أطفال يعملون ويتسولون.. من يتحمل مسؤولية تعريضهم للخطر في لبنان؟

أطفال يعملون ويتسولون في الشارع- - الجزيرة
عمالة الأطفال في لبنان في ارتفاع مستمر (الجزيرة)

بيروت- أمام حافلة صغيرة تتدلى منها عناقيد الموز، يجلس اللبناني أحمد مواس (14 عاما) من الساعة 7 صباحا حتى 7 مساء، لبيع محصول صاحب الحافلة، وأوكله وحيدا بمهمته الشاقة مقابل 40 ألف ليرة يوميا (توازي 1.5 دولار).

يُواري الشاب الصغير حزنه بعينيه الدامعتين، ثم يتذرع بألم رأسه من أشعة الشمس، ويُدرك أن تعبه الشديد يذهب هباءً، يدلُّ على قدميه العاريتين "حتى الحذاء غير قادر على شرائه". يحلم أحمد بالعودة للمدرسة التي تركها قبل عامين، "لكنني نسيت كل شيء، ومجبر على إعالة أمي وأخوتي بمصروف المنزل".

أحمد مواس البالغ 14 عاما - الجزيرةأحمد مواس (14 عاما) يعمل 12 ساعة يوميا لبيع محصول صاحب الحافلة (الجزيرة)

أطفال وسط "مقبرة الغرباء"

على بُعد مئات الأمتار منه، يلهو أطفال وسط "مقبرة الغرباء" في طرابلس (شمالي لبنان)، بعضهم امتهن التسول، وآخرون يعملون بأجور زهيدة.

هنا، تعيش عشرات العائلات المعدومة في بيوت بُنيت عشوائيا عند تخوم القبور، فتلازمت حياتهم البائسة مع الموتى، في مقبرة تحولت لحزام بؤس منذ عقود.

تدفع أسر "الغرباء" معظم أولادها إلى العمل. وبين القبور يتنزه بهاء مرعي (15 عاما) مع شلّة من أقرانه، يُشعل السيجارة، ويخبرنا عن عمله في غسل السيارات بعد تركه المدرسة، "لأنها لن تنفعني، وأريد العمل لأعيش وأساعد أبي".

وداخل منزلها بالحي، تحضر بشرى زكي (36 عاما) طبق البرغل لأولادها الستة، وتتحدث عن معاناتها في تأمين قوتهم. وتقول للجزيرة نت إنها أرسلت ابنتها (14 عاما) للعمل في الخدمة المنزلية، في حين يبحث ابنها قصي (15 عاما) عن عمل لمساعدتهم.

قصص عمل الأطفال

هذه القصص عينة من حكايات لآلاف العائلات الفقيرة. ويرى خبراء أنها تعكس انقلابا في الأدوار، وبدل تلقي الأطفال الرعاية فرضت الظروف على عاتقهم مسؤولية مساعدة أولياء أمورهم.

وقبل أيام، حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) من أن مستقبل الأطفال في لبنان على المحك؛ فقد ارتفع عدد الأسر التي أرسلت أطفالها إلى العمل من 9 إلى 12%، في حين أن 53% من الأسر لديها طفل واحد على الأقل فوّت وجبة طعام، كما أن ما بين 3 و10 أسر خفضت نفقات التعليم.

ما خلفيات مآسي الأطفال؟

تشرح ممثلة اليونيسيف في لبنان يوكي موكو في حديث للجزيرة نت تفاصيل الدراسة التي اعتمدت على استبيانات عبر الهاتف بمسح في الأول من أبريل/نيسان الفائت على 1244 أسرة، وتبعه مسح ثانٍ في أكتوبر/تشرين الأول الماضي على 838 أسرة، وشمل عينة تمثيلية من اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين موزّعين على المحافظات الثماني كافة.

وتصف موكو أزمة لبنان "بالمدمرة"، حيث أدت إلى ارتفاع نسب الضعف وعدم المساواة لدى الأطفال؛ "فوجدوا أنفسهم بالشارع في مواجهة مخاطر جسيمة"، وتكشف أرقام الدراسة -وفق قولها- عن أن واحدا من كل 8 أطفال انخرط في العمل.

-حقوقه مهدورة لمجرد نزوله لسوق العملحسب ممثلة اليونيسيف فإن عمل الأطفال يعطل فرص نموهم (الجزيرة)

مجالات عمل الأطفال

كسائر دول العالم، أكثر من 50% من هؤلاء الأطفال يعملون بالزراعة، والبقية بالمتاجر أو يتسوّلون، أو يقومون بأعمال غير رسمية في المدن.

ولا توجد بيانات كافية حول أجور الأطفال العاملين، حسب موكو. وتستند إلى دراسة عام 2021 "أظهرت أن أجور الأطفال لا تغطي احتياجاتهم الأساسية بمتوسط يومي بين 5 آلاف ليرة لبناني (0.03 سنت) و15 ألفا (0.57 سنت)؛ في حين تختلف أرباح الأطفال المنخرطين في عمل الشوارع اعتمادا على العمر والجنس والموقع والموسم والعمل المنجز".

وقالت ممثلة اليونيسيف إن عمل الأطفال يعطل فرص نموهم، ويتعرضون للإيذاء الجسدي والنفسي والأنشطة غير المشروعة، ويصبحون كبارا قبل أوانهم.

وترى موكو أن نسبة الأطفال المنخرطين في العمل لا تؤكد بالضرورة توقفهم عن الدراسة، لكن -حسب تقييم اليونيسيف- "الأزمة العميقة تُهدد حق الأطفال الأكثر ضعفا في التعليم"، وتتوقع ألا يعود نحو 440 ألفا من الأطفال اللاجئين، و260 ألفا من الأطفال اللبنانيين -الذين هم بسنّ الدراسة- إلى المدرسة.

أين وزارة العمل؟

شكليا، يتضارب عمل الأطفال مع القوانين اللبنانية والاتفاقيات الدولية الراعية لحقوق الطفل التي وقعتها السلطات.

وهنا يتساءل كثيرون عن دور وزارة العمل اللبنانية بالتصدي لهذه الظاهرة الخطيرة، لأنها تلعب دورا رئيسيا في المجال، عبر التفتيش واللجنة الوطنية ووحدة مكافحة عمل الأطفال.

تقرّ رئيسة وحدة مكافحة عمل الأطفال بوزارة العمل نزهة شليطة بأن عمل الأطفال في ارتفاع مستمر، وتقول إن سن الاستخدام بقانون العمل اللبناني يبدأ من 14 عاما؛ وبمرسوم آخر يصنف أسوأ أشكال عمل الأطفال دون سن 18 عاما، كالاتجار بأجسادهم والمخدرات والأعمال الخطيرة على بنيته والنزاعات المسلحة، و"يجرم جنائيا صاحب العمل"، لافتة إلى أن التسول يعد أسوأ أشكال عمل الأطفال.

وتوضح للجزيرة نت أن الوزارة تسجل -بالتوازي مع ذلك- ارتفاع معدلات الصرف من العمل، ويقابله ارتفاع في معدل عمل الأطفال، كأنهم بديل لبعض أرباب العمل عن الراشدين.

صعوبة التفتيش

ولأن التفتيش في القطاع المنظم وليس غير المنظم -حسب شليطة- والإمكانيات ضعيفة ماديا وبشريا واجتماعيا، فإنه يصعب التفتيش، ووذلك لعدة أسباب، ومنها:

  • النقص الحاد في عدد المفتشين، ويوجد فقط 11 مفتشا فنيا، وأقل من 20 مفتشا إداريا مع مساعدين، ولا يستطيعون تغطية كل القطاعات والمناطق اللبنانية.
  • معظم الأطفال العاملين لبنانيين ولاجئين يعملون بالقطاعات غير المنظمة وفي أماكن غير مرئية.

ومنذ عام 2017، أنشأت وزارة العمل -وفق شليطة- لجنة تعاون مشتركة مع المديرية العامة للأمن العام، لملاحقة عمل الأطفال على الأراضي اللبنانية. لكنها ترى أن المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية لا تقوم بدورها تجاه الأطفال.

وتذكر شليطة أن منظمة العمل الدولية معنية مباشرة بالملف، ومسؤولة عن الدعم المادي والتقني، و"لا نلمس إعطاء القضية الهامش العملي المطلوب، مقابل اكتفاء المنظمات بإصدار التقارير الرقمية، بينما الجهات الرسمية لا تملك الأدوات والدعم المالي لمكافحة الظاهرة بشكل تام.

جذور الأزمة

تربط أديبة حمدان أستاذة علم الاجتماع بالجامعة اللبنانية بين التسرب المدرسي وعمل الأطفال، وتذكر أن التعليم مسألة شديدة الأهمية في المجتمع اللبناني، ومع ذلك "أرسلت آلاف الأسر أطفالها للعمل بدل التعليم، وأصبح الأخير مسألة ثانوية.

شلة أطفال يعملون - الجزيرةمجموعة أطفال يعملون وهم عرضة لشتى أشكال التنمر (الجزيرة)

مخاطر يواجهها الأطفال العاملون

قالت حمدان للجزيرة نت إن عمل الأطفال يتفاقم ويشكل ظاهرة في فصل الصيف خلال العطلة المدرسية، وتعدد أبرز المخاطر التي يواجهها الأطفال العاملون:

  • إهدار الحقوق لمجرد النزول لسوق العمل والخروج من فئة جيل الأطفال، وهذه أول خسارة.
  • يكون الطفل عرضة لشتى أشكال التنمر على شكله وبنيته وسلوكه، وللانتهاك؛ كالتحرش الجنسي واستغلاله ماديا، وتشغيله ساعات طويلة من دون أعطال، وهدر طاقاته، بينما هو في مرحلة إعداد وتربية.
  • الاحتكاك بمجال العمل -بغض النظر عن نوعه- يعرض الطفل  لمعوقات في مسيرة حياته وتعثر نشأته لاحقا، لأنه يمكن أن يكون بيئية جاهزة لانحراف الطفل.

من المسؤول إذن؟

تؤكد ممثلة اليونيسيف سعيهم لرعاية الأطفال العاملين، وتقول موكو إن الأطفال يحتاجون لدعم الجميع، من الحكومة والمجتمع الدولي والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية، وضمان تطبيق سياسات حماية الطفل.

من جهتها، ترى أديبة حمدان أن الدولة المسؤول الأول والأخير عن حماية الأطفال، لكن السياسات الاجتماعية غائبة تاريخيا في لبنان.

وقالت إن الأزمات المتشابكة منذ عامين جعلت الدولة شبه مستقيلة عن دورها الرعائي، مما أثر على واقع الأطفال تلقائيا.

وتجد حمدان أن ثمة مسؤولية على الأسر، ولا يوجد من يغطي عجزها، والخطر -في رأيها- الانقلاب التدريجي في الأدوار لدى بعض الأسر، محملة أطفالها ثقل رعايتها، بدل مدهم بالدعم المعنوي والمادي والتعليمي والحماية من المخاطر المهددة لحاضرهم ومستقبلهم.

المصدر : الجزيرة