الطائفة الأصغر بالعالم.. هكذا يتجنب السامريون ويلات كورونا

السامريون خلال احتفال لهم في وقت سابق (الجزيرة)
السامريون خلال احتفال لهم في وقت سابق (الجزيرة)

عاطف دغلس-نابلس

ساعات طويلة تقضيها بدوية السامري في منزلها وبين أطفالها وهي تلقي على مسامعهم القصص والحكايات، وأوقات أخرى تدخرها لتدريسهم وتعويض ما فاتهم من المنهاج بعد انقطاع عن التعليم منذ شهرين بفعل الحجر المنزلي تجنبا لتفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19).

في جبل جرزيم أحد كتفي مدينة نابلس شمال الضفة الغربية وفي حي "السُمَرة" تقطن بدوية (أم عطا كما تكنى) وتتخذ وغيرها تدابير وقائية تعزلها عن محيطها، فأي إصابة بينهم قد تفتك بالسامريين الطائفة الأصغر في العالم.

منذ التاسع من مارس/آذار الماضي وقبل إعلان الحكومة الفلسطينية الحجر المنزلي بأسبوعين آثرت بدوية التي تعمل بحقل الإعلام البقاء في المنزل، واقتطعت إجازة من عملها لتقوم على رعاية طفلها الصغير إسحق وأخويه عطا وواصف، حيث أقفلت المدرسة أبوابها وخيم خطر كورونا بكل مكان.

أدركت بدوية منذ البداية خطر فيروس كورنا عليهم تحديدا، والتزمت بيتها كما بقيت أفراد الطائفة في الجبل (نحو 450 نسمة) وسلكت إجراءات وقائية مشددة مع عائلتها كالتعقيم للأيدي والأسطح وغسل اليدين ونظافة البدن.

‪‬ بدوية تحجر نفسها مع عائلتها منذ التاسع من مارس/آذار الماضي وتمارس مهامها من منزلها(الجزيرة)

تواصل عن بُعد
داخل مطبخها الذي حولته لأشبه بغرفة عمليات، تدير بدوية حياتها هذه الأيام، ففيه تدرس أطفالها وتعد عملها الصحفي ومنه تتواصل إلكترونيا مع أقاربها وصديقاتها.

ولا تبرح منزلها إلا لتفقد والديها المسنَّين اللذين يقطنان بجوارها وسط إجراءات السلامة العامة، كالتعقيم وتقليل وقت الزيارة وإحداث مسافة خلال الجلوس وتجنب الحشد مع آخرين من أشقائها.

يقطن السامريون جبل جرزيم بشكل مستقل وبعيد عن باقي السكان في نابلس مما يجنبهم الاحتكاك المباشر بالآخرين، ولهذا كما تقول بدوية قد يعتبر البعض أن الجبل "بيتهم الأوسع" ويبررون التزاور بينهم، وهو ما ترفضه وترى في الحجر تجنيبا للطائفة ويلات لا قدرة لهم عليها.

والسامري في لغة الطائفة هو "المحافظ" وحيث هم يعتبرون أنفسهم السلالة الحقيقية لشعب بني إسرائيل الناجين من تيه صحراء سيناء، وهم يحتفظون بالتوراة "الأقدم" في العالم وكذلك اللغة العبرية القديمة.

وهم على خلاف كبير في المعتقد مع اليهود الحاليين، أهمها أن جرزيم هو المكان المقدس وليس "جبل الهيكل" في القدس كما يدعي اليهود.

ويقدر عددهم بـ 820 نسمة، ينقسمون في السكن بين جبل جرزيم البقعة الأكثر قداسة لديهم ومنطقة حولون داخل فلسطين المحتلة عام 1948، ورغم طلاقة عربيتهم إلا أنهم يستخدمون العبرية القديمة خلال صلواتهم.

‪جبل جرزيم في نابلس الأكثر قداسة للسامريين‬ (الجزيرة)

حياتهم أولى
ومثل غيره من أفراد الطائفة، يُظهر إيهاب يوسف عضو جمعية الأسطورة السامرية قلة التواصل فيما بينهم كمجتمع ينفتح على بعضه وله كينونته، لكنه يدرك أن هذه الإجراءات لصالحهم وأنهم باتوا يلتزمون بها وخاصة في الحد من الزيارات والتباعد خلال اللقاء.

ويقول للجزيرة نت إنها المرة الأولى التي يُغلق بها الكنيس ويمنع بتاتا وجود المصلين حرصا على أفراد الطائفة، فقد رفض الكاهن الأكبر فتحه "ما دامت المساجد والكنائس بمدينة نابلس مغلقة".

ومما يؤرق إيهاب وغيره من أفراد الطائفة انشغالهم بالاحتفال بعيد "الفسح اليهودي"- ويصرون على تسميته بالفسح، وليس الفصح بخلاف الطوائف المسيحية واليهودية الأخرى- الذي وافق أمس 6 مايو/أيار الجاري، ويقول "صعب أن يمر العيد دون احتفاء وتقديم القرابين (الذبائح)".

ويستمر العيد الذي تذبح فيه الذبائح "تقربا الى الله" سبعة أيام حسب التقويم السامري، وتنتهي طقوسه بالحج الكبير إلى المكان الذي يعتقدون أن نبي الله إبراهيم عليه السلام قدم فيه ابنه اسحق -وليس ابنه إسماعيل- قربانا امتثالا لأمر الله تعالى.

وتم إحياء العيد وإقامة طقوسه مع إجراءات مشددة وبالأعداد المصرح بها، ويضيف أنهم طلبوا من أهلهم في حولون القدوم قبل أيام من موعد العيد "وتم إغلاق البوابة الرئيسية ولن يسمح لأحد بالدخول أو الخروج خلال فترة العيد".

‪يوسف من جمعية الأسطورة السامرية قال إنهم اتخذوا تدابير شخصية وعلى مستوى الطائفة خشية الإصابة بفيروس كورونا‬ (الجزيرة)

تدابير وقائية
ومنذ اليوم الأول لإعلان الحجر، أغلقت المدارس ورياض الأطفال والكنس والمتحف السامري، وأغلقت البوابة الرئيسة التي ينتقلون عبرها لمدينة نابلس، واتبعت إجراءات مشددة في تنقل بعضهم أو قدوم أحد إليهم.

واتخذوا تدابير وقائية كعملية التنظيف والتعقيم للحي بأكمله سواء التي تقوم بها بلدية نابلس أو التي تتولاها بعض المؤسسات لديهم في الطائفة.

ومطلع الشهر الجاري اجتمع ممثلون من الديانات الثلاث (الإسلام والمسيحية والسامرية) في مدينة نابلس، وابتهلوا إلى الله بأن يحفظهم من هذا البلاء، ودعوا لالتزام الحجر والإرشادات الصحية منعا لتفشي الفيروس.

في الجبل تعمل لجنة الطائفة السامرية ومنذ بداية الأزمة على تسيير أعمال أفرادها، وتواصل بكل الطرق، وتدعوهم للالتزام بالحجر المنزلي ونشر التوعية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتجنب التجمعات والحفاظ على المسنين (من هم فوق سن 65) في الطائفة الذين يقدرون بنابلس وحدها بنحو مئة شخص.

 خطر الفيروس أكثر فتكا بكبار السن السامريين وعددهم نحو مئة (الجزيرة)
إجراءات العيد
احتفلت الطائفة السامرية فوق قمة جبل جرزيم بمدينة نابلس، ليلة أمس الأربعاء بعيد الفسح اليهودي، وسط إجراءات وقائية مشددة ضمن الخطة المعلنة لمواجهة فيروس كورنا.

وكانت لجنة الطائفة السامرية أعلنت أن الاحتفال بعيد الفسح لهذا العام سيكون متماشيا مع خطة الطوارئ التي أعلنها رئيس الوزراء محمد أشتية لمواجهة فيروس كورونا، وسيقتصر الحضور على أبناء الطائفة السامرية فقط مع مراعاة كافة الشروط الصحية.

المذابح تم تجهيزها رغم حالة الإغلاق والحجر على أمل إحياء العيد (الجزيرة-أرشيف)

ويقول فياض إنهم بذلوا قصارى جهدهم لإنهاء عملية الصيانة في ساحة القرابين (المذبح) ويأملون الاحتفال بعيدهم مع اتخاذ كل التدابير، كأن يقتصر العيد عليهم وحدهم ودون مشاركة خارجية من صحفيين أو سياح أو مسؤولين، ولذلك لم يوجهوا دعوات لأحد.

وسيلتزم المحتفلون بعدم الحشد والتباعد ولبس القفازات والكمامات والمشاركة بأعداد معقولة، كما ستغلق البوابات الرئيسية قبل أيام من العيد وستستمر كذلك لحين انتهائه.

وكان أفراد الطائفة القادمون من داخل الخط الأخضر بدؤوا بالتوافد إلى جبل جرزيم لتنظيف منازلهم وتحضير أنفسهم للعيد منذ وقت، وذلك ضمن خطة محكمة ومدروسة.

جانب من عملية التعقيم في حي الطائفة السامرية (الجزيرة)

وعاد فياض ليقول إنهم يعملون بإمكانيات بسيطة ومحدودة وإنهم يعتمدون على إجراءاتهم الوقائية، فكلا الطرفين في إسرائيل أو حتى السلطة الفلسطينية لا طاقة له لعمل فحوصات شاملة للطائفة والقيام على رعايتها.

ويضيف أن أي إصابة بين أفراد الطائفة سيتم عزلها مع محيطها من المخالطين 14 يوما تجنبا "لهلاك" قد يفني الطائفة التي "تسعى بكل قوتها للحفاظ على وجودها وأعدادها".

لا حدود لذلك الشوق الذي ينتاب بدوية وصديقاتها خاصة بمثل هذا الوقت حيث الاستعدادات لعيد الفسح كحال الطائفة أجمع، لكنها تبدد شوقها ذاك بالتواصل معهم إلكترونيا واستراق بعض النظرات عن بعد.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

السامرية أصغر طائفة دينية في العالم لها عادات وطقوس خاصة، تتخذ من قمة جبل جرزيم أو جبل الطور بنابلس الفلسطينية مقرا لها، ويعتقد أفرادها أنهم السلالة الحقيقية لشعب بني إسرائيل.

16/5/2016
المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة