كيف نتعايش مع كورونا دون أن نفقد إنسانيتنا؟

القرب المادي من الآخرين جزء لا يتجزأ من ثقافتنا وهو محدد أساسي لإنسانيتنا (رويترز)
القرب المادي من الآخرين جزء لا يتجزأ من ثقافتنا وهو محدد أساسي لإنسانيتنا (رويترز)

شهد العالم أمراضا خلفت أضرارا تفوق الآثار التي خلفها فيروس كورونا. لذلك، علينا أن نتعلم التعايش مع هذه الجائحة. وتتمحور التساؤلات حول نجاعة التباعد الاجتماعي الذي يلقي بنا في دوامة خيارات بشأن مواصلة حياتنا على نحو طبيعي أو الاحتماء قدر المستطاع من هذا الفيروس على أمل أن تنقشع هذه السحابة السوداء يوما ما.

وفي تقرير نشرته صحيفة تلغراف (telegraph) البريطانية، يقول الكاتب جوناثان سومبتيون إنه بالعودة بالذاكرة، سارعت الحكومة البريطانية لفرض الإغلاق العام في مارس/آذار الماضي بعد تقرير قدمه البروفيسور نيل فيرجسون من الكلية الإمبريالية.

وتنبأ البروفيسور بأسوأ سيناريو يمكن أن يحدث، وهو وفاة 510 آلاف شخص. لكنه أثار نقطة مهمة غالبا ما يتم تجاهلها وهي أن الإغلاق لن ينقذ عددا كبيرا من الأرواح إلا إذا تواصل إلى حين اكتشاف لقاح، وهو أمر "قد يستغرق 18 شهرا أو أكثر". وإلا فإن الفيروس سينتشر ثانية بطريقة قد تكون أسوأ من أي وقت مضى.

وفسر فريق البروفيسور فيرغسون هذه النقطة بأن سياسات العزلة الإجبارية ستكتفي بتأجيل حالات العدوى إلى فترة ما بعد العزل، مما يؤخر معدلات الذروة أو معدل الإصابات الإجمالي ولا يحد منها. وهو ما يؤكده ارتفاع عدد الإصابات الحالية في البلدان التي رفعت الإغلاق، مثل إسبانيا وألمانيا واليابان وهونغ كونغ، رغم أنها طبقت الإغلاق على نحو أكثر صرامة.

سواء ارتدينا الأقنعة أو نزعناها، علينا العيش مع كورونا رغم أنوفنا (شترستوك)

خيارات التعامل مع الإغلاق

أوضح الكاتب أن ثلاثة خيارات كانت متاحة بخصوص التعامل مع الإغلاق:

1- ألا يتم تطبيقه أصلا.

2- فرضه لأجل غير مسمى، ووقف الحياة في البلاد عامة، الأمر الذي ستكون تكلفته باهظة أكثر مما يمكن تصوره.

3- الخيار الذي اعتمدته معظم الحكومات، كان فرض الإغلاق لمدة طويلة تمكن من إتاحة أسرّة كافية في غرف العناية المركزة.

ويذكر أن الحكومة البريطانية رفعت الإغلاق في يونيو/حزيران الماضي، أي بعد ستة إلى ثمانية أسابيع من اندثار أي مبررات منطقية لاستمراره.

تجارب الدول

ولم يتطرق الكاتب إلى قضية ما إذا كان رفع الإغلاق مبكرا جدا أو متأخرا جدا، لأن السؤال الأهم -بحسبه- الآن هو ما سيحدث بعد ذلك. إذ اكتفت الحكومة بعدها بفرض التباعد الاجتماعي لإبقاء عدد التكاثر الأساسي أقل من واحد دون حاجة للإغلاق التام.

ورغم أن آراء بعض علماء الأوبئة متضاربة بخصوص هذا القرار، وحتى إذا كان الموقف الذي اتخذته الحكومة البريطانية سليما، فإن هناك نقاطا مبهمة يجب الوقوف عندها. أولا، إن كان فرض التباعد الاجتماعي كافيا لإبقاء عدد التكاثر الأساسي للعدوى أقل من واحد، فكان من الممكن فرض التباعد منذ شهر مارس/آذار السابق بدلا من فرض الإغلاق.

وهذا ما فعلته السويد التي سجلت عدد وفيات أقل بكثير من المملكة المتحدة. لم تكن مستشفياتها مكتظة ولم تغلق مدارسها أبوابها. كما أن الضرر المتوقع الذي سيلحق باقتصادها يناهز حوالي نصف الضرر الذي سيطال اقتصاد المملكة المتحدة. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف سنخرج من هذه الأزمة؟

آثار الابتعاد الاجتماعي

يوضح الكاتب التبعات التي ستلحق بالعالم في حال تطبيق التباعد الاجتماعي لأجل غير مسمى ولحين اكتشاف لقاح. يعتبر القرب المادي من الآخرين جزءا لا يتجزأ من ثقافتنا، وهو محدد أساسي لإنسانيتنا. فتستوجب المحادثات الطويلة التي نخوضها وعلاقات الصداقة والحب التي تربطنا ببعضنا بعضا ومعظم الأنشطة التعليمية القرب الجسدي.

كما تعتمد البنية التحتية للنقل والمباني التي نعمل ونلعب ونأكل فيها على قربنا من بعضنا بعضا. ومع فرض الابتعاد الاجتماعي، سيصبح التعاون الجسدي مستحيلا.

قد يختفي البعد الاجتماعي للعمل وتتفرق الحشود وتلغى حفلات الزفاف، إضافة لإلغاء الأوركسترا والمسرح، وستغيب الجماهير عن الأنشطة الرياضة. باختصار، لن توجد أنشطة جماعية، فقط عزلة كئيبة أمام الشاشة الإلكترونية. لقد سلبنا الفيروس حريتنا. فهل يجب أن يسلبنا إنسانيتنا أيضًا؟

جميعنا نحتاج لتقييم المخاطر الشخصية بحسب العمر والحالة الصحية والأنشطة التي نشارك فيها (رويترز)

العيش مع كورونا

وتعد الأقنعة قضية ثانوية، فهي غير مريحة وتسلبنا طابعنا الشخصي، بل هي تعارض طبيعة المجتمع بالتفاعل بصريا وإظهار تقاسيم الوجوه. وتلوح الحقيقة المؤلمة جلية سواء بارتداء الأقنعة أو نزعها، إذ سيكون علينا العيش مع كورونا رغم أنوفنا لحين إيجاد لقاح فعال. وقد نجد أنفسنا بمواجهة أخطار أخرى تفوق حدتها هذه الجائحة.

ويصف الكاتب هذه الحقيقة بالمروعة، فلطالما اقترن العيش في أوروبا مع شعور زائف بالأمن. ففي العقدين الماضيين عانى العالم من فيروس كورونا المرتبط بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية وفيروس سارس. وقبلها شهد العالم إنفلونزا هونغ كونغ وأمراض وبائية غير تنفسية كفيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) والإيبولا وزيكا. جميعها سجلت وفيات أعلى من كورونا. ولكن هذه الأمراض لم تكتسح أوروبا.

ويقدر أن سلالة جديدة من الإنفلونزا يمكن أن تتسبب بين 50 ألفا و750 ألف وفاة في المملكة المتحدة، كما أن الأمراض الناشئة من الحيوانات تشكل تهديدا متزايدا لا يمكن التنبؤ بأثره.

ويعتبر خطر الإنفلونزا الموسمية أشد فتكا من فيروس كورونا للأشخاص الذين يقل عمرهم عن 50 عاما، وفي الغالبية العظمى من الحالات، تكون الأعراض خفيفة أو غير موجودة. فقد عاش أسلافنا مع أمراض وبائية أسوأ بكثير. وفي أجزاء أخرى من العالم، لا يزال مرض السل أكثر فتكا من فيروس كورونا.

نحتاج جميعا لإجراء تقييم للمخاطر الشخصية الخاصة بنا بحسب العمر والحالة الصحية ونوع الأنشطة التي نشارك فيها. وبالنسبة لبعض الناس، سيظل الابتعاد الاجتماعي إجراء معقولا ويحتم على البقية احترام اختيارهم، ولكن لا يمكننا مواصلة الهروب، إذ سيفضل بعضنا الآخر عيش حياة طبيعية.

المصدر : ديلي تلغراف

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة