يوميات الحجر الصحي في إيطاليا.. تعلموا من أخطائنا ولا تستهينوا بكورونا

الخروج من المنزل يتطلب إثباتا مسبقا تطلع عليه السلطات الإيطالية (الجزيرة)
الخروج من المنزل يتطلب إثباتا مسبقا تطلع عليه السلطات الإيطالية (الجزيرة)

منة جميل

وكأنها ساعة الحسم وربما العقاب، يوميا عند الساعة السادسة مساء -موعد الإعلان اليومي الرسمي عن أعداد الإصابات والوفيات بفيروس كورونا في إيطاليا- ينتظر المواطنون نتيجة تصرفاتهم والتزامهم بالإرشادات الطبية، ينتظرون اللحظة التي تعلن فيها حكومتهم بدء السيطرة على انتشار كورونا، وبداية وتيرة انخفاض عدد ضحاياه.

حتى صباح الثلاثاء، ما زال الفيروس يفتك بالمدن الإيطالية وسكانها، ولا يتوقف عن حصد الأرواح والتسلل إلى أجساد جديدة، لدرجة إعلان رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي -الاثنين، دون تردد- أن انتشار الفيروس في بلاده لم يصل إلى ذروته بعد، مشددا أن بلاده دخلت "الأسابيع الحرجة".

وسجلت إيطاليا حتى مساء الاثنين 2158 وفاة بكورونا، فيما وصل عدد الإصابات إلى 27 ألف و980 حالة.

هذا التزايد المخيف في أعداد الوفيات والإصابات بلغ ذروته يومي الأحد والاثنين، عندما سجلت إيطاليا أكثر من 2503 وفيات جديدة بالفيروس، بعد تسجيل 345 حالة جديدة.

ميلانو خالية من أي تجمع (الجزيرة)

وفسّر المصري محمد رمضان المقيم في مدينة تورينو شمال إيطاليا -المنطقة الأكثر تضررا بالفيروس في القارة الأوروبية- هذه الأرقام المخيفة بـ"سوء تصرف الإيطاليين واستهتارهم بالتحذيرات التي أطلقتها الحكومة في بداية ظهور الفيروس".

وقال رمضان للجزيرة نت "نحن في حجر صحي منزلي إجباري منذ 8 مارس/آذار الجاري، بعد أن أصبحت أعداد الإصابات والوفيات تزداد يوميا بالعشرات، والسبب كان استهانة المواطنين  بالخطر، وعدم تصديقهم لما كانت ستؤول إليه الأوضاع".

وأضاف "كان من الممكن السيطرة على انتشار كورونا في إيطاليا لو التزمنا بدعوات البقاء في المنزل عندما أطلقتها الحكومة مع بداية ظهور الفيروس، لكن ما حدث هو أن الإيطاليين تعاملوا مع هذه الدعوات وتعليق المدارس والجامعات على أنها إجازة، فخرجوا للحدائق وازدادت نسب الاختلاط، ومن هنا وجد الفيروس فرصته للانتشار".

وتابع "انتشر الفيروس في إيطاليا بعدما انتقل ساكنو الشمال إلى كل المناطق، بعد تردد أنباء عن غلق المناطق الشمالية لتحجيم الفيروس، مما أجبر البلاد على فرض الحجر الصحي على كل البلاد بسبب هذا السلوك الذي تسبب أيضا في توسيع رقعة انتشار الفيروس".

ومضى قائلا "الدول الأوروبية رغم إمكانياتها الطبية الكبيرة، فإنها تأخرت في اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة، والشعب لم يتعامل بجدية مع التحذيرات، لذا فإن على الآخرين التعلم من أخطائنا حتى يمكنهم السيطرة على الفيروس في بدايته".

وحول ظاهرة الشراء المفرط للمنتجات الغذائية في ظل هذه الظروف، لفت رمضان إلى أنه سلوك طبيعي في كل العالم ناتج عن "الخوف والذعر والقلق".

ووجه حديثه لمواطني الدول العربية، قائلا "لا تقسوا على أنفسكم وغيركم، الأزمة جديدة علينا ومن الطبيعي أن يحاول الناس توفير احتياجاتهم اليومية. ما يحدث في العالم العربي حدث في أوروبا، لسنا كشعب اليابان والصين الذي عاصر أزمات وكوارث طبيعية مكنته من إدارة أزماته بطريقة تتسم بالهدوء والوعي الزائد".

محطة المترو في ميلانو بلا مواطنين (الجزيرة)

تدابير من أجل الحياة
الشابة الإيطالية المصرية رندا محمد، المقيمة في مدينة ميلانو عاصمة إقليم لومبارديا -بؤرة تفشي كورونا في إيطاليا- شددت للجزيرة نت أيضا أن "استهتار المواطنين" كان السبب في جميع الإجراءات الحازمة التي اتخذتها السلطات الإيطالية لوقف انتشار الفيروس وتحجيمه.

وقالت "تعامل السلطات مناسب للأوضاع، أعداد الإصابات والوفيات يرتفع يوميا بشكل كبير، فلا ألوم السلطات لأنها فرضت مثلا غرامة قدرها 200 يورو على كل من يخرج من المنزل دون داعي".

غير أن رندا لفتت -في المقابل- إلى سماح السلطات لمن لا يستطيعون نقل أعمالهم إلى المنزل، أو الراغبين في شراء الأدوية والمنتجات الغذائية، بالخروج من المنزل شرط إثبات أسبابهم.

وتابعت "هناك استمارة متوفرة على الإنترنت نقوم بملئها، يدون فيها الغرض من الخروج من المنزل، وهي إثبات بأن الشخص خرج على مسؤوليته وبمعرفة السلطات".

كما أشارت إلى أن التواجد في المتاجر باتت له شروط في إيطاليا، من بينها "عدم وجود أكثر من خمسة أشخاص داخل المتجر أو الصيدلية، والالتزام بالطوابير وبمسافة المترين على الأقل بين كل شخص، وألا يوجد أكثر من شخص من عائلة واحدة في المكان الواحد".

هذه الإجراءات الوقائية الجديدة على المجتمع الإيطالي والأوروبي بشكل عام، هي الوسيلة الوحيدة للبقاء على قيد الحياة، حسبما قالت رندا.

وتابعت "مع انتشار أخبار الوفيات من إيطاليا، خرجنا جميعا الساعة 9 مساء الاثنين من نوافذ المنازل، وأضأنا هواتفنا ليتم التقاط صورة لنا عبر الأقمار الصناعية، تؤكد أن إيطاليا ما زالت على قيد الحياة وآمنة".

مدينة تورينو مغلقة وسكانها في حجر صحي إجباري (الجزيرة)

رعاية صحية
خلال فترة الحجر الصحي الإجبارية في المنازل، بات الإيطاليون يلتزمون بعدة تعليمات بينها عدم تناول أي أدوية إلا بعد استشارة طبيب العائلة، وعدم الانسياق وراء أي معلومات يتم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقالت الإيطالية ذات الأصول العربية سمية الحصري إن القنوات التلفزيونية الإيطالية تعرض كل عشر دقائق نصائح بشأن النظافة واستخدام المطهرات والمناديل المعقمة، لتذكير الناس دوما بما يلزم لمواجهة الفيروس.

وأشارت إلى أن تعامل السلطات الإيطالية والحكومة "مناسب جدا" للأزمة، لافتة إلى أن الشراء المفرط للمنتجات الغذائية وتخزينها سلوك شهدته المدن الإيطالية في الفترة الأولى لدعوات الحجر الصحي، أما بعد مرور أيام على هذه التجربة "تأكدنا أن الأمر لا يحتاج كل هذا الذعر".

ونصحت سمية مواطني الدول التي ما زالت في بداية تعاملها مع الفيروس، بالتزام إرشادات النظافة والوقاية وتجنب المصافحة.

كما طالبتهم بتخصيص طبيب للعائلة على دراية بالتاريخ الطبي لكل شخص، يمكن استشارته في حالة ظهور أي أعراض مرضية خلال فترة الحجر المنزلي.

وأضافت "الأزمة في كورونا أن عدد الإصابات لا يمكن استيعابه في المستشفيات، ولا بد للجميع إدراك ذلك وتحديد خطوات التعامل مع أي حالة يظهر عليها أعراض مرضية، وأن يكون طبيب العائلة حاضرا دائما للاستشارة عبر الهاتف".

وفي هذا الشأن، أشارت "سمية" إلى إنشاء السلطات الإيطالية مستشفيات ميدانية في أماكن المواصلات ومراكز التسوق والمعارض، لاستيعاب أكبر قدر من المصابين والمشتبه بإصابتهم، لافتة إلى أن أكبر مستشفى ميداني في ميلانو أنشئ داخل مركز "سيتي لايف" التجاري.

وتابعت "بات لدينا وعي كاف في التعامل مع الفيروس، ومن خبراتنا ننصح الجميع بتطبيق التعليمات الوقائية، والبقاء في المنازل فعليا عندما يطلب منهم ذلك، كل شيء يمكن تأجيله إلى ما بعد مرور هذه الظروف".

المصدر : الجزيرة