شهادات ميدانية من لبنان.. تعددت أسباب الخلافات وكانت النتيجة الطلاق

"متلازمة الأجداد العبيد" مرض خطير يؤدي إلى الاكتئاب
الخلافات الزوجية قد تحدث بسبب قلة الوعي ونقص الخبرة وغياب التفاهم (غيتي)

تركت الأزمة الاقتصادية تداعياتها على الأوضاع في لبنان، خاصة الاجتماعية منها، لا سيما الزواج والطلاق، ففي العام 2019 كانت الأرقام صادمة بالنسبة للطلاق في لبنان.

وكشف رئيس مركز الدولية للمعلومات -مركز دراسات- جواد عدرا عن نتائج صادمة تظهر أن نسبة الطلاق في لبنان وصلت إلى 20%، مشيراً إلى أنها "مرشحة للازدياد بشكل كبير".

تحدث الكثير من الخلافات بين الزوجين وقد تصل إلى الطلاق، الجزيرة نت التقت بأصحاب وصاحبات عدد من التجارب للحديث عنها، ولسانهم حالهم يقول تعددت أسباب الخلافات وكانت النتيجة الطلاق.

ونشرت الدولية للمعلومات دراسة أشارت فيها إلى أن التحولات التي شهدها لبنان سواء الاقتصادية منها حيث تراجعت المداخيل وفرص العمل وزادت الهجرة، والاجتماعية حيث الانفتاح وتشعب العلاقات وتبدل بعض المفاهيم الاجتماعية، وكذلك النزوح السوري وتأثيره الاجتماعي والعائلي، أدت إلى تبدل في خيارات اللبناني من حيث تراجع حالات الزواج مقابل ارتفاع في حالات الطلاق.

إحصائيات الزواج والطلاق والولادات والوفيات في لبنان
إحصائيات الزواج والطلاق والولادات والوفيات في لبنان (الجزيرة)

واستنادا إلى الأرقام الصادرة عن المديرية العامة للأحوال الشخصية في لبنان تراجعت معدلات الزواج على التوالي بنسبة 13.5% و17.9%، كما تراجعت معدلات الطلاق على التوالي بنسبة 11.1% و9.8%، مقارنة بعام 2019 ومتوسط الأعوام الخمسة الأخيرة (2015-2019).

إحصائيات الزواج والطلاق والولادات والوفيات في لبنان
إحصائيات الزواج والطلاق والولادات والوفيات في لبنان (الجزيرة)

ووصول نسبة الطلاق في لبنان إلى 20% ظاهرة تستحق الدراسة، كما يقول جواد عدرا في تغريدة له، ويضيف "خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن عدد حالات الطلاق محدود في المحاكم الروحية المسيحية ووجود حالات طلاق أو انفصال غير منفذة بسبب ظروف اقتصادية واجتماعية، مما قد يرفع النسبة بشكل كبير".

لم يحالفها الحظ مع حماتها

ماجدة وهبة (40 سنة)، لم يحالفها الحظ مع حماتها، وتقول إن الحياة الزوجية لها إيجابياتها وسلبياتها، فمنذ أن وطئت قدماها بيت أهل زوجها وهي تعاني من المشاكل بسبب الذهنية التي نقلتها من بيت أهلها للبيت الجديد فيما يخص العمل داخل البيت وخارجه، مما جعل الحماة تجد في كل مرة فرصة للتعليق عليها.

وبحسب ماجدة، فإن سلوك حماتها يزيد الشحنات السلبية داخل البيت، حتى وإن كانت لأسباب تافهة أحيانا، وتجعل الحياة شبه مستحيلة. فحماتها لا تترك لها مجالا للجلوس مع زوجها بهدوء وراحة، وتشارك في أدق التفاصيل حتى في مسألة اللباس.

وتأسف ماجدة لأن حياتها مع حماتها باتت لا تطاق لدرجة الشجار المتواصل مع زوجها حتى وصل الأمر للطلاق وعدم الرغبة بالعيش في منزلهم.

وأوضحت وهبة أنها رغم ما عاشته مع الحماة، فإنها لا تنكر أن هناك حموات يتعاملن مع كناتهن على أنهن بناتهن، مما يسهل حياة كل الأطراف.

الشيخ كمال الرفاعي يقول ان دخول الزوجة الى بيت الزوجية هو زيادة ايجابية حميمة وهي بحنكتها وحكمتها قادرة على جذب القلوب والمحبة بين افراد اسرة- (بيكسلز).
الخلاف بين الحماة والكنة يرجع لغياب الوعي ورغبة كلتيهما في السيطرة على الزوج (بيكسلز)

استيعاب ومسايرة

مريم اللقيس (35 عاما)، سعيدة جدا بعلاقتها بحماتها فهي منذ اليوم الأول لزواجها اعتبرتها في مقام والدتها، واستطاعت أن تمتص كل الشوائب التي قد تتسرب إلى نفسها، وأنها "أخذت ابنها منها"، وحتى لا تحدث المشاكل والفتن والتدخل في كل شاردة وواردة استوعبت طريقة تفكير حماتها، وبالمسايرة اكتسبت رضاها، وهذا أسعد زوجها وأرضاه وجعل حياتهما أكثر سعادة.

وتضيف "جميل أن يربي الآباء والأمهات أبناءهم وبناتهم في ريعان شبابهم وأن يختاروا من يشاركهم حياتهم ممن يخافون الله، ويخططون لبناء أسرة سليمة قائمة على الحب والتفاهم، من أجل تجنب الخلافات وتجنب ردود الفعل الانفعالية التي تأتي بنتيجة عكسية تعكر صفو هذه العلاقة المقدسة".

مريم اللقيس سعيدة جدا بعلاقتها بحماتها فهي منذ اليوم الاول لزواجها اعتبرتها في مقام والدتها- (جزيرة نت)
مريم اللقيس (يسار) سعيدة جدا بعلاقتها مع حماتها (يمين) منذ اليوم الأول لزواجها (الجزيرة)

تمرد الكنة

وتتحدث الحاجة أم محمد عن زوجة ابنها التي تعيش معها بأنها تستيقظ الساعة الواحدة ظهرًا غير مبالية بأعباء المنزل وبمتطلبات زوجها، ولا تعلم كيف يحتمل ابنها هذا الإهمال.

فحاولت تقديم النصائح لزوجة ابنها، لكن هذا كان يثير جنونها فتتمرد وتغضب وتسمعها كلاما قاسيا غير مقبول، مما دفعها لاتخاذ قرار بأن يسكن ابنها مع زوجته في منزل آخر لتفادي المشاكل والشجارات اليومية.

غيرة زوجة الأخ

يقول الشاب جيلبير خوري إنه لم يصدق ما سمعه من شقيقه الأصغر من كلمات جارحة بسبب خلاف وقع بين زوجتيهما، فالغيرة سبب نشوب الخلاف، لأن زوجة أخيه لم تتقبل فكرة أن الأخ الأكبر وزوجته يعيشان بمستوى أفضل منهما، فبدأت بإثارة المشاكل مما أوجد الحقد بين الشقيقين لدرجة القطيعة بينهما. رغم محاولة جيلبير إنهاء هذا الخلاف بسبب زوجتيهما، وإعادة المودة بينه وبين شقيقه الأصغر.

1 جيلبير خوري يقول بان الغيرة سبب نشوب هذا الخلاف لان زوجة اخيه لم تتقبل فكرة ان الاخ الاكبر مع زوجته يعيشان بمستوى افضل منهما- (جزيرة نت)_
جيلبير خوري يرى أن الغيرة سبب رئيسي لنشوب الخلاف (الجزيرة)

سلوكيات غير مقبولة

ويتحدث فادي إسماعيل للجزيرة نت عن زوجته التي ارتبط بها منذ 7 سنوات وكان يحبها ويحقق لها كل طلباتها، إلا أنها شعرت بالغيرة الشديدة من علاقته المتينة بأسرته، وبالأخص بشقيقه، وبدأت تتذمر من الزيارات الدائمة اليومية لأهله، كما بدأت بالشجار مع زوجة أخيه لأسباب تافهة.

لكنه شعر أن عليه وضع حد لسلوكيات زوجته وتحدث معها بصراحة أن عليها احترام أسرته وهددها بالطلاق، فرضخت في البداية لعدة أشهر، ثم عاودت الكَرة من جديد، حتى أنها بدأت بتصرفات غير مقبولة، مما دفعه إلى الطلاق.

ويؤكد إسماعيل للجزيرة نت أنه يمكن أن يعوّض بزوجة ثانية، لكن الأب والأم والإخوة لا يعوضون، فإذا فقدهم الشخص فمن يعوضهم.

محظوظ بزوجة صالحة

أما علي مرتضى فيعتبر نفسه محظوظا جدا بزوجته الصالحة والمؤمنة، لدرجة أن شقيقه صار يبحث عن زوجة بمواصفاتها، خاصة أنه كان لها تأثير إيجابي على كافة أفراد أسرته وجعلت علاقاته الأخوية أكثر تماسكا ومودة.

ويتمنى مرتضى ألا يفترق الإخوة بسبب قطعة أثاث أو وجبة طعام أو خلافات تافهة بين الزوجات، وأن تمتنع بعض النساء عن إظهار غيرتهن العمياء وحقدهن الدائم تجاه أسرة الزوج، فتباغض الإخوة يهز روابط الأسرة بأكملها.

ماذا يقول علم النفس؟

وترى الاستشارية في العلاقات الزوجية والأسرية إيلينا القادري أن الأسباب النفسية التي تدفع الزوجة لأن تكون لديها الرغبة الدائمة لإبعاد زوجها عن محيط أسرته وإحداث الفرقة بينهم بأسباب تعود أولا إلى الطبيعة التي جبلت عليها الأنثى، حيث تتصف بشدة الغيرة بخلاف الذكر الذي قد تقل لديه.

إضافة إلى حب التملك بشكل كبير، فالإناث يرغبن بالحصول على الأمان بشكل دائم، وهو شعور موجود لدى الذكر والأنثى، لكنه أكبر لدى النساء، فالارتباط العاطفي من قِبَل الفتاة الصغيرة تجاه والدها أكبر من شقيقها الذكر بسبب شعورها بأن والدها محط أمان لديها، فتحب أن تستحوذ على الأمان والحب والدلال منه.

فإذا كبرت وتزوجت فذلك الحب يتحول إلى زوجها وكثيرا ما تكون مرتبطة به عاطفيا، ثم تتحول هذه العاطفة إلى أولادها وهذه طبيعة شخصية المرأة.

5 الاستشارية في العلاقات الزوجية ايلينا القادري تعتبر ان ضعف الزوج في وضع الخطوط الحمراء للزوجة أثناء تأسيس المراحل الأولى من حياته الزوجية مما
إيلينا القادري: ضعف الزوج في وضع خطوط حمراء للزوجة أثناء تأسيس المراحل الأولى من حياتهما يؤدي بها للتمادي (الجزيرة)

اضطراب الشخصية

وتكمل القادري شرحها للجزيرة نت بأن دخول الزوجة إلى مرحلة الاضطرابات النفسية التي يطلق عليه "اضطراب الشخصية الشكاكة" وهي الشخصية التي لا تثق بالآخرين، ودائما ترى الجانب السلبي من الأمور، فتحب السيطرة على الزوج وتملُّكه.

وهنا تبدأ معاناة الزوج لأن هذا المرض من الصعب التعايش معه، لذلك الزوجة التي تعاني منه لن تستطيع النجاح في حياتها الزوجية.

وتضيف القادري أن الخلافات والعلاقات المتوترة بين الإخوة التي تبرز بسبب زوجاتهم ترجع بالأساس إلى ضعف العلاقات بينهم أصلا، مما يسمح للزوجة بالتدخل في حياة الإخوة لتتلاعب بالمشاعر وتزيد من التفكيك، والعامل الآخر الذي يسهم في توتر العلاقات بين الإخوة هو نجاح الزوجة بإقناع زوجها بعدم الاختلاط مع أسرته، وهذا الأمر يسبب ضغطا على الزوج الذي لا يستطيع التوفيق بين علاقاته الأسرية ورضا زوجته.

وتوضح أن هذا الأمر يكون بسبب ضعف الزوج في وضع الخطوط الحمراء للزوجة أثناء تأسيس المراحل الأولى من حياتهما الزوجية، مما يسمح لها بالتمادي. فبعض الرجال يبني على أقوال زوجته قراراتٍ منفعلةً، لذا تتسع دائرة الخلاف، وتزداد اتساعا بالانجرار وراء العواطف من دون تحكيم العقل، فتنشر الخلافات والضغائن عبر بث الأكاذيب والدسائس، بهدف خلق هوة بين الزوج وأشقائه، ظنا منها أنها ستنفرد به دونهم.

عندما تجني الأم على أبنائها

وتنصح القادري أيضا كل الزوجات اللواتي يعملن على التفرقة أنهن يجنين على أبنائهن وبناتهن من خلال إبعادهم عن أبناء عمومتهم، وزرع الضغينة في نفوسهم وبالتالي يؤثر على علاقاتهم الاجتماعية، وعلى علاقاتهم معا عندما يكبرون.

كما تؤكد أن الأخ إن فقد أخاه فسيفقد سلاحا فعالا لمواجهة أزمات الحياة المعاصرة وتقلباتها، منوهة بضرورة أن يمسك الرجل العصا من المنتصف ويكون متوازنا بين زوجته وإخوته فلا يميل لطرف ضد آخر، كي لا يفقد أيا منهم.

وعي الحماة والكنة

وتنهي حديثها للجزيرة نت بالإشارة إلى أن الخلاف بين الحماة والكنة هنا يرجع إلى غياب الوعي، ورغبة كل من الحماة والكنة في السيطرة على الابن/الزوج، حيث تشعر الأم بأن سيطرتها العاطفية على الابن بدأت تضعف أو تتلاشى، فنشأة الابن في كنف الأم يدفعها لشعور غريزي بالتملك، فيما ترى الكنة أنها الأحق بامتلاك الزوج الذي ترتبط به بقية عمرها.

فإن كانت والدة الزوج تضع زوجة ابنها في قالب "الكنة"، فإن الزوجة تعاملها في المقابل كحماة. فلماذا لا تحاول التقرب منها ومنحها فرصة التعبير عن مشاعرها، ولا تغلق الباب وتقطع الاتصالات بينهما ما يساعد على نشوب الأزمة في الأسرة جراء ذلك، مما يؤثر سلبا على العلاقة الزوجية.

الشيخ كمال الرفاعي يجيب على كل التساؤلات التي بحث عنها المرأة المسلمة في شهر رمضان- (جزيرة نت).
الرفاعي: الأصل في المصاهرة انصهار العلاقة بين الزوجة وزوجها وأهل زوجها (الجزيرة)

رأي الشرع

وتحدثت الجزيرة نت إلى الشيخ كمال الرفاعي إمام وخطيب جامع البخاري في مدينة بعلبك حامل إجازة في الشريعة الإسلامية لرصد رأي الشرع حول هذا الموضوع الشائك، فقال "الشرع تدخل في أمور النميمة والغيبة والكذب والدسائس والتحريض لكل الأشخاص سواء كان الزوج أو الزوجة او الحماة أو الأخت أو الأب، فهذا النوع من التدخلات والتحريض ونقل الكلام فيها سوء نية وتسبب إشكاليات تؤدي في كثير من الأحيان إلى الطلاق".

ويؤكد الرفاعي أن الأصل في المصاهرة انصهار العلاقة بين الزوجة وزوجها وأهل زوجها، وانصهار العلاقة بين الزوج وزوجته وأهل زوجته، لذلك دخول الزوجة إلى بيت الزوجية هو زيادة إيجابية حميمة، والزوجة بحنكتها وحكمتها قادرة على جذب القلوب وزرع المحبة بين أفراد أسرة زوجها، والتي بالمقابل عليها واجب احتضان هذه الهدية الجديدة من الخالق بكل رحابة صدر وإيجابية.

المصدر : الجزيرة