حتى لا تصبح شخصية سامة.. عالمة نفس تحذرك من "الإغراق بالصدمات"

تخلص من عادة الشكوى المتكررة
من يلجؤون لسلوك الإغراق بالصدمات، يعتمدون بشدة على الأصدقاء، لأنهم ليس لديهم طريقة أخرى لمعالجة مشاعرهم (بيكسلز)

رغم ما للصداقة من تأثير على الصحة، بمساعدتها على خفض خطر الاكتئاب وارتفاع ضغط الدم، من خلال "تقديم الدعم في الأوقات العصيبة، وتبديد الشعور بالوحدة، وتعزيز السعادة، وتقدير الذات"، فإن موقع "مايو كلينك" (Mayoclinic)، ينصح بمعرفة "ما يمكن فعله للحفاظ على الصداقات ضمن قاعدة الأخذ والعطاء".

فلا شيء أضر بالصداقة من "مشاركة أزماتنا في المكان والزمان غير المناسبين، مع شخص قد لا تكون لديه القدرة على معالجتها"، أو ما يُسمى "الإغراق بالصدمات"، وفقا للأخصائية النفسية كارلا مانلي.

فعلى سبيل المثال، تشهد وسائل التواصل الاجتماعي -حيث يتحدث الناس بحرية عن تجاربهم المؤلمة في مساحات يعتبرونها حرة- تَعرض الأشخاص "للإغراق بالصدمات" عبر الرسائل المباشرة، أو التعليقات، أو مقاطع الفيديو.

ولكن، في حين أن هذا السلوك قد يكون بمثابة "مُسكن" لبعض المستخدمين، يحذر الخبراء من أن تكون له آثار ضارة، سواء على من يُلقي بالصدمات، أو على من يتلقاها، وفقا لموقع "إنسايدر" (Insider).

نموذج للإغراق بالصدمات

"الإغراق بالصدمات" ليس مصطلحا نفسيا، بحسب المعالجة النفسية للمراهقين، مالوري غريمست، لكنه ظاهرة هيمنت على الإنترنت في السنوات القليلة الماضية، تتمثل في "مشاركة أحد الأشخاص تجربة مؤلمة، دون طلب الإذن منه لمعرفة مدى استعداده لسماعها، أو قدرته على معالجتها".

حتى أن اثنين من أشهر الوسوم عن "الإغراق بالصدمات" على موقع "تيك توك" (TikTok) يحققان أكثر من 20 مليون مشاهدة، لمقاطع فيديو تحتوي على مشاركة قصص شخصية حول سوء المعاملة، أو الاعتداء، أو أزمات الصحة العقلية.

ففي يونيو/حزيران الماضي، نشرت آشلي كيمتشي، مقطع فيديو عن والدها على "تيك توك"، حقق ما يقرب من 2.5 مليون إعجاب، وصفته فيه بأنه "أفضل صديق لها". لتتلقي تعليقات من مئات المستخدمين، تدخل في نطاق "الإغراق بالصدمات"، كسرد قصص عن الإساءة والتخلي والفجيعة، وأقوال مؤلمة، مثل "أنا حزين أن والدي ميت"، و"أتمنى لو كان لديّ أب"، وهكذا.

ولا يتوقع أصحاب التعليقات، أن هذا الإغراق غير المرغوب فيه بالصدمات، يمكن أن يؤدي -وفقا لاختصاصية معالجة الصدمات، شانون توماس- إلى "تعرض المُتلقي لصدمة، تجعله يعاني بسبب تفاصيل تم إشراكه فيها دون إذنه".

البكاء المكتوم (بيكساباي)تعرض المُتلقي لصدمة، تجعله يعاني بسبب تفاصيل تم إشراكه فيها دون إذنه (بيكساباي)

5 أسباب لممارسة الإغراق بالصدمات

تقول عالمة النفس وزميلة جامعة أكسفورد، نيليشا ويكريماسينغي، إن "من يلجؤون لسلوك الإغراق بالصدمات، يعتمدون بشدة على الأصدقاء، لأنهم:

  • ليس لديهم طريقة أخرى لمعالجة مشاعرهم، فهم يُلقون "الأفكار والمشاعر الصادمة على الآخرين، لأنهم يجدون صعوبة بالغة في تنظيمها ومعالجتها بشكل مناسب".
  • لديهم مشكلة نفسية أعمق، مثل الشخصية الحدية، أو اضطراب ما بعد الصدمة، حيث تؤدي ذكريات الماضي القوية، إلى تشويش العقل، وتحد من القدرة على التواصل مع الآخرين.
  • يعانون ارتباكا في تقدير حجم المشكلة، فيساوون بين الوقوف في طابور للحصول على البنزين، أو فقدان فرصة للترقية. وبين النجاة من الاغتصاب أو مشاهدة جريمة قتل أو فقدان أحد أفراد الأسرة.
  • يفترضون أن مجرد التخلص من الصدمات بإغراق الآخرين بها يكفي للشعور بالراحة، ظنا منهم أن مشاركة ما يشعرون به هو أمر جيد، حتى ولو لم يحصلوا على حلول.
  • "دماغ التهديد"، كجزء من نظامنا العاطفي يتنبه للخطر ويستجيب له، ويغمرنا بالمشاعر والأفكار القوية التي تسبب لنا الرعب من المشاكل مهما كانت بسيطة، وتدفعنا للمسارعة إلى الشكوى.

معاناة مُتلقي الإغراق بالصدمات

في كتابه "إجهاد التعاطف" يقول البروفيسور تشارلز فيغلي، أستاذ علم النفس المتخصص في أبحاث الصدمات "إن الصدمة الثانوية التي يسببها إلقاء الصدمات، يمكن أن تؤدي إلى أعراض تتطابق مع اضطراب كرب ما بعد الصدمة، مثل اجترار الماضي، واضطرابات النوم والأكل، والانسحاب من الأنشطة اليومية، ونوبات الغضب المفاجئة".

فقد شكت الصحفية المهتمة بالكتابة عن تجارب العنف المنزلي، راشيل تشارلتون ديلي، لإنسايدر، من "أنها كثيرا ما تتلقى رسائل مباشرة من أشخاص يشاركونها أحداثا واقعية مصورة وصادمة، دون سابق إنذار"، حتى أصبحت الصدمات بالنسبة لها، وكأنها "شيء تتعايش معه".

كذلك عبرت مايا كيني بيتروشا، ناشطة الصحة العقلية على تيك توك، عن مخاوفها من أن يسبب لها إغراق الصدمات شكلا من أشكال "الإدمان"، حيث تواصل الرد على التعليقات طوال الوقت، بعبارات مثل "أنا آسفة جدا"، و"يا إلهي، أنا مثلك تماما".

أيضا، اضطرت ياسمين سُمان -وهي صحفية وموسيقية ناشطة على تيك توك- لتقليص مقاطع فيديو، من بين المحتوى الذي تنشره، بسبب الإغراق بالصدمات، الناجم عن شعور بعض المعلقين بقبح مظهرهم، إلى حد التفكير بالانتحار، قائلة "لا أعرف كيف أتصرف حيال هذا الألم".

هل بإمكاننا البكاء أمام أطفالنا؟ (فري بيك)هناك قدر صحي من "الفضفضة" لمشاركة الضغوط والصدمات مع الأصدقاء، من أجل التعافي (فري بيك)

العواقب السلبية للإغراق بالصدمات

هناك قدر صحي من "الفضفضة"، لمشاركة الضغوط والصدمات مع الأصدقاء، من أجل التعافي، ولكن الأخصائية النفسية بيفرلي بلاكمان، تعتبر أن "مشاركة الصدمة مع شخص أضعف من أن يجد حلا، أو مناقشة أفكار ومشاعر مؤلمة أثناء حفل، أو في مساحة على الإنترنت تناقش موضوعا آخر، تُعد أمرا صعبا للغاية، يجعل الإغراق بالصدمات أكثر سُميّة وإيلاما للمستمع".

أيضا، ترى نيليشا ويكريماسينغي، أن "الإغراق بالصدمات يتسبب في حدوث مشكلات جسدية ونفسية، قد يستغرق التعافي منها وقتا، بسبب مشاعر بالذنب والخجل التي تظهر بعد نوبات تفريغ الصدمة، والشعور بالقلق المتزايد لأن الإغراق لم يُزل الألم".

وهو ما أكدته الطبيبة النفسية والمؤلفة، جوديث أورلوف، بقولها "إن معظم الأشخاص الذين يتعرضون للإغراق بالصدمات، يشعرون بالقلق والتوتر والعجز، وحتى الاكتئاب بعد المحادثة". ففي الوقت الذي يشعر فيه من يمارسون الإغراق بالصدمات بالتحسن بعد إلقاء أحمالهم السلبية، يشعر الشخص الذي يلقون عليه صدماتهم بالفزع والاستنزاف.

لذا، ينصح الخبراء بوضع حدود لأولئك الذين يُغرقون بالصدمات باستمرار، وتقول كارلا مانلي "إن هذا لا يعني أنك شخص سيئ، لكنك ببناء تلك الحدود تفعل ما يكفي لحماية نفسك".

المصدر : مواقع إلكترونية