ضربات على مدى نصف قرن.. لم يكن التعليم في ليبيا بحاجة لضربة أخرى عند تسلل كورونا

توقفت الدراسة بسبب كورونا وتمت إذاعة الدروس عبر التلفاز دون أن تلقى رواجا بين الطلبة (الألمانية)
توقفت الدراسة بسبب كورونا وتمت إذاعة الدروس عبر التلفاز دون أن تلقى رواجا بين الطلبة (الألمانية)

أعلنت وزارة التعليم بطرابلس تعليق الدراسة في إطار الإجراءات الاحترازية من الوباء يوم 13 مارس/آذار 2020 وقبل تسجيل أول حالة إصابة بفيروس كورونا في ليبيا.

تقول المعلمة عائشة العزابي "منذ ذلك اليوم لم يعد الطلاب ولم ننه الموسم، على عكس بعض المدارس الخاصة ذات القدرة المادية التي فعّلت خدمة الدراسة عن بعد، وكل ما فعلت الوزارة هو إذاعة الدروس عبر التلفاز دون أن تلقى رواجا".

توقيف الدراسة وعودتها

تأخر الوباء في الوصول إلى ليبيا حتى 25 مارس/آذار الماضي، وكانت الحالات قليلة جدا ولم تتجاوز 500 إصابة حتى نهاية يونيو/حزيران الماضي، ومع هذا لم تُستأنف الدراسة. ومع حلول أغسطس/آب السابق، شهدت البلاد زيادة طردية في الإصابات بمعدل يفوق 500 إصابة يوميا، ليتفاجأ الجميع في منتصف الشهر بقرار وزاري بعودة طلبة الشهادة الثانوية (الثانوية العامة) يوم 29 من الشهر ذاته، وباقي المراحل الدراسية في منتصف سبتمبر/أيلول الحالي.

وفي موعد عودة هؤلاء الطلبة، رُصد بعض العزوف لدى الطلبة والأساتذة، في حين لم تفتح بعض المدارس أبوابها. وفي استقصاء أُجري مع أولياء أمور، رفض الغالبية عودة أبنائهم خوفا من الوباء وتحرزا من سوء الخدمات الصحية بالبلاد. فكيف سينتهي هذا العام الدراسي؟ ومتى سيبدأ الموسم الجديد في بلاد يتلقى فيها التعليم ضربات موجعة تترك آثارا عميقة في جسد قطاع منهك؟

في عام 1955 افتتحت أول جامعة ليبية تلتها أُخريات بالإضافة للمدارس التي انتشرت في أرجاء ليبيا (الألمانية)

ضربات على مدى نصف قرن

وكان قطاع التعليم في ليبيا نال من الضربات ما يكفي على مدى نصف قرن. كانت البداية متواضعة بعد الاحتلال الإيطالي مع نسبة ضعيفة لمن يجيدون القراءة في ظل شح المدارس وانعدام الجامعات، حتى عام 1955 عندما افتتحت أول جامعة ليبية تلتها أُخَر، بالإضافة للمدارس التي انتشرت في أغلب أرجاء ليبيا المترامية. وكان ريع النفط الذي بدأ إنتاجه في ستينيات القرن الماضي وراء ذلك.

لقد زاد الاهتمام بالتعليم في أواخر أيام المملكة الليبية وفي السنين السبع الأولى من حكم العقيد الراحل معمر القذافي الذي يرى معارضوه أن التعليم في عهده تلقى أقسى الضربات التي بدأت أولاها عام 1976 حين قاد بنفسه ما سماها مؤيدوه "ثورة الطلاب" التي تم فيها القبض على من لا يوافقون فكره من الطلبة والأساتذة، وتم إعدام بعضهم في حرم الجامعات أمام الطلبة على مدى السنين اللاحقة، ليفر البعض الآخر أو يرضخ للأمر الواقع الذي تجسد فيما سمّيت بـ"الإدارة الطلابية" للجامعات والمدارس.

وبعد "الإدارة الطلابية" تأسست "حركة اللجان الثورية" التي تحكمت في مفاصل الدولة ومن ضمنها التعليم الذي غيرت من سبل إدارته ومناهجه تباعا حتى وصل الأمر إلى إلغاء تدريس اللغتين الإنجليزية والفرنسية، وتعويضهما بالكتاب الأخضر الذي ألفه القذافي.

تحويل المدارس لثكنات عسكرية

في منتصف الثمانينيات تم تجييش المدارس الإعدادية والثانوية وتحويلها إلى ثكنات عسكرية، وتحويل بعض المعلمين إلى ما سمّي بـ"الضابط المعلم"، بالإضافة لتفعيل ما سميت بـ"منزلية التعليم" للمرحلة الابتدائية. لم يكن للمعلمين من حيلة بعد أن صار همهم البحث عن وسيلة للاسترزاق مساءً إلى جانب مرتباتهم الهزيلة، وأدى هذا لعزوف أغلب الذكور عن مهنة التعليم وتصدر السيدات لها.

في منتصف الثمانينيات تم تجييش المدارس الإعدادية والثانوية وتحويلها إلى ثكنات عسكرية (الألمانية)

يصف أحد الليبيين يدعى "ع. أ" في حديثه لوكالة الأنباء الألمانية حال المدارس حينها بالقول "انقلبت مدرستنا القدس الإعدادية بطرابلس رأسا على عقب. جاء العديد من العساكر وتغيّر شكل بعض المعلمين مع الزي العسكري. حتى طابور وتمارين الصباح تحولا إلى جمع عسكري صارم تحسب فيه الحركات".

ويكمل "نعتَنا العساكر بأبشع الصفات، خاصة حين ينال منا التعب ونطأطئ الرؤوس، كانوا يغرسون الأغصان القاسية بين رقبة الطالب وترقوته، ثم يعاقبونه إن سقط الغصن".

ويضيف "في الفصول، حلت الدروس العسكرية مكان بعض الحصص، وفي الساحة أخذت دروس التراص والمشية العسكرية من حصة الرياضة. ابتعدت أيدينا نسبيا عن الألعاب المدرسية ولامست البنادق، حتى إننا تسابقنا في تفكيكها وإعادة تركيبها.. كان عمري 13 عاما وأذكر العقوبة التي تلقاها فصلنا عندما أخطأنا في طريقة الانصراف من الجمع العسكري، أجبرنا العساكر على الدحرجة لمئات الأمتار، وعندما يقف أحدنا من أجل التقيؤ بسبب الدوار يبادرون بضربه وركله بوحشية..".

كرهت التدريب العسكري مبكرا، ورفضت بعد تخرجي من الجامعة الخضوع للتدريب الإلزامي، فلم تعد لي طاقة على قضاء عامين آخرين في التدريب العسكري، وهذا حال دون حصولي على وظيفة حكومية بسبب اشتراط وثيقة إنهاء التدريب العسكري الإلزامي، يقول الليبي "ع. أ".

تبقى حال "ع .أ" أفضل من غيره ممن جروا للحرب عنوةً، كما حدث مع طلبة جبل نفوسة عام 1987. يسرد أحدهم، ويدعى مسعود. أ، قصته قائلا "كنا في منتصف الموسم حين أخبرونا أننا سنكمل عامنا الدراسي في إقليم أوزو التشادي الذي كان حينها تحت سيطرة ليبيا".

ويضيف مسعود "أخذنا كتبنا معنا، وشككنا حين وصلنا قاعدة الوطية وسلمونا معدات وأسلحة، فبات الأمر مريبا، وصار الشك حقيقة عندما وصلنا صحراء أوزو ووجدنا من سبقونا من الطلبة يعدون الأسلاك الشائكة. لقد تدفأنا بنار كتبنا من هول برد الليل، ولم نجد ما نلجأ إليه من وطأة شمس النهار، ولا ما نقتات به بعد إنهاء علبة الحليب الصغيرة التي كانت كل قوت اليوم، ولا ما نشربه مع اشتعال حرارة المياه في النهار".

طلبة في أتون حرب

ويكمل "لا أزال أذكر وجوه زملائي المحروقة من لفح الشمس وتلك الكآبة التي كانت تدفع البعض إلى التشاجر بالأسلحة، ومع هذا فقد كان حظنا أفضل من طلبة مدينة سبها الذين سبقونا إلى هناك، أخبروهم أنهم ماضون إلى استعراض عسكري في طرابلس، ليجدوا أنفسهم داخل أتون حرب مات فيها أغلبهم وتعرض بعضهم للأسر، ثم التحقوا بالمعارضة في الخارج".

الأدهى من ذلك كان التعامل مع من كتبت لهم الحياة وعادوا، فبدل إخضاعهم لعلاج نفسي وتعويض العام الدراسي، توجهوا مباشرة لامتحان الدور الثاني في الشهادة الثانوية بشكل صوري، وكتعويض لهم تم إلحاقهم بالكليات التي يرغبون دون إكمال الأساس التعليمي، مما سبب فشل أغلبهم في الجامعات، بحسب رواية أبو جبهة.

هذه الظروف وغيرها أدت لاستمرار انهيار أوضاع التعليم. فحلّ الخراب في المدارس، حتى مطلع الألفية التي شهدت بعض الانتعاش العام الذي نال منه التعليم أيضا وتم تأسيس بعض المدارس النموذجية.

في عام 2011 تلقى التعليم ضربة أخرى مع اشتعال حرب جديدة حيث ترك الشباب الدراسة ليحملوا السلاح (الألمانية)

حرب وقودها شباب الجامعات والمعاهد

في العام 2011 تلقى التعليم ضربة أخرى مع اشتعال حرب كان وقودها شباب الجامعات والمعاهد العليا، حيث هُجرت مقاعد الدراسة واستبدلت بالسلاح الأقلام.

بعد نهاية نظام القذافي، تم استحداث كتائب مسلحة في أغلب البلاد، لم يكن الأمر يستدعي من الشاب سوى تسجيل اسمه واستلام السلاح، مع مرتب يفوق ما يتقاضاه المعلمون وضباط الجيش. كان حجم الإغراء أكبر من أن يقاومه الجميع، فتحوّل العديد من الطلبة إلى عناصر مليشيات مسلحة حوّلت بدورها البلاد إلى خراب نال من مقاعد الدراسة أيضا.

دُمرت مدارس كثيرة وعُطلت أخرى بسبب الحروب والاشتباكات الدائرة دون توقف، وانقسمت وزارة التعليم إلى وزارتين في الشرق والغرب تبعا للانقسام السياسي الذي بدأ عام 2014 ولا يزال مستمرا، حتى جاءت آخر الضربات بيد أصغر الكائنات.

المصدر : وكالة الأنباء الألمانية

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة