون أخرى، فتحتوي الدموع العاطفية على المزيد من البروتين الذي يجعل الدموع العاطفية أكثر لزوجة، فتلتصق بالجلد بقوة وتجري على الوجه بشكل أبطأ، مما يزيد من احتمالية رؤيتها من قبل الآخرين.

البكاء في أثناء مشاهدة الأفلام يحسّن مزاج البعض (بيكسلز)

سحر الفنون البائسة

ما تزال شعبية المأساة تشكل جانبا محيرا في التجربة الإنسانية، فنعتقد أن الموسيقى الحزينة تنقل لنا مشاعر بائسة، ورغم ذلك ما زلنا نستمع لها، فلماذا نفعل ذلك؟ إحدى الإجابات المحتملة عن هذا السؤال هي أننا قد نشعر بالفعل بمشاعر إيجابية عند الاستماع لها.

قد يبدو هذا الاقتراح غير بديهي، ولذلك أقدم باحثو "جامعة طوكيو للفنون" على دراسة الاستجابة العاطفية المحتملة للموسيقى في عام 2013، على أساس فرضية أن المشاعر المحسوسة والمدركة قد لا تتطابق في الواقع.

استمع المبحوثون إلى مقطوعات موسيقية حزينة، ثم اختاروا بين 62 كلمة أو عبارة لتصنيف العواطف ودرجتها، وأظهرت النتائج أن الموسيقى الحزينة دفعت المبحوثين إلى الشعور بمزيد من الرومانسية والحب والبهجة، وتراجعت لديهم المشاعر المأساوية عكس ما كانوا يعتقدون.

واختلف الأمر قليلا عند دراسة أثر الأفلام الكئيبة، ففي كتابه "لماذا يبكي البشر فقط؟" عرض آد فينجروتس، الأستاذ في جامعة تيلبورغ في هولندا وأبرز خبراء البكاء في العالم، معضلة الأفلام، فعندما يعرض الباحثون على الناس فيلما حزينا في المختبر ثم يقيسون حالتهم المزاجية بعد ذلك مباشرة، يكون أولئك الذين يبكون في مزاج أسوأ من أولئك الذين لا يبكون.

كرر الباحثون التجربة بعد 90 دقيقة من انتهاء الفيلم وهدوء المتأثرين الباكين، وكانت النتيجة أن من بكوا بعد الفيلم صاروا في مزاج أفضل مما كانوا عليه قبل الفيلم، ما يوضح أن أحد أهم العوامل هو إعطاء التأثيرات الإيجابية للبكاء وقتا كافيا، ما دعم نظرية "التنفيس".

في عام 2013، نشر باحثون بقيادة بول روزين، أستاذ علم النفس بجامعة بنسلفانيا، ورقة بحثية عن "المازوخية الحميدة" وحب مشاهدة الأفلام الكئيبة والدموية والروايات البائسة، وجاءت النتيجة الأكثر إثارة للاهتمام، بأن البكاء "أكثر من مجرد تنفيس"، فالمشاهدون غالبا ما يستمتعون بتجربة الحزن، والكثير منهم يسعدون بالبكاء.

أكثر من ملياري شخص بالغ يتناولون الفلفل الحار، ويستمتعون بالأثر اللاذع له في أفواههم (وكالات)

لماذا نبكي على بطل وهمي؟

من الناحية المعرفية، نحن نعلم أن القصة التي نشاهدها على شاشات السينما خيالية ويتم الدفع للممثلين للعب على عواطفنا، ونتعاطف معهم بالفعل، ونبكي من أجلهم، لكن ما تفسير تلك النتيجة التي خرج بها الباحثون في جامعة تيلبورغ بأن البشر أكثر استعدادا لتقديم الدعم للأشخاص الذين يبكون أكثر ممن لا يبكون وتبدو عليهم المعاناة الحقيقية؟

الإجابة هي هرمون الأوكسيتوسين، ففي بحث نشرته المكتبة الوطنية الأميركية للطب، عرض الباحثون فيديو عاطفيا على مجموعة من الرجال والنساء، وثبت ارتفاع نسبة الأوكسيتوسين في الدم بنسبة 47% لدى من أثار الفيديو دموعهم.

طلب الباحثون من المشاركين التبرع لشخص غريب تعرض للتعذيب، وأظهر من بكوا -ولديهم ما يكفيهم من هرمون الأوكسيتوسين- كرما بالغا، وقدموا المال عبر الموقع الافتراضي للدراسة، ولم ينتظروا شكرا بالمقابل، وعند سؤالهم عمن يرغب في التبرع للصليب الأحمر، أو مستشفيات الأطفال، تقدم الكثير منهم، حتى أولئك الذين سبق لهم التبرع بالمال للشخص الغريب في المختبر.

يمكننا تخمين من الذي استجاب أكثر للفيديو العاطفي، نعم، أطلقت النساء كمية أكبر من الأوكسيتوسين وكنّ أكثر تعاطفا من الرجال، كما قدمن ضعف المبلغ للأعمال الخيرية.

لذلك، قد نبكي في الأفلام لأن الأوكسيتوسين في دماغ الإنسان مضبوط بشكل غير كامل، فلا يفرق بين البشر الحقيقيين والصور الوامضة على الشاشة، فكلاهما كاف لدفع الأوكسيتوسين إلى حالة التأهب القصوى ودفع تعاطفنا.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة