بالفيديو.. الحصار الإسرائيلي لغزة يغلق أبواب رزق العاملين بتجارة الخردة

رويدا عامر-غزة

"الحصار أعدم المهنة وحرم الكثيرين منها".. بهذه الكلمات بدأ توفيق الحايك (43) عاما من مدينة غزة حديثه عن مهنة الخردة التي بدأ العمل فيها قبل أكثر من 15 عاما، إذ افتتح محلا صغيرا يجمع به الخردة بكافة أنواعها، ويشتريها ممن يجمعونها على العربات، ثم يقوم بفرزها وتفكيكها وتنظيفها.

لم يكن الحايك التاجر الوحيد الذي يعمل بهذه المهنة، حيث انتشرت بشكل كبير في مدن الضفة وقطاع غزة لجمع مخلفات الخردة بجميع أنواعها، وأصبحت مصدر رزق للآلاف وتشكل 18% من النشاط الاقتصادي في غزة حسب إحصائية وزارة الاقتصاد الفلسطينية لعام 2015.

‪عبد الله الحايك (14 عاما) يعمل في الخردة بعد تركه المدرسة‬ (الجزيرة)

إسرائيل المستفيد الوحيد من الخردة
تعتمد الخردة على جمع وشراء الأجهزة المعدنية والبلاستيكية التالفة كالثلاجات، والغسالات، والسيارات ومولداتها، وكذلك كوابل الكهرباء، والأواني المنزلية، والكراسي وغيرها من أحياء ومدن الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة لاستيرادها من داخل إسرائيل، ثم تجميعها في مجمعات خاصة تعمل على إعادة فرزها وتنظيفها، تمهيدا لتصديرها إلى مصانع الصهر في إسرائيل، بهدف إعادة تدويرها.

وتقدر كمية هذه المخلفات بآلاف الأطنان، وتضم البلاستيك، والألمنيوم بأنواعه والحديد والنحاس والنيكل والرصاص والقصدير، وغيرها من المعادن.

يقول الحايك إن إسرائيل هي الجهة الوحيدة التي يمكنها تصدير مواد الخردة من نحاس وحديد وألمنيوم، لامتلاكها مصانع لصهر هذه المواد وإعادة تشكيلها، ولكن في الفترة الأخيرة قلص الجانب الإسرائيلي حاجته من استيراد مواد الخردة إلى نسبة قليلة جدا وأثر ذلك على نشاط المهنة في غزة، حيث تراكمت أطنان الخردة خاصة الحديد منها دون تصدير لأي مكان.

‪سفيان ومحمد يعملان على تنظيف الخردة‬ (الجزيرة)

مهنة متوارثة
خلال عمل الحايك في محله بجمع الخردة وفرزها وتفكيكها، لفت ذلك انتباه أبنائه الأربعة الذين قرروا ترك دراستهم والانضمام لوالدهم لتعلم المهنة باعتبارها مستقبلهم المتاح والمأمول، ولكن الحصار لم يكمل فرحتهم بالمهنة وأصبحوا عاطلين عن العمل بسبب وقف التصدير لإسرائيل.

"احنا بنحلم (نحن نحلم) بالخردة ليل نهار، لأنها هي حياتنا".. هكذا وصف سفيان الحايك (21 عاما) الابن الأكبر مهنة الخردة بالنسبة له، حيث كان يرى والده يعمل على تنظيف الأجهزة وفرز مكوناتها من حديد ونحاس، فجذبه ذلك العمل وقرر تعلمه.

ترك سفيان دراسته من الصف السابع الإعدادي، وكرس وقته وجهده لهذا العمل معتقدا أنه سوف يبني مستقبله ويحقق أحلامه من هذه المهنة، ولكنه صُدم بالحصار الذي اشتد أخيرا بعدم سماح الاحتلال بتصدير الخردة، الأمر الذي أوقفنا عمليا إذ لا يمكن استخدامها في غزة. 

كان لدى الحايك عدة محلات لجمع الخردة وفرزها، وقد وزّع المهام على أبنائه الأربعة الذين تشابهت قصصهم، إلا أن مصطفى الابن الثاني (19 عاما) لا يزال يأمل في أن تعود المهنة كما كانت من قبل بعد إزالة الحصار واستيعاب إسرائيل لجميع الخردة الموجودة في قطاع غزة.

‪حاويات الخردة في قطاع غزة تنتظر السماح بتصديرها إلى إسرائيل‬ (الجزيرة)

محمد الحايك (20 عاما) يتذكر الفترة التي كانت الخردة فيها مصدرا للآلاف من المواطنين والمحلات الصغيرة التي كانت تجمع الخردة وتبيعها لتجار هذه المهنة مثل والده الذي كان لديه عدة محلات لكل واحد منهم محل يديره بنفسه ويقوم بفرز الأدوات وقصها وتنظيفها.

ولكن أغلقت جميع المحلات وبقي مكان واحد يجمع والده وإخوته فيه ولا يزالون متمسكين بالمهنة رغم ترك العديد من العاملين المجال وإغلاق محلاتهم بسبب الحصار وإغلاق المعابر أمام تصديرها.

‪الخردة‬ (الجزيرة)

غزة فقيرة من المصانع
يقول الحايك للجزيرة إن عدم وجود مصانع لصهر الحديد وإعادة تصنيعه مرة أخرى جعلت المهنة محتكرة على المصانع الإسرائيلية، فغزة لا تستطيع استيعاب 1% من الخردة، بل تقتصر على البلاستيك لتقوم بصهره، أما المعادن الثقيلة فلا تستطيع استيعابها، وذلك لعدم توفر معدات صهر وتنظيف المعادن والتي لا تسمح إسرائيل بإدخال الآلات والمعدات اللازمة إلى غزة لتبقى هي فقط محتكرة لهذا المجال.

ولهذا تشتري إسرائيل الخردة من الفلسطينيين وتتولى تنظيفها وصهرها وإعادة بيعها لهم على شكل أسياخ أو لفائف، حيث يصل سعر الطن الواحد من الحديد الجديد اليوم إلى 550 دولارا، ويصل سعر طن النحاس إلى 1100 دولار، أما سعر طن الألمنيوم فيصل إلى ألفي دولار، حيث تجني إسرائيل أرباحا تصل إلى الضعف من خلال إعادة البيع للفلسطينيين أو التصدير للخارج.

‪الخردة‬ (الجزيرة)

البطالة سبب لانتشار الخردة
انتشرت هذه المهنة في قطاع غزة لعدة أسباب من بينها ارتفاع نسبة البطالة بسبب الحصار الإسرائيلي على غزة والتي وصلت لأكثر من 57% حسب نتائج الإحصاء المركزي أخيرا، إضافة للعائد المادي المجدي، حيث لا تتوفر لدى إسرائيل أدوات خردة ولا تسمح بتجميعها في المدن الإسرائيلية لهذا تتجه لاستيرادها من الضفة الغربية وقطاع غزة.

وتعد هذه المهنة مصدرا لرزق العديد من الأشخاص ولا تقتصر فقط على أصحاب محلات الخردة، فهناك من يجول قطاع غزة بعربته لجمع الخردة من أسلاك وأدوات بلاستيكية وأجهزة تتكون من الحديد والنحاس، إضافة إلى أشخاص يعملون على فرزها وكبسها في قوالب معادن، تجهيزا لتصديرها إلى إسرائيل.

هذا، وتبحث غزة عن مصدر رزقها بالمجالات كافة، وتتعدد المهن في غزة لحاجتها الشديدة من أجل أسرها وأطفالها، كما تعاني غزة بشكل كبير من الفقر، وتصل نسبة الأسر التي تقع تحت خط الفقر إلى 60%، وهي أعلى نسبة في العالم، بحسب إحصائية الأمم المتحدة، في حين يصل انعدام الأمن الغذائي إلى 50% لدى الأسر، إضافة لوجود خمسين ألف أسرة فلسطينية دون مأوى. 

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

غارق بالعمل يقص الأخشاب بحرفية لتأخذ زوايا محددة، بينما تهب نسمة عليلة من البحر تعيد للستيني عبد الله النجار تركيزه، وتفتح المجال لفيض ذكريات آخر صانع قوارب في قطاع غزة.

3/3/2020
المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة