الرسم داخل الزجاج.. فكرة صينية بسيطة للتدوير تحولت لأسلوب حياة في ماليزيا

فن الرسم داخل العلب الزجاجية يتميز به في ماليزيا السكان من أصل صيني (الجزيرة)
فن الرسم داخل العلب الزجاجية يتميز به في ماليزيا السكان من أصل صيني (الجزيرة)

قد تبدأ الأفكار الخلاقة والمبدعة من أشياء بسيطة لا يلقي لها الكثيرون بالا، المثال الحاضر لدينا في هذا التقرير يقدم صورة جلية واضحة لهذا الأمر.

ففن الرسم داخل العلب الزجاجية الذي يعتبر فنا صينيا راقيا، ويتميز به في ماليزيا السكان من أصل صيني، بدأ بفكرة بسيطة لفنان صيني بقي مجهولا حتى يومنا، حين أراد تدوير هذه العلب وتحويلها إلى أعمال فنية، أصبحت فيما بعد جزءا من أسلوب حياتهم وموروثهم الحضاري والثقافي الذي يحرصون على تعلمه والحفاظ عليه.

هذه الزجاجات الرائعة، المرسوم عليها بطريقة فائقة الدقة والروعة، لا توضح فقط البراعة التقنية للحرفيين الصينيين، ولكنها تفتح نافذة على الحياة والثقافة في الإمبراطورية الصينية وامتدادها في دول جنوب شرق آسيا.

فكرة الرسم داخل علب التباكو بدأت بالصين في القرن 18 الميلادي خلال عهد حكم أسرة تشينغ (الجزيرة)

فكرة التدوير كانت البداية

بدأت فكرة الرسم داخل علب التبغ الزجاجية في الصين في القرن الـ 18 الميلادي خلال عهد حكم أسرة تشينغ، عن طريق فنان أراد استثمار وجود كَمّ هائل من زجاجات التبغ المطحون ليحولها إلى قطع فنية ثمينة.

هذا النوع من علب التبغ كان يخص العامة، بينما الأسرة الحاكمة والأثرياء من الصينيين كانوا يستخدمون تلك المصنوعة من المعادن الثمينة كالذهب والفضة أو من العاج.

ولكن بعد أن بدأ هذا الفنان الرسم على هذه العلب الزجاجية، أصبحت أعمالا ذات قيمة فنية عالية، وتباع بأثمان باهظة حتى أن أسعار بعضها مما يعرض على المواقع الإلكترونية المخصصة تجاوز عشرات آلاف الدولارات.

وبطبيعة الحال فإن الأسعار تعتمد على مدى شهرة الفنان الذي قام برسمها، ونوعية الزجاج، كما أنها لم تعد تستخدم لأغراض التدخين وإنما أصبحت قطعا فنية تستخدم في الديكور لتزيين البيوت.

العائلات الصينية تتوارثه جيلا بعد جيل، فهو يرتبط بأسلوب حياة الصينيين أينما وجدوا (الجزيرة)

أسلوب حياة في فن

إلينا يونغ وهي صاحبة متجر خاص بالحرف والفنون الصينية، قدمت للجزيرة نت فكرة عن هذا النوع من الفنون، إذ تقول إنه يحتاج لسنوات من الدراسة والخبرة، وهناك مدارس خاصة لتعليمه.

وتضيف أن العائلات الصينية تتوارثه جيلا بعد جيل، فهو مرتبط ارتباطا وثيقا بأسلوب حياة الصينيين أينما وجدوا، سواء في بلادهم أو خارجها.

وهو فن يحتاج للصبر والوقت -كما تقول إلِينا- ويحتاج الفنان المحترف أكثر من أسبوع لرسم قارورة بسيطة، بينما تحتاج الأشكال المعقدة إلى ما يقرب الشهر لإنجازها، لذا يكون إنتاجه الكلي بضع قوارير كل عام، وهذا أحد أسباب ارتفاع ثمنه.

أما الأدوات المستخدمة في الرسم، فهي الفرشاة ذات الرأس المعقوف، ويعتمد طولها على حجم الزجاجة، أما الألوان المستخدمة، فقد بدأت قديما بألوان التحبير الصيني والألوان المائية التي يغلب عليها اللون الأسود والرماديات، إضافة للأحمر والأخضر.

وقد تناولت مواضيع الرسم على الزجاج وصفا لأساليب الحياة الاجتماعية في عهد أسرة تشينغ وكذلك رسومات عن الطبيعة بروحية ذات طابع بوذي، تعبر عن مدى ارتباط الإنسان بالطبيعة والكون.

بعد ذلك، تأثر الفن الصيني على وجه العموم بالمدرسة الغربية، فاستخدمت الألوان الزيتية وهي أكثر ثباتا على الزجاج كما أنهم استخدموا الألوان الزاهية.

ويشار هنا إلى أن الصينيين في معظم فنونهم يلجؤون إلى استخدام المترادفات، فمثلا أو الكلمات ذات الكتابة الواحدة والمعنى المختلف، فمثلا كلمة "فو" تعني الخفاش، ولها معنى آخر هو السعادة، لذا فهم يرسمون الخفاش تعبيرا عن السعادة.

كجزء من الثقافة الصينية تستخدم في التحف الزجاجية فلسفة التناغم (الفونغ شوي) ورمزياتها (الجزيرة)

الرسم بالمعكوس

ترجع صعوبة هذا الفن بالإضافة إلى دقته كونه يرسم داخل زجاجات صغيرة الحجم، إلى طريقة الرسم ذاتها، التي يجب أن تكون بطريقة عكسية مقلوبة حتى تظهر اللوحة بشكلها الصحيح على وجه الزجاجة.

كما أن التدرج اللوني فيها يكون معكوسا أيضا، فيبدأ بالألوان الداكنة الغامقة إلى أن ينتهي إلى الألوان الفاتحة والزاهية.

وكجزء من الثقافة الصينية استخدمت تلك التحف الزجاجية في فلسفة التناغم "الفونغ شوي" ورمزياتها، خاصة تلك القطع المصنوعة من الكريستال، الذي يعتبرا مصدرا للطاقة الإيجابية في ثقافتهم.

وبعض الرسومات تستخدم لجلب الثراء كزهرة الفونيا، وبعضها يوضع في غرف النوم لحياة زوجية أبدية، ويستخدم طائر الكركي لهذا الغرض وبعضها للحماية أو للصحة.

وفي يومنا هذا أصبح الفنانون من جيل الشباب يرسمون بطريقة عصرية مع المحافظة على روح هذا الفن.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة