أمجد قبها.. الأسير الطبيب صاحب أعلى محكومية في العالم

الأسير الطبيب أمجد قبها الأول في العالم وفلسطين الذي يعتقل 18 عاما على خلفية سياسية (الجزيرة)
الأسير الطبيب أمجد قبها الأول في العالم وفلسطين الذي يعتقل 18 عاما على خلفية سياسية (الجزيرة)

من حيث بدأ يعود، وكأن سنوات السجن الطويلة لم تغير في الأمر شيئا، ولم تحد من عزيمة الطبيب أمجد قبها أو تقلل سعة اطلاعه ومعرفته بأحدث العلوم الطبية والتقنية، لتجعله يقف عاجزا عن الحيلولة دون إكمال حلمه ومهمته كطبيب يقدم خدماته الإنسانية.

فجر أحد الأيام في يوليو/تموز 2002، اعتقل الطبيب الفلسطيني أمجد قبها بعدما داهم جنود إسرائيليون مدججون بالسلاح منزله في بلدة برطعة قرب مدينة جنين (شمال الضفة الغربية)، واقتادوه مكبلا من بين زوجته وعائلته، والآن وبعد 18 عاما، وفي الشهر ذاته يُفرج عنه.

"الأسير الطبيب"، كما بات يُعرف، ظن للوهلة الأولى أن تعب السنين والشقاء في التعليم والعمل طبيبا في خدمة المرضى ذهب سدى بين أقبية التحقيق وغرف الاعتقال المكتظة بآلاف الأسرى، لكنه سرعان ما تناسى ذلك وحوّل محنته لمنحة.

عام 1997 تخرج قبها طبيبا عاما من إحدى الجامعات الروسية، ثم زاول مهنته في الأردن، لينتقل لاحقا لقريته ويعمل في عيادة خاصة طبيبا عاما ويقدم العلاج الطبيعي، إلى جانب وظيفته في مستشفى الرازي، وهناك شهد اجتياح مخيم جنين في أبريل/نيسان 2002، وعالج عشرات المصابين والشهداء.

الاعتقال الأطول

لم نتعثر كثيرا في الوصول لمنزل الطبيب قبها في الحي الشمالي من مدينة جنين، فالأعلام الفلسطينية ترفرف من شرفة المنزل وصورة ضخمة له نصبت فوق الجدار الأمامي دلتنا على منزله سريعا.

وصلنا هناك وكان همنا لقاء الطبيب الذي قضى أطول فترة اعتقال في الحبس على خلفية سياسية في العالم، وليس في فلسطين فحسب، واتهمه الاحتلال الإسرائيلي بمساعدة جرحى مطلوبين للاحتلال.

وعليه اختلف القضاة الإسرائيليون، واستُبعد أحدهم بعدما كاد يقضي ببراءة قبها، في حين همس ضابط آخر في أذنه أنه لن يرى الشمس مطلقا، وأنه واحد من "أطباء إرهابيين" في العالم أمثال أيمن الظواهري وعبد العزيز الرنتيسي.

لم يكترث الأسير الطبيب لذلك، فهاجسه يدور حول كيف سيقضي هذه السنوات بعيدا عن مهنته، وممارسة ومواكبة مستجداتها، فبعث لزوجته في الشهر الرابع من الاعتقال يطلب أمهات الكتب، خاصة المتعلقة بالتشريح والأمراض الباطنية والجراحة العامة والأدوية والتحاليل وتخطيط القلب.

شرفة منزل الأسير الطبيب أمجد قبها وقد علت عليها صورته والأعلام الفلسطينية (الجزيرة)

العلاج لنفسه والأسرى

ظلت تلك الكتب رفيقة له طوال سنوات اعتقاله، ينهل منها علما، واشترك كذلك في مجلات طبية روسية وعبرية بمقابل مادي يقدر بنحو 600 دولار أميركي سنويا، فضلا عن متابعته أحدث المعلومات والنشرات الطبية في الصحف والمحطات الإذاعية والتلفزيونية، "وكنت أطلب أحيانا بث برامج بهذا الخصوص".

وللتغلب على ظروف السجن، قرر قبها عدم التكيف مع أي مفردة من مفردات السجن وتقوية إرادته وصقل شخصيته والأسرى حوله لتجاوز مرحلة الانطواء الذاتي، ويقول "أرفض السجن بحد ذاته فهو ليس مكان الفلسطيني المقاوم".

وانطلق ليفرض نفسه ومهنته كطبيب على واقع الأسر المغلق والمحدد بضوابط وعقليات مختلفة، وقدم خدماته في العلاج طبيا ووظيفيا للأسرى عموما، حتى أنه انتدب مع أسرى آخرين من حملة الشهادات العليا من جامعات فلسطينية لتدريس الأسرى وتخريجهم في مجالات وتخصصات تنوعت بين التنمية والعلوم التقنية والتاريخ؛ "ولهذا هناك أكثر من 70% من الأسرى متعلمون ويحملون شهادات البكالوريوس".

وأجرى قبها عمليات جراحية "بسيطة" كاستخراج شظايا الرصاص من تحت الجلد، معتمدا على "الفحص المحسوس" في الكشف عن مكانها ونزعها، وعمليات إزالة الظفر الناشب بأصابع اليد أو القدم، واستئصال الأنسجة التالفة، إضافة إلى إزالة الكتل الدهنية ومعالجة ملتحمة العين.

أما الاستشارات الطبية وتشخيص الأمراض للأسرى فلم تنقطع أصلا، وذات مرة عرض عليه السجان الإسرائيلي الدوام في عيادة السجن فرفض، ودفع ضريبة مساعدته الأسرى وعلاجهم بالعزل الانفرادي.

يقول قبها إن تلك العمليات أجريت بأدوات طبية عادية جدا أحضرها الأسرى بطرق ملتوية من عيادات السجن كالشفرة والمعقمات وملقط الحاجب وغيرها، "وعلى أثرها عاقبني الاحتلال بنقلي بين السجون".

طبيب وأسير

أما العقاب الأكبر فكان حرمانه من متابعة دراساته العليا، ورفض الإفراج عنه في صفقة وفاء الأحرار (صفقة شاليط) عام 2011.

لكنه قهر السجان وطوَّع وقته بتعلم دورات تثقيفية وتعليمية، وتعمق في دراسة اللغات العبرية والإنجليزية والروسية والتركية والفرنسية، فضلا عن مكتسباته الضخمة حول "ثقافة السجون"، وهو الآن يستعد لإطلاق مؤلفاته التي أعدها خلال اعتقاله.

وكأسير يعاني مما يعانيه آخرون أمثاله، خاض الطبيب قبها إضرابات عدة لتحسين ظروف الاعتقال وإخراج أسرى قادة من العزل كإضراب عام 2012، الذي استمر 28 يوما، وخاض إضرابات أخرى تضامنية مع الأسرى.

يقدر قبها أن نحو 1500 من بين 5 آلاف أسير يعانون من أمراض مختلفة، بينهم 700 يعانون من أمراض مزمنة وأخرى مستعصية، ونحو 20 أسيرا يقبعون بشكل دائم فيما تسمى "عيادة سجن الرملة" لصعوبة وضعهم الصحي، وهناك 400 آخرون ينتظرون على جدول العمليات.

ويضيف "للسجن آثار أخرى تنعكس على الأسير، تتنوع بين نفسي واجتماعي، وبيئي يتعلق بالتكيف مع واقع السجن، وثقافي. ورغم ذلك تجد أسرى يقهرون الظروف القاسية، ويطورون أنفسهم علميا وجسمانيا، وآخرين يتجنبون كل هذا ويقتلون وقتهم "فيتهددهم الإحباط والانطواء".

طب السجون

لا يخفي قبها حاجة الأسرى الكبيرة "لطب السجون"، وتناول أمراضها النفسية والعضوية في العمل الأكاديمي، ويتهم "المؤسسات الراعية للحركة الأسيرة" بالتقصير في متابعة الملفات الطبية للأسرى إلا بعد وصول الأسير المريض لمرحلة "اللاعودة".

ويقترح إيجاد لجنة طبية متخصصة ومجمع عليها فصائليا لمتابعة كل أسير، خاصة المرضى، بالتواصل المباشر معهم أو عبر المحامين، ومتابعة تطورات الأسير المريض في ملفه الطبي النفسي والعضوي، ثم يتم تشخيص حالته والضغط لتقديم العلاج المناسب، "لا أن يبقى الأسرى رهن علاجات لا تتعدى نسبتها 1% تقدمها سلطات الاحتلال".

في طريقه للإفراج حزم أمجد قبها كتبه الطبية، وعند الباب أرجعها السجَّان وطلب منه إخراجها مع أسير غيره، لم يكترث لذلك وواصل طريقه نحو الحرية.

على حالها لا تزال أدواته الطبية التي فارقها قبل اعتقاله وهو يستعد للعودة لمهنته بمركز طبي تعاقد للعمل معه في قريته برطعة، ويسعى أيضا لمواصلة ما بدأه في السجن من العمل الأكاديمي، كأن الاعتقال لم يكن.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تمكن الأسير الفلسطيني صلاح حسين أخيرا من إقامة حفل زفافه بعد سنوات طويلة من التأجيل بسبب الاعتقال بسجون الاحتلال، ولكن تهريب النطف لزوجته التي عقد قرانه عليها خلال سنوات الأسر، مكّن طفله عليّ من حضور

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة