صلاح حسين.. قصة انتصار أسير على عتمة السجن بزوجة وطفل عن بُعد

صلاح حسين وعروسه شيرين نزال في حفل استقباله استعدادا لعرسهما المؤجل منذ 18 عاما وبجوارهما والدته (الجزيرة)
صلاح حسين وعروسه شيرين نزال في حفل استقباله استعدادا لعرسهما المؤجل منذ 18 عاما وبجوارهما والدته (الجزيرة)

بعد أسبوع من الإفراج عنه من سجون الاحتلال الإسرائيلي، لا يزال الفلسطيني صلاح حسين ورفيقة دربه شيرين نزّال يستقبلان المهنئين بحريته ثم لقائه بطفلهما "علي" واحتضانه لأول مرة، ثم حفل عرسهما الذي تأخر 18 عاما.

على حاجز ترقوميا جنوب الخليل بالضفة الغربية، ركض الطفل ابن الخمس سنوات مناديا "بابا أنا علي.. أنا علي" ليدل والده عليه في أول لقاء يجمعهما بعد الإفراج عن الأب من حكم بالسجن استمر 15 عاما ونصف العام. وقالت الأم تحثه على معانقة أبيه "هذا بابا يا ماما".

وُلِد علي من نطفة مهربة لوالده من سجون الاحتلال عام 2015 بعد أعوام من عقد قران والديه عن بُعد، وتمكن من احتضان والده لأول مرة قبل أن يعيد الاحتلال اعتقاله مرة أخرى على حاجز الكونتينر شمال بيت لحم، ثم اقتياده للتحقيق في مركز المسكوبية بالقدس ثم الإفراج عنه ليلا قرب رام الله.

قالت الأم شيرين نزال: "كان همي الأكبر أن يخاف طفلي من هذه اللحظة لكنه بادر لمناداة والده… كنا نحدثه عنه يوميا ويتابع صوره وقصصه، وفي السنة الأخيرة كان يؤجل لعبه وتعلمه السباحة حتى يخرج والده ليشاركه فيهما".

صلاح حسين اعتقل 15 عاما في سجون الاحتلال الإسرائيلي (الجزيرة)

اعتقال.. وزواج عن بُعد

بدأت قصة صلاح حسين (48 عاما) من بيت دقو قضاء القدس وشيرين نزال (41 عاما) من مدينة قلقيلية شمال الضفة، عام 2002. عندما تعارفا أثناء دراستهما الجامعية، وتقدم لخطبتها من عائلتها فعلا غير أن مطاردته من قوات الاحتلال حالت دون إتمام ارتباطهما. وفي عام 2004 اعتقل الشاب بتهمة الانخراط في تنظيم عسكري تابع للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحكم بالسجن 15 عاما.

عام 2008 قرر صلاح وشيرين الارتباط رسميا وعقد قرانهما بوكالة رسمية حملها الصليب الأحمر من العريس الأسير، وسمح الاحتلال لها بزيارته بعد أربع سنوات من ذلك.

وفي عام 2015، قال صلاح إن الفرصة لاحت له للإنجاب عن بُعد، وخضعت شيرين فعلا لعملية تلقيح صناعية أنجبت بعدها طفلهما في نوفمبر/تشرين الثاني 2015.

صلاح حسين يمتطي حصانا في زفة عرسه الذي أقيم بعد يوم من الإفراج عنه من سجون الاحتلال (الجزيرة)

سفراء الحرية

وعليّ واحد من نحو 80 طفلا فلسطينيا ولدوا من نطف آبائهم الأسرى بعد تهريبها من سجون الاحتلال الإسرائيلي، ويطلق عليهم في الأوساط الفلسطينية "سفراء الحرية". لكن الحدث المختلف في قصته أنه استطاع حضور زفاف والديه المتأخر 18 عاما.

قالت شيرين إنها بعد سنوات من ارتباطها بعقد زواج رسمي، لم تجد أي مانع اجتماعي أو ديني من استخدام نطفة "محررة" من زوجها المعتقل، لإنجاب طفل. وكان الهدف أن يخطو الأسير خطوة متقدمة نحو الأبوة وأن تكون هي أُمًّا، فقررا الإنجاب قبل الإفراج عنه.

بعد ساعات من الإفراج عنه، كانت شيرين ترتدي ثوبا من التراث الفلسطيني المطرز احتفالا بالإفراج واستعدادا لزفافها إليه، لكنها تذكرت محاولات اغتيال صلاح أثناء مطاردته، فقالت "عشت شعور فقدانه عدة مرات.. لكنني اليوم أزف إليه مع ابنه علي". وأضافت "مهما كان الحكم عاليا والظلم أعلى ستشرق شمس الحرية".

وكان صلاح يجلس وفي حضنه ابنه وبجانبه والدته التي بدأت معاناتها مع اعتقال أبنائها جميعا منذ مطلع الثمانينيات وليس آخرهم صلاح، حيث لا يزال ابنها موسى معتقلا في سجون الاحتلال. وبالقرب منهما علّقت يافطة كبيرة تحمل صورة صلاح مع والده الذي رحل منذ عام، وكتب عليها "كل شريان في جسد الأحرار سينتصر".

الأسير صلاح أصيب برصاص الاحتلال لحظة اعتقاله عام 2004، وهو يحتاج لمساندة عند المشي (الجزيرة)

صراع من أجل الحرية

وكان صلاح قد أصيب برصاص الاحتلال لحظة اعتقاله عام 2004، وحتى اليوم يحتاج لمساندة شخص ما عند المشي أحيانا. وفي العام الأول لاعتقاله، كان الاحتلال يتنقل به بين المستشفى ومراكز التحقيق، كما قال.

يذكر عن سنوات اعتقاله الطويلة أنها مراحل فيها مستويات مختلفة من الصعوبة لكن فقدان الحرية هو الشعور الأصعب دائما، "فالأسر هو معركة واحدة، وفي مجمله صراع من أجل الحرية".

ولم ينسَ صلاح زوجته في كل تفاصيل اعتقاله، بل يعتقد أن صمودها لا يقل عن معاناته في الأسر. ويضيف "كانت في ظروف أكثر ضغطا، فهي تملك إمكانيات علمية تؤهلها لتكون في أفضل المستويات الاجتماعية وأكثرها راحة، لكن وعيها الوطني أعطاها القدرة على الصمود 15 عاما وأكثر".

وشيرين نفسها عاشت تجربة انتظار شقيقها رائد نزال الذي اعتقل في سجون الاحتلال سنوات طويلة قبل أن يفرج عنه ويستشهد بالرصاص الإسرائيلي عام 2002. يقول زوجها "هذا خلق منها امرأة صلبة لديها القدرة على الصمود وخاصة أمام الضغط الاجتماعي بالزواج والإنجاب عن بُعد".

يقول صلاح عن تجربة زواجهما وإنجابهما "صار العمر يتقدم بنا وأمامي سنوات لإنهاء حكمي، فقررنا عقد القِران وتم الإنجاب بالنطف المهربة"، وفكر الزوج أنه مع زوجته سيكسبان الوقت قبل تقدم العمر.

في بداية إنجاب "علي" كانت سلطات الاحتلال قد عاقبت الأسرى الذين هرّبوا نطفهم بحرمانهم من زيارتهم، فلم يستطع اللقاء بطفله، لكن فيما بعد، قرر صلاح ألا يأتي بالصغير إلى شباك السجن. "قلت يكفي أننا فرضنا عليه القدوم إلى حياة صعبة بلا أب في بداية عمره، فعلى الأقل لنوفر له ظرف الاستقرار النفسي بعيدا عن ضغط تجربة التعرف عليّ من شباك الزيارة".

الأسير صلاح حسين يحتضن طفله علي الذي ولد بنطفة مهربة أثناء اعتقاله (الجزيرة)

الأب وطفله في العرس

وجد صلاح "قبولا نسبيا" كما سماه من طفله بعد الإفراج عنه، ولكنه يعتقد أنه "سيصله بقلبه الذي ينبض حبا وحنانا له بشكل متدفق" كما قال.

ومع فرحته المختلطة بغصة بقاء آلاف الأسرى محرومين من احتضان أبنائهم وعائلاتهم، يقول صلاح "أشجع طبعا من يجد شريكة حياة لديها القدرة على التحمل، أن يؤسسا عائلتهما دون انتظار الإفراج"، لكنه يضيف "الموضوع ليس بسيطا، هو معاناة حقيقية أن تتحمل الأم وحدها تربية طفل وأن يحرم الأب من رؤية طفله".

ورغم ذلك يتذكر صلاح "يوم ولادته شعرت أنني حققت نصرا على العتمة وعلى المستحيل.. لم نكن معا يوما، وكنت أسيرا فصرت أبا".

في عرسه ارتدى الأب وطفله بدلتين متماثلتين باللون الأسود مع ربطة عنق حمراء، واستقبلا المهنئين قبل أن يتوجها في سيارة مزينة لاصطحاب العروس "الأم" إلى صالة الزفاف. قال الأب "اليوم أقلق فقط من إعادة اعتقالي وحرماني عائلتي وطفلي".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة