بعدسة الفوتوغرافي عمر القطاع.. وجوه أخرى جميلة للحياة في غزة

ستعرض لعمر صور فنية جمالية حول غزة في معرض سيقام قريبا في أميركا، ويقول: إن القائمين على المعرض تواصلوا معه لتكون صوره الجانب المناقض للصور الحزينة والمؤلمة التي تسبب فيها الاحتلال الإسرائيلي.

ابتسامة أطفال رغم بؤس الحياة في مخيمات غزة-رائد موسى-الجزيرة نت
ابتسامة أطفال رغم بؤس الحياة في مخيمات غزة بعدسة الفوتوغرافي عمر القطّاع (الجزيرة)

غزة- "أتمنى أن أعيش في غزة التي أراها في صورك"، هذا أكثر تعليق يسمعه المصور الثلاثيني عمر القطّاع من الناس على صوره، التي يظهر فيها جوانب جميلة في قطاع غزة لكنها "دفينة" أحزان الغزيين، الذين ألفت عيونهم مشاهد الموت والدمار خلال السنوات الماضية.

هذا الواقع المرير الناجم عن حصار مستمر منذ 15 عاما، تخللته 4 حروب إسرائيلية دموية ومدمرة، لم يمنع عمر (32 عاما) من "التنقيب" بعدسته عن ملامح الحياة والجمال والفرح بين ثنايا الأزمات المركبة والمتراكمة.

يحلم المصور عمر القطاع بمعرض فني يظهر جوانب الحب والأمل والجمال في غزة-رائد موسى-الجزيرة نتالمصور عمر القطّاع يحلم بإقامة معرض فني يظهر جوانب الحب والأمل والجمال في غزة (الجزيرة)

غزة جميلة بأهلها

بدأ عمر حديثه مع الجزيرة نت مستعيرا واحدة من أشهر كلمات الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، ويقول عمر: إن مليوني فلسطيني يعيشون فوق هذه البقعة الصغيرة يستحقون حياة أفضل.. حياة كباقي البشر، آمنة وخالية من الحصار والقتل والدمار.

و"رغم ما عايشه أهل غزة من كوارث خلال السنوات الماضية، فإن هناك جوانب مضيئة ومشرقة، فهم لا يستسلمون ويتمسكون بالحياة"، والحديث لعمر الذي يحرص يوميا على رصد مساحات الفرح في حياة الغزيين.

ويتجول عمر في الشوارع وعلى ساحل البحر حاملاً حقيبة على كتفه تحتوي على معدات التصوير الخاصة به وكأنه "صيّاد"، ولكنه لا يبحث عن فريسة، وإنما عن حياة، فيلتقط صورا تظهر الحب والجمال في مخيمات اللاجئين، وفي عيون عشاق غروب الشمس على الشاطئ.

ولا يخفي عمر أن اللون الأسود يطغى على غيره من الألوان في غزة "الغارقة" في بحر من أزمات لا تكاد تنتهي، غير أنه يؤمن بوصفه واحدا من شبابها بأن "إرادة الحياة أكبر وأبقى".

رغم بؤس الحياة في غزة المحاصرة إلا أن أهلها يتمسكون بالأمل-رائد موسى-الجزيرة نترغم بؤس الحياة في غزة المحاصرة فإن أهلها يتمسكون بالأمل (الجزيرة)

رسائل حب وأمل

عمر ينحدر من أسرة لاجئة من بلدة "المحرقة" في فلسطين المحتلة عام 1948، وعاش وتزوج في شقة سكنية مع والديه وأشقائه في حي التفاح بمدينة غزة، وبعدما ضاقت الشقة على من فيها، اضطر إلى الانتقال بزوجته وابنه الوحيد إلى شقة اشتراها بالتقسيط.

ويقول عمر "حياتي ليست وردية، ومثل غالبية أهل غزة أعيش المعاناة بتفاصيلها.. لست موظفا، وأعمل ضمن مشاريع مؤقتة تنفذها مؤسسات في غزة، ولدي التزامات مالية لسنوات".

حديث عمر هذا توضيح منه "للبعض" ممن كانوا يعتقدون للوهلة الأولى عند رؤيتهم صوره، التي تعكس جوانب جميلة ومختلفة عن تلك السائدة عن غزة، أنه يعيش حياة مستقرة ومرفهة، وقال "لست إنسانا مغيبا أو منسلخا عن الواقع، ولكنني لا أريد لليأس أن يسيطر علينا، يجب أن نبقى متمسكين بالحب والأمل".

يعتبر البحر المتنفس الوحيد لمليوني فلسطءني في قطاع غزة الصغير والمحاصر-رائد موسى-الجزيرة نتالبحر يعتبر المتنفس الوحيد لمليوني فلسطيني في قطاع غزة الصغير والمحاصر (الجزيرة)

حكاية عشق

عمر درس المحاسبة ولم يعمل بها، فقد عشق التصوير قبل أن يكون لديه كاميرا أو يمتلك ثمنها، وعندما تخرج من الجامعة اشترى أول كاميرا صغيرة للهواة من مدخرات مصروفه الشخصي وكان ثمنها آنذاك 300 شيكل (أقل من مئة دولار).

بدأ عمر يخطو أولى خطواته في عالم التصوير الفوتوغرافي، ينزل للميدان يلتقط بكاميرته الصغيرة كل شيء وأي شيء، ولم يأبه بنظرات الاستغراب وأحيانا السخرية، ويقول "لم ألتحق بأي دورة تعليمية، وتعلمت ذاتيا فنون التصوير سواء بالممارسة عن طريق التجربة والخطأ، أو بالبحث على شبكة الإنترنت".

فتية وفتيات يتعلمون الموسيقى في معهد فني في غزة -رائد موسى-الجزيرة نتفتية وفتيات يتعلمون الموسيقى في معهد فني في غزة (الجزيرة)

وعندما تمكّن من توفير مبلغ 700 دولار دفعها قسطا لشراء كاميرا احترافية ثمنها ألفي دولار، امتلكها قبيل الحرب الإسرائيلية الثانية على غزة عام 2012، ويستذكر عمر أنه كان يصوّر غارات جوية إسرائيلية استهدفت مبنى "السرايا" الحكومي وسط غزة، وأصيب بجروح فقد بسببها الوعي للحظات، وعندما أفاق لم يجد الكاميرا، وأخذ بالبحث عنها قبل أن يتحسّس جروحه وآلامه.

يمتلك عمر الآن معدات تصوير كاملة وحديثة، لكن هذه الكاميرا التي وجدها على بعد أمتار منه وقد أصابتها "بعض الخدوش"، لها قيمة كبيرة ومكانة لديه، ويقول إنها لا تفارقه وليس في وارد التفريط فيها، وسيحافظ عليها كشاهد على مسيرته.

أطفال يلهون في أحد مخميات اللاجئين في غزة-رائد موسى-الجزيرة نتأطفال يلهون في أحد مخيمات اللاجئين في غزة (الجزيرة)

حب وحرب

يبدي عمر رضا عن النجاح الذي حققه حتى اللحظة خلال مسيرته مصورا الممتدة منذ 10 أعوام، لكنه يطمح للكثير، ويأمل أن ينتقل بما ترصده كاميرته إلى العالم عبر معرض فني اختار له اسم "حب وحرب"، يعكس من خلاله ما تكتنزه غزة من حياة وجمال عبر صور غير تلك التي اشتهرت بها لمشاهد الموت والدمار.

وقال عمر، الذي لم يكتب له السفر من غزة مطلقاً وحالت قيود الاحتلال دون سفره للمشاركة في فعاليات فنية في أوروبا والضفة الغربية، "يجب أن يعرف العالم أن في غزة الكثير من المبدعين في مجالات مختلفة، وأن أهلها يستحقون الحياة، وأن الاحتلال هو سبب معاناتها وآلامها".

شاب يؤدي حركات أكروباتية في ساحة عامة في غزة-رائد موسى-الجزيرة نتشاب يؤدي حركات أكروباتية في ساحة عامة في غزة (الجزيرة)

ومن المقرر أن تعرض لعمر صور فنية جمالية حول غزة في معرض فني سيقام قريبا في الولايات المتحدة الأميركية، مخصص لإظهار ما تعانيه غزة من أزمات تغلغلت في مناحي الحياة كافة.

ويقول عمر إن القائمين على المعرض تواصلوا معه كي تكون صوره الجانب المناقض لتلك الصور الحزينة والمؤلمة التي تسبب فيها الاحتلال الإسرائيلي.

المصدر : الجزيرة