خلال مشاركتها بمؤتمر "وايز".. صانعة أفلام يمنية توثق قصص الحرب في بلدها

مريم قدمت عرضا خلال مؤتمر وايز لتمكين الشباب في مناطق الصراعات
الذبحاني قدمت عرضا خلال مؤتمر وايز لتمكين الشباب في مناطق الصراعات (الجزيرة)

الدوحة ـ رصاصات وقذائف وحرائق تشتعل في مناطق مختلفة من اليمن، وأوجاع مستمرة من هول الحرب وضحاياها استطاعت اليمنية مريم الذبحاني أن تعبر عنها من خلال أفلامها القصيرة التي تسرد معاناة والآم مئات الأسر والأطفال الذين قضوا تحت جحيم الحرب.

الذبحاني -التي اضطرت إلى ترك بلادها في عام 2015- اختارت مقاومة الحرب بالفن، ودعت الشباب لحمل الكاميرا لا البنادق، وذلك عبر أفلامها الوثائقية التي تروي فيها معاناة شعب مزقته الحرب على مدار سنوات.

وشاركت الذبحاني في مؤتمر القمة العالمية للابتكار في التعليم "وايز" (Wise) -الذي عقد في العاصمة القطرية الدوحة خلال الفترة من 7 إلى 9 ديسمبر/كانون الأول الجاري- في عدد من الجلسات، وكان أهمها بعنوان "الكاميرات لا البنادق" التي طرحت فيها مبادرتها.

فظاعة المجازر التي عاشتها خلقت من مريم (31 عاما) صانعة أفلام مرهفة الحس نجحت في أن تمس مشاعر من يرى أعمالها وضحايا الحرب من اليمنيين بالمشاهد التي تحكي قصصا لأطفال أجبروا على حمل السلاح وترك المدارس من أجل لقمة العيش والبقاء على قيد الحياة.

وقبل عقد من الزمن وعلى غير رغبتها درست الشابة اليمنية الصيدلة السريرية تلبية لرغبة والدها، لكن 14 دقيقة فقط هي محتوى فيلم "مجرد ذكرى" كانت كفيلة بتغيير حياتها واستعادة شغفها بصناعة السينما والإعلام.

تقول الذبحاني للجزيرة نت إن البعض كان يجهل الكثير عن الأحداث المأساوية التي تحدث في اليمن، ولكن من خلال أعمالي استطعت أن أسلط الضوء على حجم هذه المأساة والدماء التي تذهب ضحايا الحرب منذ سنوات.

احترافها في استخدام الواقع الافتراضي لتسليط الضوء على قصص من اليمن جعلها تبدع في الأفلام الوثائقية التي تقدمها، فتشعر عند مشاهدتها بأنها تجسيد للواقع المرير الذي يعيشه الأطفال اليمنيون.

وتحاول الذبحاني (المولودة لأب يمني وأم روسية) في أعمالها أن تقفز بالكاميرا في كل كادر على مشاهد الخراب والدمار والقتل والعنف، فكانت دائما تسعى إلى أن تظهر للعالم براءة الأطفال الذين قتلوا في الحرب.

مريم احترفت استخدام الواقع الافتراضي لتسليط الضوء على قصص من اليمنالذبحاني احترفت استخدام الواقع الافتراضي لتسليط الضوء على قصص المعاناة في اليمن (الجزيرة)

بارقة أمل

تؤمن الذبحاني بأن الفنون -ومنها السينما- تعد بارقة أمل للشعوب -خاصة بالنسبة إلى الشباب- للإقبال على الحياة في ظل الظروف الصعبة، ورغم المحن التي يمر بها اليمن فإن الشابة اليمنية اختارت الوقوف وراء الكاميرا، لتصوير أفلام وثائقية تعبر عن طموحات وآمال اليمنيين ومحو الصورة السلبية عن بلدها.

أواخر العام 2015 غادرت الشابة اليمنية بلادها بسبب الحرب التي ما زالت مستمرة حتى اليوم، لتبدأ مسيرة جديدة من حياتها في قطر، إلا أن الحرب لم تغادرها، وآثارها ظلت تعيش معها، أصوات القصف وذكريات العاصمة صنعاء.

رحلة مريم في الدوحة لم تكن سهلة، فقلقها على أهلها وأصدقائها الذين تركتهم يعيش في داخلها، إلا أن الأيام كانت كفيلة بمداواة جراحها بعدما التحقت بجامعة نورث ويسترن الأميركية لدراسة الصحافة والتواصل الإستراتيجي، لتبدأ أولى خطوات تحقيق أحلامها.

وتوضح أنها لم تكن تتوقع أن تكون صانعة أفلام، لكنها شعرت في الوقت نفسه بأن السينما مجالها المفضل، إلا أنها لم تكن تعرف كيف تدخل إليه.

وفي صيف 2018 اكتشفت الشابة اليمنية نفسها كسينمائية بعدما التحقت بورشة صناعة أفلام تتبع مؤسسة الدوحة للأفلام، الأمر الذي منحها الثقة والقدرة والمقومات لخوض هذا المجال وصقل مهاراتها الكامنة.

أتت أعمالها السينمائية انعكاسا لمعاناتها، حيث حاولت كسر الصورة النمطية التي تركزت حول اليمن واختزالها في المجاعة والموت، وأصرت على أن تعبر عن توق الناس للعيش بسلام والعودة للحياة الطبيعية.

رسائل مجتمعية

وتناولت الذبحاني العديد من القضايا من خلال أفلامها، بما يشمل التعامل مع صدمات الحرب وتبعاتها النفسية، وكذلك التعامل مع الخسارة ومعالجة ذكريات الفقدان والغربة.

وتؤكد أن الأفلام من أقوى الطرق لإيصال رسائل مجتمعية ذات تأثير قوي بهدف تغيير السلوك، وهو الأمر الذي جعلها تحترف هذا المجال الحيوي، فضلا عن أنها وسيلة للتشافي ولمعالجة قضايا إنسانية وحياتية.

ولا تترك الذبحاني فرصة من أجل الترويج لمعاناة اليمنيين من الحرب في أفلامها الوثائقية، والتي حصدت من خلالها عدة جوائز، أبرزها جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان أجيال السينمائي بقطر، وجائزة أفضل فيلم وثائقي من مهرجان "فورت مايرز بيتش" (Fort Myers Beach) السينمائي الدولي بأميركا، وجائزة الحكام الخاصة لأفضل فيلم وثائقي بمهرجان السينما للجميع في مصر، وجائزة أفضل مخرج صاعد بمهرجان الفيلم العربي في كندا.

الكاميرات لا البنادق

وخلال مؤتمر وايز قدمت الذبحاني فكرتها "الكاميرات لا البنادق"، والتي تهدف إلى تمكين الشباب في مناطق الصراع من تعلم السينما والتي تقوم على استخدام الفن لإعادة الذات، ومنح الفرص للشباب في اليمن والمناطق التي تعاني من الصراعات من أجل التعلم واكتساب مهارات جديدة عن طريق سينما صناعة الأفلام.

وترى أن تحقيق هذا الأمر يبدأ بالشغف لأنه الدافع الأول والأقوى، فضلا عن قدرة المتلقي على التفاعل والتعبير عن الفكرة بالطريقة التي تناسبه، ومن ثم قدرته على تنمية مهاراته وتمكنه من الوصول إلى الاحترافية في العمل.

وتعتبر الشابة اليمنية -التي تعمل حاليا على فيلمين وثائقيين في مرحلة الإنتاج- أنه لا بد من وجود قدرة على استخدام الفن كوسيلة لتوفير لقمة العيش أيضا كي يستمر.

المصدر : الجزيرة