الأوبئة تغيّر العادات.. الأوروبيون كانوا يخشون الماء والحرارة فكيف واجهوها؟

غسل اليدين له أثر كبير في الوقاية من الأمراض (الألمانية)
غسل اليدين له أثر كبير في الوقاية من الأمراض (الألمانية)
بداية القرن العشرين، فرضت مكافحة السل قواعد جديدة للنظافة، واليوم قد يجعلنا وباء كورونا (كوفيد-19) نفعل ما لم نكن نفعله بصورة دائمة في حياتنا اليومية، فما هي لحظات التاريخ الحديث التي طورت فيها الأوبئة "عاداتنا الاجتماعية"؟

لإلقاء الضوء على مسيرة الأوبئة في تغيير العادات، أجرت مجلة لونوفيل أوبسرفاتور الفرنسية مقابلة مع ستيفان فريو، الأستاذ المحاضر في جامعة لوميير ليون 2، وهو متخصص في تاريخ الصحة العامة والبيئة، ومؤلف كتاب "معارك النظافة. المدن والبيئة من باستور إلى الثلاثينيات المجيدة".

وفي المقابلة التي أجراها ريمي نويون، أوضح فريو كيف تغيرت مفاهيم "النظافة والقذارة" في أوروبا، حيث كان الناس نهاية العصور الوسطى يخافون من الماء والحرارة لأنها "تفتح الجسم للهواء" وبالتالي للوباء، ثم انقلب الأمر نهاية القرن 18 وأصبح الماء مرتبطا بالتطهير والنظافة، في واحد من أعظم التغييرات في عقلية الإنسان.

ومنذ ذلك الحين -يقول فريو- تم قلب العديد من العادات مع إصرار الأطباء الجدد على تأثير البيئة والوسط وعلم الجراثيم، فتطورت الصحة العامة في هذا السياق مع رؤية اجتماعية وسياسية تسمى "النظافة" سعى من خلالها أخصائيو الصحة لطرد أبخرة المدن وإبعاد تربية الحيوانات وحظر التبول في الطرق العامة والتغوط أو البصق.

وبالفعل -يقول الكاتب- تغيرت السلوكيات مع العمل وتطوير الصرف الصحي، حتى غدا القرن العشرون العصر الذهبي للوقاية، ولكن استخدام العقاقير والمضادات الحيوية جعل هذه التدابير تدريجيا أقل أهمية، خاصة في الدول الغربية.

وقد لعب التطعيم دورا أساسيا (يقول المحاضر) حتى لو لم يكن مرتبطًا تلقائيا بالتغير الثقافي، إلا أن فرض التطعيم ضد الجدري -الذي شكل تدخلا في خصوصية الناس في عصر ليبرالي بامتياز- أظهر تقيد السلطات بإكراه الناس باسم مصلحة الأمة.

مبصقة الجيب

بداية القرن العشرين، شكل السل آفة اجتماعية كبيرة وكان يصيب الآلاف كل عام في أوروبا، مما أدى إلى حملة كبيرة ضد البصاق الذي يحمل العصيات المسببة للمرض وينشرها في رذاذه وفي غباره بعد أن يجف.

انطلقت هذه الحملة في ألمانيا ثم فرنسا، من خلال الملصقات أولا ثم من خلال المدرسة للإقناع بحركة الحاجز هذه مع توزيع مباصق الجيب على السكان لتحول دون عدوى مرضى السل لعائلاتهم.

وقال فريو إن شعار "أرني يديك" في الخدمة العسكرية والمدرسة كانا أهم مؤسِسات التثقيف الصحي، بحيث انتشرت ثقافة غسل اليدين لتجنب الأمراض والعدوى كما تم بناء المراحيض في المدارس، وأصبح الدرس يبدأ تقليديا  "بتفتيش النظافة" كما يتم تدريس الصحة في شكل دروس.

من سيخرج القمامة؟

وفي سياق تبدل العادات، قال الأخصائي إن النظريات الطبية في القرن 19 نسبت إلى البيئة تأثيرا ممرضا، بحيث ربطت بين الروائح الكريهة والمواد المتحللة والأمراض، ولذلك بذلت جهود لإبعاد المصانع غير الصحية، وتم هدم أجزاء من المدن القديمة المظلمة والمكتظة لإدخال الهواء والضوء إليها.

وفي هذا السياق، طور البريطانيون نظام الصرف الصحي ومكملته المحلية "خزان المياه" حيث شهدت المدن الغربية تركيب كل شيء من المياه النظيفة إلى إدارة النفايات، وإن استغرقت هذه العمليات المكلفة وقتا طويلا، ولكنها غيّرت العادات اليومية.

وأوضح فريو أن مقاومة هذه التغييرات كانت إلى حد كبير بسبب "السلبية" أو عدم اهتمام الطبقات العاملة بالمعايير الصحية، وضرب المثال على ذلك بإدارة النفايات، حيث فرض حاكم نهر السين تركيب صناديق القمامة عام 1884، لمحاربة الأوساخ في شوارع باريسية، ولكن توصية أخصائيي النظافة بأن تكون "علب القمامة" محكمة الإغلاق استغرق تنفيذه عقودا.

وعند السؤال: هل كانت هناك مقاومة "للمراقبة" عندما تم إنشاء البنى التحتية الرئيسية للصحة العامة؟ قال الأخصائي إن المحافظ في باريس أقام نظام "سجل صحي" لتحديد أماكن الإقامة غير الصحية وحصر السل، ولكن توفير النظافة في البيئة الحضرية "المسمومة" كان بمثابة "معركة" حقيقية.

ويقول أخصائيو النظافة إنهم يحاربون الميكروب وناقلاته المحتملة كالذباب والبعوض والسلوك الشعبي السيئ، ولكن انضباط السكان كان هو السلاح الأمثل، ولكنه لا يتم دون إشراف وسائل الشرطة كالغرامات.

ولفترة طويلة -يقول فريو- كان رد الفعل على الوباء أو المرض المعدي ضد الأجانب أو المختلفين، كالمجتمعات اليهودية في العصور الوسطى، حيث يشتبه في أن المهاجرين ينشرون الطاعون.

المصدر : لونوفيل أوبسيرفيتور

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة