بالفيديو- "فؤاد حلاوة".. سادن تاريخ نابلس القديمة وأعرق مطاعمها

بالنسبة له هو باب السرايا العثمانية، أما نحن ومن يقصد المكان زائرا فيعرف سلفا أو من دلائل واضحة أنه "باب الساحة/برج المنارة" ويُشكل معلما سياحيا وتراثا حيويا وسط البلدة القديمة لمدينة نابلس بالضفة الغربية.

تغيرت بعض المسميات على الحاج الثمانيني فؤاد حلاوة (أبو عماد) وشيء من طبيعة المكان، أما الجوهر فيسكن قلبه وعقله ولم يتغير مثل طعم شواء اللحم في مطعمه القديم الذي يعبق بروائح الزمن الجميل.

يقف أبو عماد هذه الأيام على رأس عمله ويعد اللحم ويتبله بأشهى البهارات ويحفظه في الثلاجة ليكون جاهزا حال طرق أي زبون بابه، ففي هذه الأيام يقل الزبائن بسبب انتشار فيروس كورونا.

ذاكرة مدينة

وعلى هذا الحال يداوم أبو عماد منذ أن كان ابن 14 ربيعا، حين طلبه والده مطلع خمسينيات القرن الماضي للعمل معه، فغادر وهو طفل مدرسته الغزَّالية وذهب ليساعده، فهو أكبر إخوته وأعرفهم بالعمل.

ومذ وطأت قدماه المطعم صار يثقف نفسه ويعلمها من "مدرسة الحياة" فضلا عما يكتسبه من معرفة من والده الذي أدرك آخر سنوات الحكم العثماني ممثلا بحامد شاكر فضلو آخر قائم مقام (حاكم المدينة).

ولبضع دقائق اصطحبنا أبو عماد أمام محله وأشار بيده إلى بناء قديم تطل منه شرفات شبه معلقة، وهو يقول "هذا مبنى السرايا الحكومي للدولة العثمانية وقد حوى مكاتب لوزارات الداخلية والزراعة والصحة والتعليم ويتقدمها مكتب القائم مقام".

 

الساعة التي أهداها السلطان عبد الحميد لأهالي نابلس عام 1901 تعتلي برجا شيده أهل المدينة (الجزيرة)

تراث وتاريخ

وفي مقدمة المطعم يتربع مسجد النصر المملوكي الأقدم في نابلس وبالقرب منه "برج المنارة" والذي تعتليه ساعة حائط كبيرة مرفقة بجرس نحاسي أهداها السلطان العثماني عبد الحميد الثاني لأهل المدينة عام 1901 تقديرا لهم واحتفاء بمرور ربع قرن على اعتلائه العرش، وهو واحد من سبعة أبراج شيدها حينها في مدن فلسطينية مختلفة.

يقول أبو عماد "الساعة هدية والبرج بناه أهالي المدينة، وأشرف شاكر فضلو على بنائه كحال مؤسسات أخرى في المدينة منها المشفى الوطني والمدرسة الفاطمية".

لديه كل هذه التفاصيل وأكثر، يسردها على مسامع زواره والمارة، وينقل لهم قصصا وحكايات عن والده، وكيف أن منطقة "باب الساحة" كانت مركز المدينة وأكثرها حيوية، ولم يكن خارج البلدة القديمة أية مؤسسات وشكَّلت "عاصمة سياسية واقتصادية للحارتين الأكبر الشرق والغرب".

يعرف أبو عماد أيضا حارات نابلس القديمة السبع وما يتفرع عنها من حارات أصغر، والموطن الأصلي لبعض سكانها خاصة الذين قدموا مع فتوحات صلاح الدين الأيوبي، كما عاصر عدة حقب لفلسطين وشهد معارك الجيش العربي ضد الاحتلال الإسرائيلي وتقسيم المدن الفلسطينية تبعا لتلك المراحل.

أبو عماد ورث صنعة إعداد الطعام والمطعم نفسه عن والده (الجزيرة)

مطعم بطابعه القديم

أما مطعمه فهو الأقدم ليس بتخصصه في تقديم الطعام المطبوخ واللحم المشوي والحمص والفول، بل بمكانه الذي أسس لهذا الغرض بينما المطعم الآخر بجواره كان إسطبلا للخيول العثمانية، وهكذا ظل مطعم حلاوة محافظا على طابعه القديم.

وبكلمات "يا الله يا كريم يا رزقة العيال" والمختومة بالصلاة على النبي محمد عليه السلام، يفتح أبو عماد مطعمه، وتراه يجر جسده النحيل وقدما فوق أخرى لخدمة زبائنه وهو في كامل حيويته ونشاطه.

ثمة ما يغضب العجوز إذا ما قيل له أنه شوَّاء فهو "مطعمجي" كما يعِّرف نفسه، فهو ورث صنعة إعداد الطعام والمطعم نفسه عن والده، وإلى الآن لا يزال يدفع أجرته المقدرة بأكثر من 100 دولار مناصفة بين عائلتي آل طوقان وآل النمر ملاك العقار.

الترميم لإحياء المكان

بعض من حكايات المطعم كان ماهر المحروم (66 عاما) جار أبو عماد، يسردها علينا ويستذكران معا حالة من الازدهار عاشتها المنطقة والمطعم خاصة، حينما كان الزبائن يتقاطرون لطلب الشواء بأنواع اللحم المختلفة.

أما اليوم فاللحوم البيضاء من الديك الرومي والكباب حلت مكان الضأن غالي الثمن، في وقت تنتشر المطاعم الحديثة بالخارج "وليس في باب الساحة حيث الحي الشعبي والسكان الفقراء".

وهو يسترسل بالحديث مع جاره، يستذكر الحاج أبو عماد أربع شجرات من التوت البلدي كانت أمام مطعمه وقد أزيلت مع عمليات الترميم التي كان آخرها قبل عام، فالمكان رُمِّم سبع مرات بعد احتلال الضفة عام 1967 وتعاقب رؤساء البلدية.

أضاف الترميم الخارجي جمالا للمكان وكذلك للمطعم والمحال المجاورة، ووضعت مقاعد من الحديد والخشب ليستريح عليها المارة، ونصبت مظلة حديثة فوق باب المطعم وخط اسم أبو عماد تحتها بشكل لافت، بيد أن رائحة الشواء تلفت أكثر.

أبو عماد يعد سفود اللحم لزبائنه الذين يأتونه من مناطق عدة (الجزيرة)

تقليد وضيافة

داخل المطعم نفسه لم يحدث أي تغيير جوهري، فالسيخ (سكين تقطيع اللحم) والميزان القديم كما هي منذ عهد والده، أما الثلاجة فأحدث أبو عماد قليلا وعمرها يفوق 50 سنة، ومن قريب استبدل الطاولات القديمة المهترئة لكنه حرص على الحفاظ على الطابع التقليدي للمطعم.

يمسك بيديه "سكين السيخ" الضخمة التي أحضرها والده من مدينة حلب السورية قبل نحو قرن، ويشرع بتقطيع لحم الكباب وهي طريقة تعرف "بكباب السيخ" لجعل الطعام ألذ، وهو ما يُعجب الحاج عمر الصوص (أبو إبراهيم) القادم من مدينة سلفيت وسط الضفة.

ولج أبو إبراهيم عقده الثامن ولما ينقطع عن زيارة رفيقه أبو عماد، وتناول الشواء منذ أكثر من عشرين عاما مستغلا كل فرصة لزيارته لنابلس حتى لو كانت رحلة علاجية كما في المرة الأخيرة حين التقيناه.

وما إن دخل الحاج أبو إبراهيم حتى سارع أبو عماد لإشعال النيران وشوي سفود اللحم، فهو الزبون الأول منذ الصباح فقد خفت حركة البيع الآونة الأخيرة بعد انتشار فيروس كورونا.

يُقلب اللحم ثم يتركه ويقدم صحن الحمص من صنع يده وشيئا من المقبلات الحارة والخبز، أما الماء فهو يوضع سلفا فوق الطاولة ودون مقابل فهو يأتي به من نبع عين قريب من مطعمه أعد سبيلا للناس.

يمكن للزبون -فضلا عن طلبه اللحم المشوي من مطعم أبو عماد- أن يأتي باللحم لشوائه أو المشروبات الغازية، لكن أن يُكرم زبائنه وضيوفه بالبطيخ المثلج أو بشيء غيره فهذا من بين أطباع كريمة اعتادها.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة