الكوفية.. من غطاء رأس بدوي إلى رمز وطني وموضة عالمية

فلسطينيا يعتمر كوفية وعارضة الازياء
الكوفية كانت غطاء الرأس التقليدي للبدو وأصبحت رمزا وطنيا لشعوب عربية وموضة عالمية (الجزيرة)

لئن كانت الكوفية قد اشتهرت بفضل كفاح الفدائيين الفلسطينيين وخطاب الزعيم ياسر عرفات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974 قبل أن يستحوذ عليها عالم الموضة، فإن لقطعة القماش هذه قبل ذلك تاريخا طويلا متجذرا في الشرق الأوسط، حين لم تكن سوى غطاء رأس لدى الفلاحين والبدو في بلاد الشام والعراق وشبه الجزيرة العربية.

يقول المؤرخ فينسان كابديبوي، في مقال بموقع "أوريان21" (Orientxii) الفرنسي، إن الكوفية كانت "غطاء الرأس التقليدي للفلاحين والبدو في شبه الجزيرة العربية" ولكنها اكتسبت أهمية سياسية منذ عام 1936 أثناء الثورة الفلسطينية ضد المحتل البريطاني، وتبناها في الثمانينيات المتظاهرون الشباب، قبل أن يستعيرها مصممو الأزياء والعلامات التجارية الكبيرة للملابس الجاهزة.

blogs - Yaser Arafat ياسر عرفاترئيس السلطة الفلسطينية الراحل ياسر عرفات أثناء خطابه عام 1974 بالأمم المتحدة (رويترز)

سرقة رمز النضال

قال المؤرخ الفرنسي إن الكثيرين استعاروا الكوفية، ولكن أكثر الاستعارات جدلا كان اختيار المصممين الإسرائيليين لها عام 2015، بمناسبة أسبوع الموضة في تل أبيب، عندما صنع أحدهم فساتين من الكوفية المصنوعة في الخليل، زاعما أنه يريد صناعة رمز للتعايش بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

وأثار وضع نجمة داود على الكوفية غضب مغنية الراب الفلسطينية البريطانية شادية منصور التي قامت بتأليف أغنية لافتة "للهوية: نرفع الكوفية.. الكوفية العربية.. أرفعها لبلاد الشام،.. الكوفية عربية.. وتبقى عربية".

ويبدو أن الكوفية قد تعزز حضورها بوصفها رمزا للنضال الفلسطيني مطلع الستينيات والسبعينيات مع بروز حركات النضال حينها، حيث اتخذتها شعارا كل من الناشطة الفلسطينية ليلى خالد عند اختطافها طائرة عام 1969، ورئيس السلطة الفلسطينية الراحل ياسر عرفات أثناء خطابه عام 1974 في الأمم المتحدة.

ويشير الكاتب إلى أنه سمع مرة، في مقابلة لم يجد لها أثرا، عرفات وهو يقول إنه لف كوفيته بحيث يذكر شكلها بقبة المسجد الأقصى في القدس، وترك طرفها يسقط بطريقة ترسم خريطة لفلسطين قبل الاحتلال.

ليلى خالد فدائية فلسطينية تظهر في كتب التدريس الإسرائيلية تحت لقب " مخربة " و " متوحشة " الخالناشطة ليلى خالد وضعت الكوفية عند اختطافها طائرة عام 1969 (الجزيرة)

غطاء رأس البدوي

لكن هل نعرف من أين جاء غطاء الرأس هذا؟ يتساءل المؤرخ ليجيب بأن أصل هذه الكلمة ليس عربيا، كما بدا للمؤرخ لرينهارت دوزي في معجمه لأسماء الملابس العربية المنشور عام 1845، ورأى أنه مستعار من اللغات اللاتينية، كوفة بالإيطالية أو كوفيا بالإسبانية أو كواف بالفرنسية وكوافا بالبرتغالية.

ومع أنها فرضية جذابة -كما يقول الكاتب- فإنها لا تستند لشيء سوى التقارب اللفظي الظاهر، لأن أصل الكلمة كما هو معروف مرتبط باسم مدينة الكوفة العراقية، والغريب أن الكلمة غائبة عن القواميس العربية القديمة، باستثناء تاج العروس الذي فسرها فيه مرتضى الزبيدي في القرن 18 بأنها "شيء يلبس على الرأس، سمي بهذا الاسم لأنه ملفوف".

وربما يكون الوصف الأكثر اكتمالا للكوفية ما قدمه ماكس فون أوبنهايم في تسعينيات القرن 19، حيث يقول "غطاء الرأس الوطني لعرب البدو هو الكوفية أو الشاشية، وهي نسيج قطني أو حريري، تبلغ مساحته حوالي متر مربع، يطوى بشكل مثلث ويوضع على الرأس بحيث يتدلى طرفاه على الجانبين وطرفه الثالث على الظهر، ويُثبت على الرأس بحبل أسود مصنوع من شعر الماعز، يلف مرتين حول الرأس".

ويضيف "تحت الكوفية، غالبا ما ترتدى قبعة قطنية. وتتميز الكوفية بألوانها المتنوعة، من الأزرق والأحمر أو الأسود، أو الأبيض".

الكوفية الفلسطينية شعار مهرجان عين على فلسطين ببروكسلالكوفية تتميز بألوانها المتنوعة من الأزرق والأحمر أو الأسود أو الأبيض (الجزيرة)

وفي بداية القرن التاسع عشر، كانت أوصاف المستشرقين والمسافرين خالية من الغموض، يقول فاكلاف سفيرين الكونت البولندي الذي قضى عامين بين البدو من 1817 إلى 1819 "زيهم بسيط. منديل أخضر مخطط بالأصفر مربوط بحبل من شعر الإبل يغطي رؤوسهم، قميص بأكمام واسعة ومدببة، سروال داخلي أسفل القميص، حزام جلدي مثبت عليه سكين، ومعطف مخطط بالبني أو الأزرق".

أما قبل هذا القرن فلم يكن للكوفية ذكر كبير، وإن كان ذكرها بعض الرحالة ووصفوها أحيانا، دون وجود اختلاف كثير بين وصفهم وما ورد في الوصف السابق، ووردت إشارات لها لدى من مروا بالعراق أو بسيناء أو بجزيرة العرب.

وكان التجار الدمشقيون يحملونها في قافلة الحج مع بضائع أخرى كالقدور النحاسية والأحذية ومسامير حدوة الحصان والتبغ والأنابيب، لبيعها للقبائل العربية هناك.

أكبر كوفية فلسطينية في ذكرى إعلان الاستقلالأكبر كوفية فلسطينية (الجزيرة)

الكوفية الفلسطينية الحقيقية

أما في فلسطين، فقد رسخت الكوفية وجودها خلال الثورة العربية الكبرى بين 1936 و1939، زمن الانتداب، حيث كانت تساعد في إخفاء هوية المقاتلين في البداية وتمنحهم فرصة أفضل للهروب، ثم حث قادة الثورة بعد ذلك جميع الفلسطينيين على استبدال الطربوش بالكوفية، مما أحدث تغييرا سريعا، وأثار بعض التعليقات في الصحافة.

وأصبحت الكوفية، التي كانت غطاء الرأس التقليدي للبدو، رمزا وطنيا للفلسطينيين، ويتم تصنيعها على نطاق واسع في المصانع الصينية بألوان مختلفة، إلا أن (هناك) ورشة عمل في الخليل تديرها عائلة الحرباوي ما تزال تواصل إنتاج "الكوفية الفلسطينية الحقيقية".

الفرق الشعبية استقبالت الزوار والمحتفلين بالاهازيج الشعبية. الجزيرة كمرتي. مدينة البتراء محافظة معان جنوب المملكة 300 كيلو copy.jpgالكوفية الحمراء رمز أردني ولباس تراثي شعبي (الجزيرة)

رمز الثورة العربية الكبرى

أشار المؤرخ إلى أن للكوفية الحمراء والبيضاء تاريخا موازيا، أصبحت بموجبه في القرن العشرين رمزا وطنيا للأردن المجاور لفلسطين، وذلك عندما أدرجها الجيش كجزء من زي دوريات الصحراء، خاصة الوحدة البدوية في الفيلق العربي بقوة الشرطة التي تم إنشاؤها عام 1923 للسيطرة على محمية شرق الأردن.

وكتب الضابط البريطاني جون غلوب في مذكراته أن "غطاء الرأس (لهؤلاء الجنود) كان غطاء رأس ذا مربعات حمراء وبيضاء، وأصبح منذ ذلك الحين رمزا للقومية العربية، بعد أن كان في السابق مجرد غطاء رأس أبيض شرق الأردن أو فلسطين".

ونبه الكاتب إلى أن ما كتبه الضابط الإنجليزي فيه بعض المبالغة، وكان هذا النوع من الكوفية هو الذي يرتديه ملك الحجاز ونجد منذ القدم.

وبغض النظر عن لونها فقد انتشرت الكوفية بشكل كبير، ودخلت بلا شك "المخزن الكبير للعالم" وأصبح من الصعب ربطها حصرا باستخدام واحد وهوية خاصة، ويمكن ارتداؤها عرفا أو للموضة أو الاحتجاج، وفق قول الصحيفة.

المصدر : الفرنسية