في الأزمات تحتضن أبناءها الهاربين من مصائب المدن.. اللبنانيون يعودون إلى الريف

شهد لبنان حالات نزوح كثيرة باتجاه الريف، وبعضهم غض النظر عن فكرة العودة للمدينة (غيتي)
شهد لبنان حالات نزوح كثيرة باتجاه الريف، وبعضهم غض النظر عن فكرة العودة للمدينة (غيتي)

إنها القرى المنتشرة في الريف اللبناني.. الحضن الدافئ الذي نزح منه أهله بعد أن جذبتهم أضواء المدينة وأعمالها والحياة المدنية الصاخبة، بخالص إرادتهم أو مجبرين بسبب عدم توفر أسباب العيش الملائم والتنمية والدراسة المتقدمة فيها.

تعود القرى في الأزمات لاحتضان أبنائها الهاربين من مصائب المدن إلى مساحة خضراء تعرفهم. يعودون لها اليوم ولبنان يعيش صدمة كبيرة بعد يوم من انفجار دام في مرفأ بيروت خلّف مئات القتلى والجرحى، في حين أُعلنت العاصمة "مدينة منكوبة"، كما أعلنت حالة طوارئ لمدة أسبوعين في بيروت.

هكذا حدث عندما ضرب فيروس كورونا العالم، فوجد الناس ضالتهم في قراهم، حيث المساحات الأوسع التي تسمح بالتباعد الاجتماعي المطلوب من جهة، ولتخفيف مصاريف المدينة والركون إلى ربوع الطبيعة التي لم تصب بالوباء.

ازدهرت القرى بأهلها الذين اعتادوا زيارتها في الإجازات وزادت حركة السير بها (الأوروبية)

الناس يعودون والمحليون يهلعون

شهد لبنان حالات نزوح كثيرة باتجاه الريف، حتى إن البعض غض النظر عن فكرة العودة إلى المدينة بعد انتهاء التعبئة العامة (الحجر الصحي). فازدهرت القرى بأهلها الذين اعتادوا زيارتها في الإجازات، وزادت حركة السير، وعمل الدكاكين (البقالات الصغيرة) والمحلات التجارية.

من دون عمل

تخبر نانسي لحود التي تعمل مترجمة محلفة، وزوجها شيف مطبخ، الجزيرة نت عن توقف عملهما مع إقفال البلد، فانتقلا مع ولديهما إلى الجبل في منطقة كسروان.

نانسي لحود والعودة إلى المشهد الطبيعي الأخضر الأفضل في الجبل (الجزيرة)

 

تقول إن قرار الانتقال جاء لأن بيتهما في الجبل أكبر بكثير من حيث المساحة ويتضمن حديقة، كما أن المشهد الطبيعي رائع ويخفف من كآبة الحجر، في حين أن بيت المدينة في بناية لا يمكن للأولاد اللعب فيها أو الخروج منها، إضافة للمدخل المشترك لجميع السكان، مما يجعل القلق متواصلا خوفا من العدوى.

لم يتغير الوضع الاقتصادي بالنسبة لهما لأن الغلاء كان منتشرا أكثر من الفيروس في لبنان. وتشير إلى ازدهار المحلات التجارية الصغيرة بعد نزوج عدد كبير من المدن والبقاء في القرية لفترات طويلة.

أما الأولاد فكسبوا مساحة لعب مناسبة لنشاطهم وطاقتهم، من الدراجات الهوائية إلى الركض في الحقول، إضافة إلى هواء الجبل النظيف، مما جعل التجربة مريحة ومنعشة، وخففت من وطأة الحجر والتوقف عن العمل.

الإعلامية سعدى علوة الراعية والحطابة والفلاحة، كما تصف نفسها (الجزيرة)

إلى الزراعة.. بشغف

الإعلامية المعروفة سعدى علوة والأستاذة في إحدى الجامعات، قررت الانتقال من بيروت إلى قريتها الهرمل برفقة ابنها.

وتوضح للجزيرة نت أنه أثناء التعبئة العامة قضت وابنها شهرا في تعقيم كل ما يحيط بهما من المصعد للأبواب والمدخل، ولبس الكمامة والقفازات، حتى إنها في البداية كانت تضع أكياس النايلون في قدميها أثناء التسوق، وتقول "رائحة المعقمات كانت مستفحلة".

استأذنت سعدى شقيقها لاستخدام بيته وأرضه، وجهزت البيت ليكون مناسبا لعملها ودراسة ابنها عن بعد، ولزرع أرضه، في ظل اضطرارها لهذا النزوح المؤقت.

لم تكن سعدى تحب زراعة الأرض عندما كانت مجبرة على ذلك لمساعدة الأهل قبل دخولها الجامعة. إلا أنها الآن عادت بكامل وعيها وإصرارها وشغفها، متصالحة مع عمل الأرض المضني وبفرح.

ظلت سعدى تعمل من المنزل عن بعد. وتشاركت مع زوجة الناطور (المزارع) الذي يهتم بالشجر أن يكون لها ثلث المحصول، في حين تقدم سعدى الأرض والبذور والأسمدة والماء والكهرباء والعمل أيضا.

قال ربطة الخبز ب ألفين، وع القمح والصاج رجعنا❤️

Posted by Saada Allaw on Saturday, July 18, 2020

تقول سعدى "أنا بالأساس فلاحة وراعية وحطابة وبنت جرد (بنت قرية زراعية) لدي علاقة مع الأرض، ووجدت كورونا فرصة لأعتبر نفسي في إجازة طويلة".

زرعت سعدى دونما من الأرض، وانغمست في كل التفاصيل، مما أدهش السكان المحليين الذين استغربوا كيف تدبرت أمرها بإنتاج اللبنة في حين يشتريها سكان المنطقة من المحلات التجارية.

وتحضر سعدى الآن الكشك وتجفف البامية والملوخية والباذنجان وتحضر المكدوس (الباذنجان المخلل بالزيت والمحشو بالجوز والشطة والثوم).

وتعتبر سعدى أننا نعاني من أزمة غير مسبوقة والأولى بعد 1914. ونحتاج لعلاقة حقيقية مع الأرض للتفريغ النفسي والإنتاج.

وتخبر عن الطاقة الإيجابية التي تمنحها الأرض خاصة أثناء قطاف الثمار. وقد زرعت الخيار والحر والفليفلة والكزبرة والبقدونس والفجل والروكا (الجرجير) واللوبيا والكوسا والباذنجان والبطيخ والشمام والبندورة، وتبين أنه دون النظر للتوفير المالي الذي قد لا يكون كبيرا، فإنها تتناول خضارا مروية بمياه نظيفة وذات نوعية ممتازة.

وهاي جبّنا(يعني عملنا) جبنة معزة بلدية وبلا كل أجبان السوق❤️

Posted by Saada Allaw on Sunday, June 7, 2020

كما تصنع الأجبان والألبان يدويا، وتحصل على البيض من دجاجات تربيها. وتقول "طاولتي مليئة بخيرات الأرض، وكل شيء مختلف في الطعم ورائحته رائعة".

إلى جانب عملها الإعلامي وتحضيرها ملفا ميدانيا عن منطقة بعلبك الهرمل، تحتاج لوقت طويل في الزراعة والري حتى إنها تقضي أحيانا 6 ساعات متواصلة في الري وتشذيب السواقي، وتقول إن لديها نشاطا وقوة في جسمها يساعدانها في إتمام عملها.

دافع آخر للثورة

تشير سعدى التي خبرت حياة المدينة بتفاصيلها، إلى أن هذه "التجربة هي دافع آخر للثورة لإرغام السلطة على التنمية اللامركزية، فلا إنماء في القرى، ولا الزراعة مدعومة، ولا توجد مصانع ومعامل، ولا فرص عمل تثبت الناس في أرضها، وهذا واجب الدولة".

وتضيف أنه على الناس أيضا أن يغيروا مفهوم أن الزراعة موضة قديمة ويعرفوا أن المردود الصحي والنفسي والمادي مهم جدا للزراعة. وتشير إلى أن تنمية المناطق ضرورية ليعود ناسها إليها وليقوم الجميع بواجباته من القروض الميسرة إلى المشاريع الزراعية.

وتنشر سعدى فيديوهات وصورا لتجربتها هذه وتقول "لو كنت أستطيع البقاء كنت سأجلب الماعز وأحلبها"، لكن عملها في الإعلام والجامعة يحول دون ذلك.

وعن هذه الفيديوهات والصور تقول "أؤمن أننا يجب أن نعطي طاقة إيجابية لبعضنا بعضا حتى ترتد علينا لذا أنشر الصور والفيديوهات، وأركز على الإيجابيات. أردت كسر صورة نمطية إذ يعتبر البعض أنني صحفية معروفة، وأنا أعتبر أن هذا العمل لا ينتقص منا أبدا ولا من أنوثتنا وجمالنا، فالحياة فيها متسع لنفعل كل شيء".

وتعتبر أن الإيجابية تجعلنا قادرين على مساعدة بعضنا بعضا لنرى الأمور بطريقة مختلفة تساعد في مواجهة الأزمة التي نعيشها من نهب البلد والسرقات والفساد السياسي والتي توجت بكورونا. وتختم بأن العودة إلى القرية قد تكون الحل لمن استطاع إلى ذلك سبيلا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة