قصة نجاح عراقية في بريطانيا.. من طفل لاجئ إلى طالب ينشد المجد العلمي في كامبريدج

أحمد مع جدته التي رافقته في رحلة علاجه ودراسته منذ كان عمره 3 سنوات وإلى الآن (مواقع التواصل)
أحمد مع جدته التي رافقته في رحلة علاجه ودراسته منذ كان عمره 3 سنوات وإلى الآن (مواقع التواصل)

لم تمنع الظروف الصحية الصعبة التي مر بها الطفل العراقي أحمد براق المقيم في المملكة المتحدة من تسطير قصة نجاح أبهرت البريطانيين، بقدرته على انتزاع مقعد في جامعة كامبريدج البريطانية العريقة، وفي تخصص الطب، حيث إن الدراسة في هذه الجامعة لا ينالها إلا الطلبة الذين بلغوا درجة عالية من النبوغ العلمي والتحصيل العلمي المتفرد.

وكان اسم أحمد براق سيمر مرور الكرام، كعشرات الطلبة الذين تمكنوا من نيل مقعد بجامعة كامبريدج، لولا أن الطفل العراقي يجر خلفه قصة يجوز وصفها بالملحمة الإنسانية، بداية من ظروفه الصحية الصعبة التي كانت السبب في تركه العراق والسفر لبريطانيا وعمره 3 سنوات، مرورا بعدم قدرته على مقابلة والديه 10 أعوام، وصولا لتحقيقه العلامة الكاملة في الاختبارات النهائية للمرحلة الثانوية.

واحتفت الأوساط التعليمية والمدنية في مدينة كارديف عاصمة ويلز بإنجاز الطفل العراقي، باعتباره من الطلبة القلائل جدا في ويلز الذين حازوا على مقعد في جامعة كامبريدج، التي تعد من بين 3 أفضل جامعات في العالم، فضلا عن كونه يقدم صورة عن قدرة اللاجئين على تحقيق مسارات مميزة علميا وأكاديميا.

طفولة صعبة

ولد أحمد براق في العراق بالتزامن مع الغزو الأميركي لبلاد الرافدين، ومنذ أول أيامه كان يعاني من مرض في العظام يدعى "خلل التنسج الوركي"، الذي يعيق الحركة ويمنع صاحبه من المشي، ويحتاج لرعاية صحية خاصة، وبالنظر للظروف التي كانت تعصف بالعراق قرر والدا أحمد أن يبيعا منزلهما الوحيد، من أجل توفير مصاريف العلاج لابنهما وسفره إلى بريطانيا، لإجراء العمليات الجراحية اللازمة.

وصل أحمد المملكة المتحدة وهو ابن 3 سنوات، مع جدته التي لم تكن تتقن الإنجليزية، وذلك بهدف إجراء عمليات جراحية مستعجلة، وبعد مسار شاق من العلاج والعمليات الجراحية المعقدة، وجدت جدته -ذات 7 عقود- نفسها أمام خيار تقديم طلب اللجوء لها ولحفيدها بعد أن ساءت الأوضاع في العراق، وبالفعل حصلا عليه.

نقطة التحول

ولعل هذه المرحلة هي التي شكلت نقطة التحول في حياة أحمد، بعد اقتناعه أن المملكة المتحدة لم تعد مكانا للاستشفاء فقط، وإنما موطن للاستقرار، ورغم قسوة هذا الخيار لأنه سيمنعه من لقاء والديه عقدا من الزمن، فإن الطفل العراقي استغل الفرصة التي أتيحت له على أكمل وجه.

وبمساندة جدته، قرر أحمد تحويل كل العقبات التي تواجهه إلى وقود للاجتهاد العلمي، ورغم أنه كان يضطر لقضاء وقت طويل جدا بين المستشفيات من أجل العلاج، فإن هذا لم يمنعه من تحقيق أعلى العلامات الدراسية، بل كان دائما عضوا نشطا في العديد من الفعاليات المدرسية، حيث درس بمدرسة "كارديف سيكث فورم كوليدج" لدرجة أن تميزه مكنه من المشاركة في مسابقات المناظرات (www.ccoex.com) التي تنظمها كل من جامعتي "أوكسفورد" و"كامبريدج"، وهي المناظرات التي تضم نخبة التلاميذ في المملكة المتحدة.

https://www.ccoex.com/en/page/ahmed-and-buraq-win-a-place-at-oxford-schools-debate-finals-day

وخضع براق أحمد لعمليات جراحية لتقويم الورك عام 2019، ومع ذلك ظل محافظا على تفوقه في المرحلة الثانوية في انتظار خضوعه لعملية جراحية ثانية تم تأجيلها بسبب وباء كورونا.

حلم يتحقق

لا يخفي أحمد براق سعادته الغامرة بالإنجاز الذي حققه، وهو شعور طبيعي باعتباره من الطلبة المحظوظين جدا الذين تمكنوا من ضمان مقعد في كلية الطب التابعة لجامعة كامبريدج، وهو الحلم الذي يراود عشرات الآلاف من التلاميذ في المملكة المتحدة.

ولم يكن هذا الإنجاز ليتحقق من دون المجهود الذي بذله أحمد في المرحلة الثانوية، ومكنه من تحقيق أعلى النقاط في المواد العلمية (الرياضيات، والفيزياء، والبيولوجيا، والاقتصاد).

ومن المفارقات أن أحمد نجح في تحقيق هذه العلامات العالية جدا، في ظرف استثنائي عرف تفعيل خيار التعليم عن بعد، وهو ما أدى إلى تراجع نتائج 40% من طلبة المرحلة الثانوية في بريطانيا.

بكثير من الامتنان يتحدث أحمد عن جدته التي ساعدته كثيرا في أيام طفولته (مواقع التواصل)

ذكريات المستشفى

"لم أكن أحلم أن أحصل على هذه العلامات المرتفعة جدا في الامتحانات، فضلا عن الحصول على مقعد في جامعة كامبريدج". هذا ما قاله أحمد براق للجزيرة نت، ويفسر اختياره جامعة الطب بالظروف التي مر بها، والوقت الذي كان يقضيه في المستشفيات؛ "لدي الكثير من الذكريات في المستشفى، ففي مرة كنت غاضبا وحزينا، وأتذكر جيدا كيف أن ممرضة حملتني ووضعتني على ركبتيها حتى أهدأ، كل هذه المشاهد ظلت عالقة في ذهني ولا يمكن أن أنساها".

يؤكد أحمد أن المعاملة التي تلقاها في المستشفى ساعدته كثيرا من الناحية النفسية، "ولهذا كان حلمي أن أساعد الناس أيضا عندما أكبر، ولهذا اخترت تخصص الطب"، مضيفا أن وضعه الصحي كان يدفعه للبحث أكثر والتعمق في التخصص الطبي؛ "فأصبحت مهتما وبشكل أكبر بالطب".

وبكثير من الامتنان يتحدث أحمد عن جدته، التي كانت إلى جانبه رغم كبر سنها، وساعدته كثيرا في أيام طفولته، "وكانت هناك أيام لا أستطيع حتى الحركة فيها، والآن عندما كبرت بت أستوعب صعوبة الظروف التي مررت بها أنا وأسرتي التي بقيت في العراق قبل أن تحصل على اللجوء إلى بلجيكا".

مسار مميز

الإنجاز الذي حققه أحمد براق لم يكن مستغربا من وجهة نظر أستاذه كاريث كولييه، الذي يصف أحمد "بأنه ولد بقلب طيب وحيوية كبيرة، ولم يكن لدي أي شك في أنه سيحصل على مسار مميز، وكانت المسألة فقط مرتبطة بمدى ملاءمة ملف أحمد لمقعد في جامعة كامبريدج".

وأكد الأستاذ أن قصة أحمد لها بعد إنساني كبير؛ "فهناك الكثير من الصور السلبية عن اللاجئين، لكن قصة أحمد تعد قصة نجاح كبير واستثنائي".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة