عاد شهيدا وبكى عليه وطن.. قصص مؤلمة لضحايا انفجار بيروت

كثيرون انتظر أهلهم عودتهم من تحت أنقاض المرفأ لكنهم جمعوا أشلاءهم في تابوت (رويترز)
كثيرون انتظر أهلهم عودتهم من تحت أنقاض المرفأ لكنهم جمعوا أشلاءهم في تابوت (رويترز)

 

شهيد أو ضحية أو قتيل، أيا كانت التسمية فقد رحلوا. لهم عائلات وقصص، هم ليسوا أرقاما. انتظر أهلهم بصيص حياة تحت أنقاض المدينة لأيام؛ لكنهم عادوا وجمعوا أشلاءهم في تابوت.

رجل الإطفاء الذي حرق قلوبهم

زوجة حامل وابن في الـ15 من عمره خضع لفحص "تحليل الحمض النووي" (DNA) للتعرف على أشلاء والده، وعائلة مجبولة بالحب والقهر والانتظار.

بعد 6 أيام من الأمل وتضارب الأخبار وتفحص الجثث خلص البحث إلى أن ثروت محمد حطيط (47عاما) تناثر مع بيروته.

تخبر ابنة أخيه تيمة حطيط الجزيرة نت عن رجل مجبول بالمبادرة والعاطفة والقوة والشجاعة يخاف على الجميع، يعمل في فوج الإطفاء منذ 22 عاما، هو عمها الأقرب إلى قلبها وأفكارها.

ذكريات كثيرة تجمعها وأخوتها به، منها أنه كونه مدرب رياضي طلبت منه تدريبها "الملاكمة التايلاندية" (تاي بوكسينغ)، فأصبح يستيقظ باكرا يفتح النادي لأجلها ويدربها ويقفله قبل أن يعود ليبدأ عمله.

بعد 6 أيام من الأمل خلص البحث إلى أن ثروت محمد حطيط (47عاما) تناثر مع بيروته (مواقع التواصل)

العودة من العطلة إلى الموت

وتضيف تيمة أن عمها ثروت كان في إجازة، وفي أول يوم عاد به طُلب منه ومن رفاقه التوجه لإطفاء حريق، خرجوا من مكاتبهم باستثناء شخص واحد جرح في الانفجار أيضا، وتضيف أنه كان يتحدث لزوجته بالفيديو التي رأت النار وهو يركض ليطفئها قبل لحظات من الانفجار.

منذ اليوم الأول -تقول تيمة- أن بحثهم بدأ في كل الأمكنة، من طوابق المستشفيات من الطوارئ إلى الجرحى إلى الجثث "كنا نعلم أن الوقت ليس في صالحنا وكل يوم يمر يزيد نسبة ألا نجده حيا؛ لكن لهفتنا عليه جعلتنا نصر على المحاولة وخلق أمل من لا شيء".

وتضيف أنه سُمح لأخيه وأخته بالتفتيش في سيارات الإسعاف وبين الجثث، وإن أصعب اللحظات لحظة تطابق نتيجة الحمض النووي لابنه مع بعض الأشلاء الصغيرة الموجودة في المستشفى العسكري.

انتشال أحد أعضاء الدفاع المدني اللبناني حيا من تحت الأنقاض (مواقع التواصل)

قسوة البحث عن أشلاء

تأخرت العائلة في الدفن أملا في إيجاد أجزاء أكثر منه -وإن بقليل- وهذا ما حصل فعلا، و"الموضوع كان قاسيا أكثر مما يمكن تخيله".

ترى تيمة أن البحث للفرق في اليومين الأولين كان سيئا إذ استخدموا أضواء المصابيح اليدوية "إذا كان من أحياء ممكن أن يموتوا بسبب هذا الإهمال الكبير".

وتضيف "أنا حاقدة على النظام على المنظومة ككل، حاقدة لأن مجموعة مجرمين يذبحوننا كل يوم بألف طريقة. هذه المرة وصلوا للحمنا ودمنا، وصلوا لأجسادنا، تآمروا علينا، قتلونا (حرفيا)، ومن بقي منا يشعر أنه ميت متحرك، سيأتي دوره في أي لحظة".

وتضيف تيمة أنها لم تعد قادرة على رؤية ابن عمها مكسورا على أبيه، ولا يهمه أن يكون بطلا وشهيدا خلال تأدية واجبه لحماية الناس، همه أنه خسر والده، ولا رؤية والدها المرهق نفسيا لدرجة لا توصف بعد البحث عن أخيه ليكون بنتيجة المطاف "ميّت.. وأشلاء! نفتّش على قطعه كأنه سيارة وليس إنسانا".

محمد (يمين) وحمزة اسكندر لم يفترقا طوال حياتهما (الجزيرة)

راح حمزة!

4 أيام وعائلة حمزة اسكندر (25 عاما) تأمل أن يكون ابنها العسكري الذي يخدم على المرفأ من الناجين.

يقول ابن عمه محمد أن حمزة يكبره بـ10 أشهر، وكانا متلازمين بشكل يومي في كل تفاصيل حياتهما، ولخص معه معنى الصداقة إضافة للقرابة. والشيء الوحيد الذي لم يفعلاه سويا هو أن حمزة قبل انخراطه في الجيش اختار مهنة النجارة ومحمد الموسيقى.

يقول محمد للجزيرة نت إن حمزة كان في فوج المدفعية الأول، والثكنة في الكرنتينا، وهو مفروز للخدمة في مرفأ بيروت، وإنه كان ينتظره يومها في بيته بعد أن اتصل به "الساعة 4:24" (أي قبل حدوث الانفجار بأقل من ساعتين) ليتمرنا معا بعد دوامه، وما إن عرف أن الانفجار وقع في المرفأ حتى صرخ والده "راح حمزة". ونزلا مباشرة إلى المرفأ للبحث عنه.

يقول محمد "فتشنا المستشفيات والثلاجات لمطابقة الجثث، إذ لدي أصدقاء في الدفاع المدني وفرع المعلومات والأمن الجنائي ساعدوني أيضا، وأرسلوا لي صور جثامين لأطابقها، ولم نجده.. وعندما وجدناه أخيرا كان أشلاء".

كان حمزة سيصبح رقيبا بعد أشهر إلا أن استشهاده رفعه بثوان بعد أن كان عريفا في الجيش اللبناني.

ويشير محمد أنه من المستحيل المسامحة رغم أن حمزة شهيد، لكنه ضحية إهمال، وأنه لو استشهد في وجه العدو الإسرائيلي لكان برد قلبه.

ويختم بالقول: "إننا نعيش في لبنان وهو جنة، وحكامه هم السيئون، وعلى الشعب تغيير هذه المنظومة، لبنان لنا وليس لهم، ولن أترك بلدا فيه دم حمزة، ودم حمزة لن ينسى، ولكننا الآن في عزاء ونعاني صراع الفقد الذي سيلازمني ما حييت".

زوجة أحمد صطيفي وابنتاه لطيفة وجود اللواتي قتلن في الانفجار وفي الخلف ابنته ديما (الجزيرة)

هرب من الموت في سوريا للموت في بيروت

في منطقة الكرنتينا المدور قصة أخرى يرويها للجزيرة نت أحمد حج صطيفي الذي جاء بعائلته -زوجته وبناته الـ4- من سوريا هربا من الحرب.

وإذ بالموت يترصد بهم في بيتهم، 3 من العائلة الزوجة وابنتان أُطبقت عليهم جدران المنزل فقتلن فورا، وابنة ما تزال في المستشفى تعاني من جراحها.

يقول أحمد للجزيرة أنه لم يكن في البيت أثناء الإنفجار كان في الحي الآخر، ركض فوجد البيت أنقاضا ورِجل ابنته ديما (14 عاما) تتحرك، فأتى الناس وساعدوه لسحبها من تحت الركام، وكانت ابنته الكبرى لطيفة (22 عاما) متمددة على الأرض ومفارقة للحياة بشكل واضح.

جاء الدفاع المدني ورفع الركام فأنقذ ابنته ديانا (17 عاما) وهي في مستشفى الجامعة الأميركية تخضع للعلاج، ثم استطاعوا سحب زوجته (40 عاما) وابنته جود (13 عاما) ميتتين.

يقول أحمد "إنه القدر (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ)، لا أحد يعلم غير الله"، البعض يلومونه على جلب عائلته من سوريا، لكنه مقتنع أن هذا هو قدره و"المكتوب ما في منو مهروب"، كما يقول، ويشير إلى أن جمعيات عديدة تهتم بإيوائه والاهتمام به.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة