التمبكشية.. حارة الدخان من تمباك العثمانيين إلى الشيشة المصرية

حارة التمبكشية.. نصف قرن من صناعة الدخان (الجزيرة)
حارة التمبكشية.. نصف قرن من صناعة الدخان (الجزيرة)

التمبكشية أقدم حواري القاهرة العتيقة، وأول الأماكن التي وطأتها أقدام العثمانيين في بلاد النيل، سار فيها موكب سليم الأول قادما من باب النصر وصولا إلى بولاق، حيث استقر بمعسكر جنوده، حتى تلين له الزاوية الأصعب في أركان الخلافة.

يقول ابن إياس في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور" إن المساجد دعت للسلطان سليم الأول "انصر اللهم السلطان ابن السلطان، مالك البرين والبحرين، وكاسر الجيشين، وسلطان العراقيين وخادم الحرمين الشريفين، الملك المظفر سليم شاه".

في ذلك الزمان لم تكن الحارة العتيقة تحمل ذات الاسم، لكن مع استقرار العثمانيين في مصر، وتغير الأحوال، تغير اسم الحارة التي كانت مركزا لتجارة الغلال، في عهد المماليك، قبل أن تتحول إلى "صناعة المزاج".

تستطيع حواسك أن تتحسس مواضع الأقدمين على الدرب القديم، لافتة زرقاء معلقة أعلى مسجد جمال الدين الأثري، تشير إلى اسم الحارة "التمبكشية" والاسم لايزال معلقا، رغم غياب أصحابه، أهل التمباك.

لم يعد للتمباك أثر في الحارة التي حملت اسمه (الجزيرة)

صناعة التمباك

التمباك يعود له أصل مسمى الحارة المصرية التي تقع في قلب القاهرة القديمة، تتوسط الطريق بين شارعي المعز لدين الله الفاطمي والجمالية، لكن لا أحد من أهل الحارة يعرف ما هو التمباك، سوى الأسطى طارق الذي يقف على باب ورشته التي تحولت لمكتب فارغ يستقبل به أصدقاءه القدامى، ليتذكروا معا كيف كانت التمبكشية القديمة.

يقول الأسطى للجزيرة نت "ولدت في الحارة، وسكنت وعملت بها، وآخر عهد الحارة بالتمباك كان في الستينيات، حيث كان يصنع ويقطع ويعبأ هنا، ثم يباع في كافة أنحاء المحروسة" لا يشبه التمباك أنواع المعسل المنتشرة حاليا، لكنه أقرب في الشكل لبعض المواد المخدرة من أصل عشبي، لكنه لم يصنف أبدا على أنه مخدرات، بل كانت مميزاته أنه من مواد طبيعية، بعكس ما يباع في الأسواق حاليا، كما يحكي الرجل الستيني.

الأسطى طارق أمام ورشته (الجزيرة)

صناعة الشيشة

لم يعد للتمباك أثر في الحارة التي حملت اسمه، لكن الدخان لم يزل أثره باقيا، تحولت الحارة إلى صناعة الشيشة المصرية، بأشكالها المختلفة سواء النحاسية التقليدية، أو الرخامية أو الكريستال.

في أحد معارض بيع الشيشة المنتشرة في حارة صانعي التمباك، يقف عمرو درويش، شاب ثلاثيني، رفض والده مشاركة الجد والأعمام، تجارة الأخشاب قبل أربعين عاما، ليفتتح محلا صغيرا لبيع الشيشة، فيكبر الشاب الذي خالف قواعد الأب، وتكبر فكرته ويتحول إلى الصناعة، ويصبح المحل الصغير الذي لا يتجاوز المترين، معرضا ضخما.

تحدث درويش للجزيرة نت عن الصناعة التي تشتهر بها مصر، بين العديد من البلدان، مؤكدا أن الشيشة لا ينافسها أي نوع آخر، حيث "لا تزال الشيشة المصرية تُصنع من النحاس وتُنقش يدويا وهو ما لا يتقنه الصينيون أبدا، أما الدول العربية التي تشتهر بالشيشة مثل سوريا ولبنان فهم الآن ونظرا لظروفهم السياسية يصنعون منتجاتهم لدينا ومن ثم تصديرها لحسابهم".

تأثرت الحارة بظروف الحظر، لكنها لم تعرف أثرا للتباعد الاجتماعي، زوارها فقط يرتدون الكمامات، أما الأصليون، فلا يزالوا يلتقمون الفول من العربة الشهيرة عند مدخل الحارة، ثم يجمعهم كوب الشاي على "النصبة" الصغيرة المواجهة لوكالة بازرعة، يتجاذبون أطراف الحديث حول كورونا، ثم يذهب كل إلى ورشته دون السلام اليدوي، هذا فقط ما حفظوه من دعوات الوقاية.

تأثرت تجارة غالبيتهم، واستغنت كثير من الورش عن عمالها، لعدم القدرة على سداد مستحقاتهم الأسبوعية، مع وعد بالعودة مرة أخرى حين تتحسن الأحوال وينتهي عصر كورونا ويعود من جديد السلام بالأيدي.

عمرو درويش صاحب متجر لبيع الشيشة (الجزيرة)

بين جنبات التاريخ

تمتد حارة التمبكشية لتفرق بين شارعي الجمالية جنوبا والمعز شمالا، وعلى جانبيها العديد من المباني الأثرية، مثل جامع جمال الدين في بدايتها، وجامع الأقمر في نهايتها، كما يوجد بها العديد من الوكالات مثل وكالة أوده باشا، ووكالة عباس أغا، لكن أشهرها وكالة بازرعة التي لا تزال تحمل طابعها الأصلي.

ويمتد تاريخ بازرعة للعهد العثماني، حيث اشتهرت كوكالة تجارية لتخزين الغلال القادمة من الشام، وتم تخصيص جزء منها كفندق ليقيم فيه التجار الرحل، إذ قام بإنشائها حسن كتخدا، نائب الوالي العثماني ذلك الوقت، والذي عرف باسم "الكخيا" وتم بناؤها عام 1669.

مرت الوكالة التي ذكرت في كتاب "وصف مصر" بعهد الحملة الفرنسية، حيث بدأت كوكالة للأخشاب، ثم الصابون، ثم لأنواع مختلفة من البضائع، قبل أن تقوم وزارة الآثار بتطويرها بعد زلزال 1992، ثم افتتاحها كمركز للحرف التقليدية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياحة وسفر
الأكثر قراءة