فقدوا بيوتهم وأماكن ذكرياتهم.. قصص مأساوية من زوايا بيروت المنكوبة

بيت أهل جوني خوند يبعد 600 متر عن المرفأ، تهدمت الحيطان والزجاج والأثاث ودمرت السيارات (الجزيرة)
بيت أهل جوني خوند يبعد 600 متر عن المرفأ، تهدمت الحيطان والزجاج والأثاث ودمرت السيارات (الجزيرة)

لم يعرف إيلي الشايب أن تعبَ العمر الذي وضعه ليرمم بيته ويجدده سيسقط على رأسه ورأس عائلته قبل أن ينتقلوا للاستقرار فيه بأيام. جُرح هو وكان في الطابق العلوي وزوجته وابنته في الطابق الأرضي، ولم يعد لديهم -حرفيا- سقف يؤويهم، وهم اليوم يسكنون مع العائلة حتى إشعار آخر.

قصص بعدد ضحايا كارثة انفجار مرفأ بيروت بقتلاها وجرحاها ومفقوديها وأهاليهم وأصحابهم، بعدد المذهولين، قصص تروى من زوايا المدينة المنكوبة وزواريبها وضواحيها.

منزل إيلي الذي بدأ ترميمه وتجديده منذ عامين ودفع عليه حوالي 40 ألف دولار (الجزيرة)

يخبر إيلي الجزيرة نت عن منطقة "المدوّر" حيث كانت طفولته، "هنا ولدت، وهنا توفي والدي وأنا بعمر السنتين، وتربيت هنا، كبرت مع بيت جدي هنا". بدأ إيلي ترميم البيت وتجديده لمدة عامين مما كلفه نحو 40 ألف دولار.

تهدّم البيت وسيارتان، وسُرق البيت بعد الانفجار مرتين كما يروي إيلي، ولم يستطع حتى إيجاد ذهب ابنته، وهو يبحث كل يوم تحت الدمار.

لدى إيلي الشايب 100 قطبة في الرأس، وهو يبحث كل يوم تحت الدمار عن ذكرياته (الجزيرة)

يقول بأسى "أرجعونا إلى ما تحت الصفر، هذا الأسبوع عرض عليّ البيع مرتين ورفضت، هذا بيتنا، بيت الطفولة، وأريد أن تعيش فيه ابنتي. هذا البيت حياتي كلها".

لدى إيلي 100 قطبة في الرأس، وكان وضع يده خطرا، ويقول إنها نعمة من الله أنهم لا يزالون جميعهم أحياء.

جوني خوند: قصص كثيرة في زوايا بيت العائلة الذي سكنته منذ 40 عاما (الجزيرة)

أبحث حتى في القمامة عن ذكرى

بيت جوني خوند الذي يبعد 600 متر عن المرفأ، تهدمت فيه الحيطان والزجاج والأثاث، يقول إن قصصا كثيرة تسكن في زوايا هذا البيت الذي ولد ونشأ فيه منذ 40 عاما حيث يعيش مع العائلة.

ويضيف للجزيرة نت "اليوم كنت أبحث بين الردم والزبالة حتى أجد شيئا، صورة أو ورقة لتبقى ذكرى لي، وحلمي أن يترمم البيت وأعود لأعيش فيه"، حتى أنه خطب منذ 8 سنوات وهو يبحث عن منزل قريب لبيت العائلة هذا، فهو لا يريد أن يترك مكان طفولته وحياته بكل تفاصيلها.

جانب من صالون بيت سوسن شوربا قدوح التي أفاقت من قيلولتها مضرجة بالدماء (الجزيرة)

من انفجار إلى آخر

استيقظت سوسن شوربا قدوح من قيلولتها مضرجة بالدماء، وابنها يصرخ من الغرفة المجاورة "war" (أي: حرب)، فالنافذة الكبيرة المغطاة بطبقات ثلاث من الستائر السميكة في غرفتها في منطقة الصيفي التي تبعد 500 متر عن المرفأ، مزقها الزجاج، وتقول إنها لو لم تكن تضع أغطية النوم لكان الزجاج مزق جسدها أكثر.

في اللحظات الأولى، ظنت سوسن أنه كابوس، ثم توقعت أنه قصف إسرائيلي. بدأت تمشي حافية فوق الزجاج بذهول، ولم تصدق حجم الدمار في المنزل، فحملها ابنها إلى المدخل.

لم تستطع سوسن الاتصال بابنتها وزوجها، فاستخدمت خاصية البث الحي على فيسبوك، وكانت تصرخ وتناشد الناس أن يخبروها بما يجري، قبل إعلان أنه انفجار في المرفأ.

تقول سوسن "اتصل بي بعد لحظات شقيق زوجي الذي يعيش في ليماسول بقبرص ليطمئن علينا، بعد أن علم من جميع الوسائل ماذا حصل، وقال إنه شعر بهزتين في منزله في قلب ليماسول!".

مطبخ بيت سوسن قدوح بعد انفجار مرفأ بيروت (الجزيرة)

بعدها، علمت أن ابنتها التي كانت تمشي قرب البيت مع كلبها بخير، وأن لدى زوجها جرح بسيط وهو ذاهب إلى المستشفى.

تقول إن المبنى كان مهدما، "نزلنا الدرج على ضوء الهاتف ورائحة الدماء بخطوات ثقيلة مع الدمار وأصوات سيارات الإسعاف وأجهزة الإنذار".

وتضيف سوسن أن الأضرار لا قيمة لها أمام ما حصل لزوجها الذي خرج من المستشفى بمئات القطب على امتداد جسده ووجهه، "واستطاع الطبيب أن يصحح شكل عينه اليمنى ولكنه فقد النظر بها، وهذا ما يكسر قلبي، ولكنني أذكر نفسي كل لحظة بأنه على قيد الحياة بأعجوبة وكذلك أنا وولديّ".

باتت سوسن وعائلتها ليلتين لدى صديق العائلة، ثم انتقلت لأحد الفنادق لحين أن تصبح شقتهم -التي كانت قد تضررت أيضا بانفجار السفارة الإيرانية منذ سنوات- جاهزة للسكن ثانية.

كيف نرمم أنفسنا؟

وتشكر ديانا صالحة ربها أن زجاج الواجهة الضخم الذي دمر غرفة الجلوس -حيث كان زوجها وطفلاها- اقتصرت أضراره على الجروح. تقول إنها سمعت صوت الطيران، ولكن مازن زوجها ظن أنها هزة أرضية فهرع إلى طفليه ودفعهما بعيدا عن الزجاج قبل تحطمّه بثوان، فجرح في كتفه وظهره، كما جرحت أقدام الولدين.

نوافذ صالون منزل ديانا صالحة التي اقتلعت من مكانها أثناء الانفجار (الجزيرة)

ثم فتحوا باب مدخل الشقة في منطقة سن الفيل، وإذا بالانفجار الثاني الضخم يقلع أبواب الصالونات والزجاج. تقول ديانا للجزيرة نت "لم نسأل عن شيء، المهم أن طفلينا نجوَا، أعان الله قلوب الأمهات المحروقة على أولادهن".

ما يزعجها أيضا أن ابنها الكبير (10 سنوات) بات لا يتكلم إلا قليلا منذ الانفجار، والصغير 5 سنوات أصبح يتبول في الفراش بسبب الخوف. تقول إنهم بدؤوا ترميم البيت بعد إرسال الولدين إلى الجبل، "لكن الترميم النفسي هو الأصعب. لا أستطيع النوم. الرعب يتملكني، وأبعد الأطفال دائما عن أي نافذة أو زجاج".

غرفة الجلوس حيث كان زوج ديانا وأطفالها قبل ثوان من الانفجار (الجزيرة)

أرادت وزوجها تصليح البيت بسرعة قبل أن ينقطع الزجاج من السوق، رغم أنها تشعر بعدم الرغبة في تحريك ساكن.

تقول ديانا إن ابنها الصغير جو قال لها إنها المرة الأولى الذي يرى بيتا يدمر في الحقيقة، ويسألها من يريد أن يكسّر بيتنا، ولماذا يحدث ذلك؟!

البيوت المهدمة في أغنية

الممرض علاء مصري -الذي كان سيبدأ عمله في بيروت بإحدى الشركات الطبية، وكان ذلك مقررا بعد يوم التفجير- تأثر كثيرا من هذا الدمار الذي شهده، ويقول إنه من طرابلس، ويعشق بيروت، ولطالما نزل إلى ساحات الثورة فيها، وهو ينزل الآن ليساعد في تنظيف الطرق والبيوت المتضررة والناس.

قرأ علاء كلاما كتبه أحد أصدقائه  -واسمه زياد مجانيني- فلحنه وغناه بعد يومين من الانفجار، وهو يتحدث عن البيوت التي دمرت والذكريات تحت أنقاضها.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة