الحياة في "آباك".. ماذا حدث بعد أن امتلك المساجين مفاتيح السجن؟

في "آباك" يستعيد المرء إنسانيته، يخطئ ويعاقب دون أن تنتزع عنه صفته الآدمية.

A prisoner behind bars with hands cuffed - stock photo
الرجل يدخل والجريمة تبقى في الخارج"، شعار وضع على كل جدران سجون "آباك" (غيتي)

بدلا من إيداع مرتكبي الجرائم السجون المعتادة بصورتها المتعارف عليها حول العالم؛ يصبحون نزلاء في بديلٍ إنساني للسجون السائدة، ويعيش المدانون في أماكن الاحتجاز كمواطنين، ويرتدون ملابسهم الخاصة، ويحضرون طعامهم، ويتولون تأمين السجن بأنفسهم، ويحملون مفاتيحه دون وجود حراس أو أسلحة.

ربما، تعتقد أنه مشهد خيالي من فيلم ما، لكنه واقع يحدث في البرازيل منذ السبعينيات، بدأ في مدينة "إيتاونا" في ولاية "ميناس جيرايس" وانتشر في عدد من المدن الأخرى، حيث الفلسفة الحاكمة هي إصلاح المخطئ وإعادة تأهيله ليعود فردا نافعا في المجتمع. فما حكاية سجون "آباك" (Apac)؟

نظرة على السجون التقليدية

تكتسب البرازيل سمعة غير جيدة عندما يتعلق الأمر بالأنظمة العقابية وحقوق السجناء، حيث تسجن البرازيل كثيرا وبطريقة غير منضبطة، ولا توفر ظروفا كريمة في السجون.

ويبلغ عدد نزلاء السجون في البرازيل 811.707 سجناء، وفقا لموجز السجون العالمي.

وبذلك تحتل البرازيل المرتبة الثالثة عالميا من حيث عدد السجناء بعد الصين والولايات المتحدة الأميركية، بحسب بيانات منظمة "كونيكتاس" (Conectas) البرازيلية لحقوق الإنسان.

ويوجد تاريخ طويل من الانتقادات التي لاحقت السجون البرازيلية، وتقارير دولية رصدت كثيرا من الانتهاكات والظروف غير الآدمية التي يعيشها المساجين.

فوفقا لتقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش" (Human Rights Watch)، يجبر السجناء البرازيليون في كثير من الأحيان على تحمل ظروف معيشية يومية مروعة في سجون البلاد ومعتقلاتها ومقار الاحتجاز التابعة للشرطة.

تاريخ طويل من الانتقادات التي لاحقت السجون البرازيلية، وتقارير دولية رصدت كثيرا من الانتهاكات (بيكسابي)

فكر بديل

في عام 1972، فكّر عدد من الكاثوليك الحقوقيين -العاملين في جمعية حماية ومساعدة المدانين والمجرمين "آباك" (APAC)- في توفير بديل إنساني للسجون سيئة السمعة السائدة في البلاد، بهدف إصلاح كل الصور السلبية عن النظام العقابي بالبرازيل.

وبحسب "الغارديان" (The Guardian)؛ يتعامل المسجون في سجون "آباك" باسمه وليس برقم ما كما في باقي السجون، ويرتدي ملابسه الخاصة وليس زيا موحدا لكافة المساجين، كما يطلق عليه "متعافيا" وليس سجينا، ويحضر طعامه بنفسه ويحمل مفاتيح السجن في جيبه، بل ويتولى بنفسه تأمين السجن دون وجود حراس أو أسلحة.

ويبدو أن النموذج الأولي للسجن الذي أنشأ في مدينة "إيتاونا" في ولاية "ميناس جيرايس" في السبعينيات؛ لاقى نجاحا كبيرا أو حقق هدفه المنشود، ما جعل وزارة العدل البرازيلية تدعم المشروع لتتوسع مراكز الاحتجاز "آباك" حتى أصبح عددها اليوم 60 مركزا للشفاء والتأهيل، يضم حوالي 4 آلاف محتجز.

ووفقا لـ"دويتشه فيله" (Deutsche Welle) حصل المشروع على دعم الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2016، قرر الاتحاد نقل الفكرة إلى بلدان أخرى في أميركا الجنوبية كأداة لتقوية المجتمع المدني وتعزيز حقوق المحتجزين.

فلسفة "آباك"

يحاول جميع نزلاء "آباك" اتباع فلسفة نظام السجن الصارم الذي يتضمن العمل والدراسة، لأنهم يعلمون جيدا أن البديل هو العودة للسجون التقليدية.

ولم يفكر أحدهم في الهرب، وفقا لما جاء في "الغارديان" لسببين، أولهما أنه بعد قضاء فترة من العقوبة المنصوص عليها للنزيل يسمح له سجن "آباك" بالإفراج المشروط، حيث يمكنه الخروج مرة واحدة في الأسبوع لزيارة عائلته.

السبب الثاني؛ عند الهروب من السهل تعقب الفار وإلقاء القبض عليه ويودع في أحد السجون التقليدية ولا يسمح له بالرجوع إلى سجن "آباك" مرة أخرى، وهو ما يخشاه النزلاء كثيرا، حيث يشترط "آباك" أن يكون كل نزيل قد قضى في السابق فترة عقوبة بسجن تقليدي وأظهر ندما على جريمته.

جميع نزلاء "آباك" يحاولون اتباع فلسفة نظام السجن الصارم الذي يتضمن العمل والدراسة (مواقع التواصل)

الإصلاح والتأهيل

"الرجل يدخل والجريمة تبقى في الخارج"، شعار وضع على كل جدران سجون "آباك"، وأصبح فلسفة جعلت المدانين بأبشع الجرائم يشعرون بالهدوء والسكينة في التعامل دون التحفز المعتاد.

يمارسون عملهم في غرفة للمشغولات اليدوية الخشبية، وهي منطقة مخصصة للقادمين الجدد، وتقوم فلسفتها على أن السجناء ارتكبوا شيئا خاطئا بأيديهم في الخارج، لذا عليهم الآن أن يصنعوا شيئا جيدا بأيديهم، ويتم بيع المنتجات في وقت لاحق خارج السجن.

ويقوم السجناء بصناعة زجاجات الصابون والخبز وأجزاء السيارات البلاستيكية والعديد من المنتجات الأخرى التي تتطلب صناعة يدوية، لتباع أيضا، خارج السجن في وقت لاحق.

استعادة الإنسانية

في "آباك" يستعيد المرء إنسانيته، يخطئ ويعاقب دون أن تنتزع عنه صفته الآدمية، ويظهر الفارق بين المعتاد والجديد من خلال "تاتيانا"، وهي أم لطفلين تبلغ من العمر 26 عاما، حكم عليها بالسجن 12 عاما في البرازيل، ونقلت من أحد السجون التقليدية إلى سجن آخر تديره جمعية حماية ومساعدة المدانين "آباك" في ولاية ميناس جيرايس.

تقول "تاتيانا" في تقرير منشور على "بي بي سي" (BBC) "لوهلة، لم أتعرف على نفسي في يومي الأول في زنزانتي الجديدة، انتابني شعور غريب، عندما تسنت لي فرصة النظر إلى نفسي في المرآة ثانية".

مضيفة "يختلف هذا السجن عن باقي السجون السائدة التي تسرق أنوثة المرأة"، ففي "آباك"، يسمح لها بارتداء ملابسها الخاصة، ويمكنها وضع مساحيق التجميل وصبغة الشعر. إن الفرق شاسع للغاية وغير قابل للمقارنة مع السجون السائدة على الإطلاق.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة