مخاوف وقرارات مصيرية.. كيف يعيش العاملون في الصفوف الأمامية لمواجهة كورونا؟

وزير الصحة الكويتي الدكتور باسل الصباح مع عدد من العاملين في الصفوف الأمامية (الجزيرة)
وزير الصحة الكويتي الدكتور باسل الصباح مع عدد من العاملين في الصفوف الأمامية (الجزيرة)

محمود الكفراوي-الكويت

يعيش العاملون في الصفوف الأولى لمنع انتشار فيروس كورونا من الأطباء والممرضين والصيادلة وسائقي سيارات الإسعاف ورجال الشرطة وباعة المنافذ الغذائية حربا داخلية على مدار الساعة بسبب الضغوط النفسية التي يتعرضون لها أثناء تأديتهم مهام عملهم في الوقت الحالي.

وللضغوط النفسية التي يتعرض لها هؤلاء أسباب عديدة، من بينها شروط العزل الصارمة والمتعلقة بارتداء ملابس معينة لفترات طويلة، وهي ملابس مقيدة للأنشطة بشكل كبير، فضلا عن مخاوف تلك أفراد تلك الفئات من احتمالية اكتساب العدوى ونقلها لأسرهم.

تغير نظام حياتي
"خلال الشهر الأخير تغير نظام حياتي بشكل شبه تام، حين أعود إلى المنزل وبمجرد أن يفتح الباب كان طفلي الصغير يلهث نحوي محاولا احتضاني كما تعود طوال السنوات الماضية لكنه فوجئ بي ولعدة أيام متتالية أبعده عني مرددة الحجة تلو الأخرى حتى بدأ يتفهم الأمر بمرور الوقت".

كلمات روت من خلالها حصة الشايجي -وهي ممرضة كويتية وأم لطفلين 5 و7 سنوات تعمل في جناح 16 بمستشفى جابر الأحمد، وهو الجناح المخصص لعزل المصابين بفيروس كورونا بالبلاد- جانبا من معاناتها كأحد العاملين في الصفوف الأولى منذ 26 فبراير/شباط الماضي.

‪الخوف من الإصابة بالفيروس أو نقله إلى ذويهم يحتل الصدارة بالنسبة للعاملين في الصفوف الأمامية‬ (الجزيرة)

مخاوف على مدار الساعة
تقول الشايجي للجزيرة نت إن كل همها حين تعود إلى المنزل هو كيفية الوصول إلى الحمام بأسرع وقت لتلقي بكامل ملابسها داخل غسالة الملابس خوفا من حملها الفيروس عقب ارتدائها نهاية الدوام الذي يبدأ يوميا في السابعة صباحا وينتهي عند الثانية ظهرا.

ويحتل الخوف من الإصابة بالفيروس أو نقله إلى ذويهم صدارة المخاوف التي يعاني منها العاملون في الصفوف الأمامية، إذ تشير الأرقام الصادرة عن منظمة الصحة العالمية إلى أن 3387 من ممارسي الصحة في الصين أصيبوا بالعدوى، فيما سجلت إيطاليا وفرنسا وفاة العديد من الأطباء خلال الأيام الماضية، وأصيب 500 طبيب وممرض في باريس وحدها، بحسب تقرير نشرته جريدة القبس الكويتية.

وتصف الشايجي الدقائق الأولى لدخولها المستشفى يوميا بأنها مليئة بالخوف رغم كل الاحتياطات المتخذة، إذ تخشى الضغط على زر مصعد يعلق به الفيروس لأي سبب أو لمس مقود أحد الأبواب، قبل أن تصل إلى غرفة تبديل الملابس لارتداء "الأفارول" الواقي، وهي مخاوف تظل مستمرة معها طوال فترة تعاملها مع المرضى، إذ يكون عليها الالتزام بالملابس الواقية والكمامة التي لا تنزعها إلا حين تناول الطعام.

ويتبع وزارة الصحة الكويتية أكثر من 10 آلاف طبيب ونحو 27 ألف ممرض و4500 صيدلي، يتوزعون حاليا بين المستشفيات والمراكز الصحية والمحاجر التي أقامتها الدولة للمشتبه بحملهم الفيروس من العائدين من السفر أو مخالطي المرضى.

الإقامة بعيدا عن العائلة
ويقول طبيب الصحة الوقائية في محجري الجون وسيشل الكويتيين حمد الأنصاري للجزيرة نت إن الطبيب مهما كان متمرسا وملما بطرق انتقال العدوى تظل تطارده المخاوف، لذا فهو يحرص على تحاشي الاختلاط بعائلته منذ بداية الأزمة، وهو أمر تم على مرحلتين، الأولى كان يقيم خلالها مع أبنائه عند عودته لإحضار ملابسه أو احتياجاته الشخصية، مع حرصه على التباعد الاجتماعي، قبل أن يقرر الإقامة في منزل آخر بعيدا عن أطفاله رغم أنه يترك المحجر مرة أو مرتين فقط خلال الأسبوع.

ويعيش الأنصاري في العمل بقاعدة أن الجميع أمامه مصابون يخشى أن تنتقل إليه العدوى منهم، أما حين يعود إلى المجتمع فتتبدل القاعدة ليعتبر نفسه مصابا يخشى نقل العدوى للآخرين، وهو ما يزيد الضغوط التي يتعرض لها خلال العمل الذي لا يخلو من لحظات صعبة، خاصة تلك التي يقوم خلالها بإبلاغ أحد المحجورين بأن حالته إيجابية، وهي لحظة يصفها بأنها ثقيلة جدا على نفسه ونفس المحجور عليه كذلك.

‪متطوعون يساعدون إحدى السيدات في محجر كويتي‬ (الجزيرة)

إعداد نفسي هائل
وبحسب أستاذ الطب النفسي في جامعة الكويت سليمان الخضاري، فإن العاملين في الصفوف الأمامية في بلدان مثل إيطاليا وإسبانيا، وفي ظل الانتشار الواسع لفيروس كورونا ومع نقص المعدات التي يحتاجها المرضى من ذوي الحالات الحرجة يجدون أنفسهم في وضع شديد الصعوبة حين يتطلب الأمر منهم اتخاذ قرارات مصيرية.

ويضيف الخضاري للجزيرة نت إن الأطباء في تلك البلدان سيضطرون في مرحلة معينة إلى تقرير من يتلقى الرعاية الطبية المثلى، ومن يحصل على مستوى رعاية أقل، وهو أمر يتطلب إعدادا نفسيا هائلا لما يتسبب فيه من ضغط عصبي.

ونقلت وسائل إعلام عالمية لقطات وصورا للعديد من الأطباء والممرضين ينهمرون في البكاء خلال عملهم، إما لعجزهم عن إنقاذ حياة أحد المرضى أو لشعورهم بالضغط نتيجة زيادة عدد الحالات مقارنة بالإمكانيات المتاحة.

‪متطوعون يساعدون بتأمين المستلزمات‬ (الجزيرة)

ضوابط العمل بالصفوف الأمامية
وإضافة إلى القرارات الصعبة، هناك تأثير مباشر للعمل ساعات طويلة خلال الأزمة الراهنة على التفات الأطباء لحاجاتهم الفردية وظروفهم الصحية، إذ يعاني بعضهم من أمراض مزمنة مثل السكري والضغط، ورغم ذلك يعملون لساعات تفوق قدرتهم على التحمل.

ويؤكد الخضاري على ضرورة وجود ضوابط تحكم ساعات عمل الأطباء في الصفوف الأمامية وألا يترك الأمر لرغبتهم العارمة في العطاء، لتأثير ذلك على مستوى الخدمة وجودتها نتيجة التأثير على تركيز الطبيب وانفعالاته العصبية بل وحالته الصحية.

العناية بالحالة النفسية للعاملين في القطاع الطبي
ويتطلب تدارك تلك السلبيات وجود نظام يطبق بصرامة للعناية بالحالة النفسية للعاملين في الصفوف الأمامية، يبدأ بوضع جدول لتوزيع العمل وساعات الراحة والحصول على الطعام الصحي، إضافة إلى إلزام الفريق الطبي بأوقات محددة للاجتماع للحصول على الدعم وتبادل الخبرات وتشجيعهم على التواصل مع ذويهم وأصدقائهم عبر وسائل التواصل المختلفة.

وبحسب الخضاري، فإنه من المهم ضمان الاستقرار النفسي لهؤلاء العاملين، ومعرفة أن خوفهم وتوترهم أمر طبيعي ولا يعني عدم كفاءتهم، كما أن رغبتهم في الاستقرار النفسي لا تعني الأنانية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة