أفلام وألعاب تستغل حضارة الفراعنة وتربح المليارات.. ونصيب مصر صفر

العديد من الأفلام والألعاب الإلكترونية تستغل الحضارة المصرية القديمة دون مقابل (مواقع التواصل)
العديد من الأفلام والألعاب الإلكترونية تستغل الحضارة المصرية القديمة دون مقابل (مواقع التواصل)

لا تتوقف أصوات المصريين المطالبين بوقف استباحة الآثار المصرية وبيعها حول العالم، ووضع حد لاستنساخ القطع والأماكن الأثرية المصرية في دول عدة، ولعل أبرزها استنساخ مدينة الأقصر في منتجع يحمل الاسم نفسه في مدينة لاس فيغاس الأميركية.

ولكن الكثيرين يغفلون عن "بيزنس" (Business) آخر تقدر عوائده بمليارات الدولارات، يستغل الحضارة المصرية القديمة وآثارها ورموزها وفنونها المختلفة دون أي مقابل لمصر، وهو مجال الأفلام والألعاب الإلكترونية والتي كان آخرها لعبة المعارك القتالية الشهيرة "ببجي موبايل" (PUBG Mobile).

يرى البعض أن هذه الأفلام والألعاب تمثل دعاية لمصر، ولكن آخرين يرونها تشويها للحضارة القديمة خاصة وأنه قد غلب عليها العنف وأجواء الرعب، فضلا عن ألعاب المقامرة التي تأخذ الشكل والطراز الفرعوني.

السر العتيق

تستغل الألعاب الإلكترونية شغف الملايين حول العالم بالحضارة المصرية القديمة لجذب اللاعبين والمتابعين، وتحقيق الأرباح الخرافية، ويكفي البحث بكلمة مصر أو الفراعنة بالعربية أو الإنجليزية على أي متجر للألعاب الإلكترونية لتنهال عليك مئات النتائج لمختلف منصات الألعاب.

وخلال شهر أغسطس/آب الماضي كان مستخدمو لعبة ببجي موبايل على موعد مع سحر عالم الفراعنة، من خلال تحديث "السر العتيق" الذي تضمن شخصيات وأزياء ومبان على النمط الفرعوني، بجانب ألغاز ومغامرات قائمة على الرموز المصرية القديمة.

وبحسب تقرير شركة "سنسور تاور" (Sensor Tower) لأبحاث سوق الهواتف المحمولة والتكنولوجيا الصادر في 14 سبتمبر/أيلول الجاري، فقد حققت لعبة ببجي موبايل خلال شهر أغسطس/آب عائدات قاربت سقف ربع مليار دولار (221 مليونا) من إنفاق اللاعبين عبر متجري "آب ستور" (App Store) و"غوغل بلاي" (Google Play) فقط.

وعلى الرغم من أن اللعبة -التابعة لشركة "تنسينت" (Tencent) الصينية- مجانية إلا أنها تتيح للاعبين دفع نقود حقيقية مقابل شراء عملات افتراضية داخل اللعبة، تمكنهم من الحصول على أزياء ومعدات وأشكال مختلفة للأسلحة والمركبات والحركات المميزة، والتي كانت خلال أغسطس/آب وبداية سبتمبر/أيلول فرعونية التصميم.

قتال وثقافة

ومن بين الألعاب الإلكترونية الكثيرة التي تدور في زمن الفراعنة ومصر القديمة، تبرز لعبة "أساسنز كريد أوريجنز" (Assassin's Creed Origins) التي أصدرتها شركة "يوبي سوفت" (Ubisoft)، نهاية عام 2017.

يتباهى صناع اللعبة بأنهم تمكنوا من تجسيد مصر الفرعونية من البحر المتوسط وحتى أهرامات الجيزة، بصحرائها ونيلها وواديها وواحاتها.

ولا تكتفي اللعبة بالنمط التقليدي من القتال والمهام، بل وفرت في إضافة لاحقة إمكانية القيام بـ70 جولة تثقيفية مختلفة في أرجاء مصر، للتعرف على مواقعها وشخصياتها التاريخية.

باعت يوبي سوفت أكثر من مليون ونصف مليون نسخة من اللعبة في الأسبوع الأول لإطلاقها في أكتوبر/تشرين الأول 2017، وتجاوز عدد النسخ التي باعتها اللعبة حتى الآن 10 ملايين نسخة، بحسب تقرير الشركة الصادر في مايو/آيار الماضي (يتراوح سعر النسخة بين 60 إلى 120 دولارا).

عهد جديد

لعبة أخرى فرعونية الطراز في الطريق إلى محبي هذه الألعاب، وهي لعبة "الفرعون: عهد جديد" (Pharaoh: A New Era) التي تستعد شركة "دوت إيمو" (Dotemu) لإصدارها العام القادم، وتتضمن 50 مهمة مختلفة تدور أحداثها في 6 فترات من تاريخ مصر القديمة.

وتعد اللعبة الجديدة إعادة إنتاج للعبة بناء المدن القديمة "الفرعون" (Pharaoh) الصادرة عام 1999، وإضافتها "كليوبترا: ملكة النيل" (Cleopatra: Queen of the Nile)، والتي حققت آنذاك نجاحا باهرا ومبيعات تجاوزت المليون نسخة -بالمشاركة مع لعبة "سيزر III"- في أقل من عام.

وبدورها تعد سلسلة لعبة "تومب رايدر" (Tomb Raider) الشهيرة ونسختها الفرعية "لارا كروفت" (Lara Croft) (وهو اسم بطلة اللعبة الباحثة عن الآثار والكنوز)، واحدة من أهم الألعاب التي تحضر فيها المعابد والمقابر المصرية القديمة بجانب الشخصيات الشهيرة مثل حورس، وإيزيس، وأوزوريس، وتتنقل فيها بطلة اللعبة بين القاهرة والإسكندرية والأقصر.

تشويه سينمائي

ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة لمجال السينما، فهناك مئات الأفلام التي تدور أحداثها في مصر القديمة أو تتعلق بحضارتها، استغلالا للشغف العالمي بمصر وتاريخها.

وأحصى الناقد أحمد رأفت بهجت في كتابه "مصر وسينما العالم" الصادر عام 2010، أكثر من 500 فيلم سينمائي عالمي -منذ بداية ظهور السينما في نهاية القرن الـ19- تدور أحداثها حول تاريخ مصر القديمة، بينها أكثر من 50 فيلما تناول حياة الملكة كليوبترا.

وعلى الرغم من أن البعض يرى أن هذه الأفلام تمثل دعاية لمصر وحضارتها، فقد اعتبر بهجت أن العديد من هذه الأفلام لها أهداف غير بريئة على رأسها "تهويد التاريخ الفرعوني".

وخلال العقد الماضي تواصل إنتاج العديد من الأفلام التي تسير على النهج ذاته، ولعل أشهرها فيلم "الخـروج: آلهـة وملوك " (Exodus: Gods and Kings) (2014)، والذي يتناول قصـة نبي الله موسى عليه السلام في مواجهة الفـرعون حاكم مصر، عبر معالجة توراتية إنجيلية بحتة، ومحاولات لتصوير اليهود كبناة للأهرامات.

أساطير وأسرار

وقد حققت الكثير من الأفلام التي سلّطت الأضواء على الحضارة المصرية القديمة، وخاصة ما يتعلق بأساطيرها وأسرارها وصراعاتها انتشارا هائلا وإيرادات واسعة.

ويأتي على رأس هذه الأفلام فيلم "المومياء" (The Mummy ) (1999)، وجزؤه الثاني "عودة المومياء (The Mummy Returns)" (2001)، إذ حقق الفيلمان إيرادات اقتربت من المليار دولار (416 مليون دولار، و488 مليون دولار على الترتيب).

وبدوره حقق فيلم المومياء (2017) للنجم توم كروز أكثر من 400 مليون دولار، فيما بلغت إيرادات فيلم "الخـروج: آلهـة وملوك" 268 مليون دولار، وتجاوزت إيرادات فيلم الرسوم المتحركة "أمير مصر" (The Prince Of Egypt) عام 1998، 200 مليون دولار، فيما اكتفى فيلم "آلهة مصـر" (Gods Of Egypt) إنتاج عام 2016 بإيرادات بلغت 150 مليون دولار.

استباحة بلا مقابل

بالنظر إلى المكاسب التي تحققها هذه الأفلام والألعاب الإلكترونية، فإن نصيب مصر من هذه المكاسب المادية هو لا شيء.

وعلى الرغم من اعتراف العالم بأن هذه الحضارة القديمة هي نتاج جهود وإبداع المصريين القدماء، إلا أن القوانين الدولية وعلى رأسها اتفاقية "الويبو" (WIPO) المنشئة للمنظمة العالمية للملكية الفكرية لا تعطي لمصر أي حق أو تعويض عن استغلال رموز وإبداعات حضارتها، باعتبار أن الحضارة ملك للجميع أما الحاضر فهو ملك لصانعيه، وفقا لرأيهم.

ففيما لا يستطيع أي منتج سينمائي أو صانع ألعاب إلكترونية مثلا استغلال اسم أو شخصية "لارا كروفت" بطلة سلسلة ألعاب وأفلام "تومب رايدر" دون الحصول على إذن من صناعها، فإن اللعبة نفسها تستغل أسماء وشخصيات فرعونية مثل حورس وإيزيس وأوزوريس دون حرج.

وسمح تسجيل شخصية خيالية مثل "ميكي ماوس" (Mickey Mouse)-أيقونة شركة "والت ديزني" (Walt Disney)- كعلامة تجارية عام 1928 بتحقيق مبيعات عالمية مرتبطة بالشخصية بنحو 9 مليارات دولار حتى عام 2010.

ومع عجز السلطات المصرية حتى الآن عن توفير حماية حقيقية للآثار ومنع مستنسخاتها التي تباع حول العالم، يصبح إثبات أي حقوق لمصر نظير الأعمال السينمائية أو الألعاب التي تستغل الحضارة المصرية ورموزها وشخصياتها أمرا أصعب بكثير.

ومنذ سنوات يطالب العديد من خبراء الآثار المصريين السلطات بتحركات جادة لتأكيد حق مصر في آثارها القديمة حول العالم، والسعي لتعديل اتفاقية الويبو بما يكفل حماية الملكية الفكرية للحضارات القديمة وآثارها.

ويرى المهتمون بحقوق الحضارة المصرية أن غياب أي إرادة حقيقية لدى صناع السينما أو الممولين (سواء الدولة أو القطاع الخاص) بخوض غمار إنتاج أعمال سينمائية أو ألعاب إلكترونية مصرية تتناول الحضارة المصرية بشكل لائق، يفتح المجال واسعا لدول أخرى باحتكار هذه المجالات والاستحواذ على كامل عائداتها الخرافية.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة