صيف المغتربين اللبنانيين الملتهب.. نار الغربة وكورونا وانفجار المرفأ

أبو مجاهد والعائلة لم يسمعوا صوت الانفجار ولم يفقدوا أحدا من أقاربهم لكنهم شعروا باليتم (رويترز)
أبو مجاهد والعائلة لم يسمعوا صوت الانفجار ولم يفقدوا أحدا من أقاربهم لكنهم شعروا باليتم (رويترز)

صيف قاس مثقل بالانهيارات عاشه اللبنانيون، مقيمين ومغتربين، هذا العام. وبالكاد تحتمل مجدلا خطار غربتها، فهي عاشقة لبيروت بتفاصيلها ولقريتها إده في منطقة البترون ولكل بقاع لبنان.

عادة تزور خطار لبنان 3 مرات في السنة، وتعتبر أنها تشحن نفسها بالحب بلقاء العائلة لتكمل غربتها مع زوجها وابنتها حيث تقيم في الخليج.

آخر زيارة لها كانت في عيد الميلاد أواخر 2019، وفي كل مرة تترك لبنان تكون قد بدأت التخطيط للرحلة القادمة.

خطار وابنتها في مطار بيروت لمفاجأة العائلة (الجزيرة)

ابنتي تصلي للبنان

بدأ التأجيل من أبريل/نيسان بسبب فيروس كورونا الذي قضى على أحلام الكثرين، وعلى حياة كثيرين.

تقول خطار للجزيرة نت إن أهلها كانوا يطلبون منها عدم المجيء لأن الوضع في لبنان مأساوي. القرار صعب، خاصة أن السفر يستوجب حجرا في لبنان ليومين في حال كان فحص "pcr" (تفاعل البوليميراز المتسلسل) سلبيا، و15 يوما وما فوق في حال كانت قد التقطت الفيروس أثناء الرحلة.

"ولكن شعرت كأن بلاطة (حجرا) تقبع فوق صدري وأريد أن أذهب وأرى أهلي وأصحابي فقط" تقول خطار.

فحجزت لأسبوعين مع ابنتها من دون زوجها، علما أنها تقضي حوالي 3 أشهر في لبنان عادة، وأرادت أن تفاجئ الجميع ولم تخبر أحدا، وبعد 3 أيام من وصولها حدث انفجار المرفأ، فحجزت على أول طائرة عائدة خوفا من تدهور الأوضاع وإقفال المطار.

تقول خطار "رغم أننا لم نسمع الانفجار في القرية لكننا لم ننم من حينها، وجعلت ابنتي ماريتا (4 سنوات) تشاهد الفيديو، وطلبت منها أن تصلي لأجل لبنان والضحايا".

تضيف أنه في طريق العودة لغربتها بكت كثيرا خاصة بعد رؤية ما حصل ببيروت عن كثب، وكأنها مدينة أخرى، وحتى الآن تشعر بثقل ما حدث وبحزن شديد. وتختم "لا أعرف متى ستتحسن الأوضاع ونستطيع أن نزور لبنان، هذا عدا الأزمة الاقتصادية الخانقة التي أبكتني، وهي أفظع بكثير عندما نراها بأنفسنا، فالناس يفكرون بوضع البلد حتى إذا كانوا قادرين على شراء الخبز".

تأتي جيلبيرت في زيارة مع زوجها الفرنسي وأولادها الذين لن يكونوا لبنانيين بسبب "القوانين الغبية" (الجزيرة)

ليس لدينا إلا الحزن

تعيش إينا جيلبيرت في باريس، تقول للجزيرة نت إنها عادة لا تذهب إلى بيروت في الصيف بسبب الازدحام الكثيف والحرارة العالية، فتختار أوقاتا أخرى. وتقول إن هذا العام مختلف فـ "والداي وحدهما، غير قادرين على السفر ورؤية بناتهما وأحفادهما بسبب كورونا، وأنا أفتقدهما كثيرا".

وتضيف المواطنة المغتربة بأن الانفجار غير كل شيء، وأنها تريد الذهاب إلى بيروت حيث "أحتاج أن أرى بعينيّ ما حدث، أحتاج لرؤية عائلتي، وأقاربي، وأصدقائي. والأهم من ذلك كله، أريد المساعدة".

كانت تخطط للقدوم في الأسبوع الأخير من أغسطس/ آب الجاري لرؤية أهلها الذين يقطنون في الأشرفية، ولتساعد الناس في الجميزة، لتشعر أنها جزء مما يحدث، وهي تشعر بالذنب كونها في الخارج، ولكن قلق والدتها من الفيروس جعلها تعيد النظر بالموضوع، وتستمر بحياتها وعملها، وتنوه للجزيرة نت "أقرأ الأخبار، وأغضب، وأحزن، لكني لست هناك، أكره هذا الشعور بالانقسام بين ثقافتين".

وعادة تأتي جيلبيرت في الإجازات إلى لبنان مع زوجها الفرنسي وأولادها الذين لن يكونوا لبنانيين أبدا بسبب "القوانين الغبية" على حد تعبيرها.

هل مازالت زهراء وزوجها الأميركي يفكران بشراء بيت في لبنان؟ (الجزيرة)

مبادرة مساعدة صغيرة

زهراء كريم متزوجة من أميركي وتعيش في نيويورك، إلا أنها لا تفوت فرصة إلا وتقضيها في بيروت مع أهلها وأصدقائها، حتى أن جوناثان زوجها يعشق المدينة، ويفكران بشراء بيت أو أرض في لبنان.

هذا العام كان صعباً عليهما إذ لم يتمكنا من المجيء، بدأ الأمر مع الثورة في 17 أكتوبر/تشرين الأول، والانهيار الاقتصادي، وإقفال المدينة وشوارعها بالمظاهرات، ثم جاءت جائحة كورونا، وإقفال المطارات، وكان والدها ينصحها بعدم المجيء لأن البلد "على كف عفريت" أي على شفير الهاوية خوفا من الوضع الأمني. رغم أنه كان من المقرر أن يقضيا شهرين كاملين ببيروت.

جوناثان في مكتبة عامة بالجميزة العام الماضي (الجزيرة)

عن انفجار المرفأ تقول كريم "إنها مطارحنا (أماكننا) اليومية في بيروت حيث كان يجب أن نقضي العطلة، من النادي الرياضي والمكتبة العامة والمطاعم وأماكن السهر في منطقة الجميزة". وتقول إنه حتى صور عرسها كانت وسط البلد حيث كانت العروس التي ظهرت على وسائل التواصل أثناء الانفجار ووقعت أرضا.

اتصل بها أصدقاؤها ليطمئنوا على وضع أهلها في لبنان بعد الانفجار، وإن كانوا بحاجة لمساعدة. وكان مكتب والدها قد تضرر في الحمرا، لكنها طلبت من أصدقائها مساعدة أشخاص دمرت بيوتهم بالكامل فجمعت حوالي 1800 دولار من 15 شخصا وأرسلتها إلى لبنان لتوزع على أشخاص فقدوا بيوتهم.

تعتبر زهراء أن المبلغ قليل، ولكن هذا ما استطاعت فعله لتشعر أنها ساهمت ولو قليلا بمساعدة أبناء بلدها.

حسناء أبو مجاهد وعائلتها خسروا كل شيء في لبنان: مشروع الاستثمار وأموال البنك (الجزيرة)

خسرنا كل شيء

وتخبر حسناء أبو مجاهد الجزيرة نت، والتي تعيش مع عائلتها في الكويت منذ 12 عاما وتزور لبنان مرتين على الأقل سنويا، أنها جاءت مع العائلة 4 أيام لقضاء العطلة على الثلج في فبراير/شباط الماضي، وكان انتشار كورونا في بدايته.

عادوا بعدها إلى الكويت رغم إقفال المدارس والعمل عن بعد لأن الاحتياطات المأخوذة من قبل الدولة هناك أفضل منها في لبنان. كما أن حظر التجول بدأ بأسبوعين لكنه امتد لثلاثة أشهر.

تقول أبو مجاهد "عملنا 12 عاما في الكويت ووضعنا جنى العمر على استثمار في لبنان، والباقي في البنك والنتيجة خسارة من الجانبين، فلا المشروع سار جيدا مع الوضع الاقتصادي والأمني اللبناني، ولا المال استفادوا منه فهو "محجوز في البنك مثل أموال كل الناس".

وتضيف أبو مجاهد أنهم دفعوا ثمن الغربة بعيدا عن الأهل لتأمين مستقبلهم ومستقبل أولادهم في لبنان، والنتيجة لا شيء.

وتؤكد أنهم يأتون إلى لبنان وأولادها متعلقون به رغم أنهم يعانون حقا "لأن أدنى حقوق المواطن غير متاحة، ولم نعد نرى مستقبل لأولادنا هناك للأسف".

ومن الأسباب الأساسية في عدم قضائهم العطلة الصيفية في لبنان الخوف من عدم القدرة على العودة إلى الكويت، كما حصل للعديد من أصدقائهم الوافدين خاصة بعد زيادة حالات كورونا.

ورغم أن أبو مجاهد وعائلتها لم يسمعوا صوت الانفجار، ولم يفقدوا أحدا من أقاربهم، إلا أنها تؤكد للجزيرة نت "لكننا شعرنا باليتم، كسرت قلوبنا وبكينا، وإذا سئلنا إن كان أهلنا بخير تنهمر دموعنا، ولم يفارقنا اللباس الأسود حزنا".

وتختتم "لم تقهرنا حرب يوليو/تموز 2006 بقدر هذا الانفجار لأننا كنا نعرف أنه عدو من الخارج".

 

 

المصدر : الجزيرة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة