رغم الحجر بسبب كورونا.. إسطنبول لا تنسى الحيوانات الأليفة

منطقة أمينونو في إسطنبول (الجزيرة)
منطقة أمينونو في إسطنبول (الجزيرة)

خليل مبروك-إسطنبول

تصطف أسراب الحمام أمام الجامع الأزرق التاريخي في ميدان أمينونو في إسطنبول بانتظار وليمة طعامها اليومي المتأخرة، يطول بها الانتظار والسكون قبل أن يصلها الفرج من يدي رجل يرتدي قناعه الواقي من فيروس كورونا لينثر أمامها حفنات العلف.

ويعرف ميدان أمينونو بالانتشار الكبير لحيوانات الشارع من قطط وكلاب، وطيور كنوارس البحر والحمام البلدي الذي كان يغطي ساحة الجامع الواقع أمام مدخل السوق المصري المعروف أيضاً باسم "السوق المغلق".

طقس ممتع
كان تقديم العلف للحمام إحدى العادات الممتعة التي يقبل عليها زوار المنطقة من سياح ومقيمين أجانب وأتراك، حتى أصبحت جزءا من تقاليد زيارة هذه الناحية التاريخية من إسطنبول.

فعلى أدراج المسجد، كان يجلس مجموعة من الرجال بأوعية بسيطة يبيعون حبيبات من القمح للزوار الذين يشترون الكأس الصغيرة بليرة واحدة ولا يبخلون بتقديم ما فيه لحمام الساحة الذي كان بدوره يألف هذا السلوك.

وعلى بعد أمتار قليلة، كان أحد العاملين في محل مجاور لبيع السمك يحضر صندوقاً كبيراً أفرغ فيه بواقي تنظيف الأسماك من رؤوس وحراشف وأحشاء، كان يتركه في الساحة لتسقط النوارس على وجبة يومها وكأنها أبابيل السماء التي تنتظر الهدف.

‪النوارس تلتمس طعامها في ساحة جامع الفاتح‬ (الجزيرة)

تغير كل شيء
عين المكان التاريخي تغير كما تغير كل شيء في المدينة، لم تعد تسمع هنا أصوات الباعة ولا ترى سحر البضاعة، لقد غاب السياح وخلت الساحة إلا من الطيور وأسماك الخليج، كل شيء هنا أصبح يشعرك بالاختلاف.

وحده الرجل الذي كان يعتاش من بيع القمح لمن يطعمون الحمام ظل في المكان، لكنه اليوم وبعد انتشار وباء فيروس كورونا بات يحضر مرتديا قفازاته وكمامة الوجه ليطعم تلك الطيور شبه الأليفة بيديه خشية من نفوقها.

وعلى بعد أمتار قليلة من ميدان أمينونو، كان مجموعة رجال يمنحون بعضاً من طعام إفطارهم لبضعة كلاب جميلة استحوذت على الشارع بلا منازع.

قال أحدهم للجزيرة نت إنه يشعر بالسعادة لأن إطعام الكلاب هو أحد الأشياء القليلة التي ما تزال على حالها في حياته بعدما غير انتشار الفيروس القاتل كل شيء.

خدمت هذه الظروف حيوانات الشارع فنامت وسط الطريق الذي أصبح فارغا إلا من قليل من السابلة والسيارات، لكن ذات الظروف حرمتها الدلال ووفرة الطعام في المجتمع التركي المحب للحيوان.

أضرار 
ويبدو التأثر السلبي لحيوانات الشارع من قطط وكلاب وطيور واضحا مع دخول معظم الأتراك في تجربة العزل الصحي الطوعي خشية الإصابة بفيروس كورونا المستجد.

فقد كان كثير من المواطنين يقومون بتقديم الطعام والشراب لهذه الحيوانات، لكنها اليوم وخصوصا في المدن الكبرى باتت تجد صعوبة في إيجاد ما يكفي من طعام وماء لاضطرار المواطنين للبقاء بمنازلهم.

وتفاقمت أحوال هذه المخلوقات أكثر مع تطبيق نظام منع التجول نهاية الأسبوع للمرة الثانية على التوالي، مما حرم هذه الحيوانات الكثير من عطف الناس عليها.

غير أن الأتراك المعروفين بحبهم للحيوانات الأليفة ومبالغتهم في رعايتها لم يعدموا الوسيلة في التعامل مع الظروف الجديدة في ظل الحجر الصحي المعمول به في البلاد.

‪العيادة البيطرية المتنقلة بأحد الشوارع‬ (مواقع التواصل)

إجراءات الدولة
أرسلت وزارة الداخلية تعميما جديدا ضمن تدابير مكافحة انتشار كورونا، طلبت فيه من جميع مسؤولي المحافظات اتخاذ إجراءات للحيلولة دون ترك هذه الحيوانات فريسة للجوع والعطش، مع ضرورة تعقيم أماكن عيشها لتجنيبها الأمراض أو نقلها لمن يقتربون منها.

وتلزم الحكومة المجالس البلدية برعاية حيوانات الشارع، وتعتبر سلامتها جزءا من مسؤوليات هذه المجالس وفقاً لقانون صدر عام 2004.

وإسطنبول واحدة من مدن قليلة تسيّر بلدياتها خدمة "الحافلة البيطرية" وهي عيادة بيطرية متنقلة يسهر موظفوها على إنقاذ حيوانات الشارع وعلاجها وتقديم الرعاية لها.

وتشير الإحصائيات إلى أن بلدية إسطنبول قامت خلال عام 2019 بتطعيم ومعالجة 130 ألف كلب و165 ألف قطة تعيش في الشوارع.

وتميز العيادة البيطرية الكلاب التي خضعت للفحص وحصلت على اللقاحات بوضع قطع معدنية أو بلاستيكية في آذنها ليعرف من يقترب منها إن كانت آمنة أم لا، كما تتبع البلدية أربعة مراكز للعناية وإعادة تأهيل حيوانات الشوارع.

ونشر محمد مراد تشاليك رئيس بلدية بيليك دوزو بإسطنبول صورا لموظفي البلدية وهم ينثرون الطعام لكلاب الشوارع، موضحا أن البلدية خصصت أربعين موقعا ضمن مساحتها لتقديم الطعام لهذه الحيوانات.

عاشقون 
والواقع أن المجتمع التركي لم يكن بحاجة لمن يوجهه صوب هذه الإجراءات، إذ يقدم كثير من العاملين بالمحال التجارية والمطاعم بقايا الطعام لقطط وكلاب باتت تقف أمام محالهم بانتظار ضيافة تسد بها بعضا من جوعها، كما يخرج آخرون بسياراتهم لتفقد هذه الحيوانات وتقديم الطعام لها.

ولا يضل سكان الأحياء القديمة في إسطنبول عن مواقع تجمع الحيوانات التي تنتظر الطعام، ففي ساحة جامع الفاتح ما زال المتبرعون يحضرون بقايا العظام وجلود الدجاج لتقديمها إلى المئات من القطط التي تلوذ بحمى المكان.

أحد الشبان كان يذهب كل مرة ويعود بأكياس كبيرة من بقايا الدجاج الذي يجمعه من محال الذبح القريبة، فتلحقه القطط والنوارس وحتى الكلاب تلمسا لغذائها وكأنها تعرفه ويعرفها.

التصدق على الحيوانات
وقال الشاب الذي فضل عدم الكشف عن هويته للجزيرة نت إنه يتصدق على هذه الحيوانات بجهده، ويريد أن تبقى صدقته بينه وبين الله تعالى دون أن يتحدث عنها أحد.

واضاف "كنت أقدم الطعام لهذه الحيوانات بأيام متفرقة، وكان الناس الذين يحضرون للصلاة أو للتنزه في ساحة جامع الفاتح يقسمون لها من طعامهم، لكن الآن لم يعد الكثيرون يأتون إلى هنا خوفا من فيروس كورونا، فأصبحت أخصص لهذه الحيوانات جهدا يوميا".

وتابع "هذه الحيوانات لا تعرف مكانا آخر تنتقل إليه التماسا للطعام، ومع الوقت نسجت علاقة واضحة معي، إنها الآن تعرفني جيدا وبمجرد وصولي إلى ساحة الجامع تأتي من كل مكان، وأنا سعيد بأني أبحث عن رضى الله من خلالها".

وعندما تسكن إسطنبول لن تجد غرابة إذا رأيت سيدة تقدم بقايا الدجاج والسمك لكلب في الشارع عند منتصف الليل، ولن تستغرب من رجل يخرج من دكان ليفرغ كيساً من طعام الحيوانات المجفف لقطط أو كلاب كانت تنتظره على باب الدكان.

وعلى أبواب المحال التجارية ومحطات القطارات تنتشر الصناديق البلاستيكية المجوفة التي يضعها سكان متطوعون لتؤوي قطط الحي وكلابه من المطر والبرد، كما يضع آخرون أمامها آنية يفرغون بها الحليب والماء وأحيانا الطعام.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

درجت عادة تربية الحيوانات بالمجتمع الماليزي، مثل القطط والكلاب والأسماك والأرانب والطيور، وتضع الحكومة الماليزية القوانين الصارمة الخاصة بتربية الحيوانات واقتنائها، لحماية الناس من الأمراض، وحماية الحيوانات أيضا.

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة