انتهت الحرب ولم تبدأ الحياة بسوريا.. قصص من خوف وفقر وتشريد

الأمم المتحدة قدرت في وقت سابق كلفة الدمار في البلاد بنحو أربعمئة مليار دولار (رويترز)
الأمم المتحدة قدرت في وقت سابق كلفة الدمار في البلاد بنحو أربعمئة مليار دولار (رويترز)

رغم سكوت المدافع في دمشق ومحيطها، فإنه في قرارة نفس عبد القادر قاسم لم تنته الحرب أبدا، بعدما سلبته سنواتها التسع أغلى ما عنده؛ ابنه الوحيد ويده التي تسبب انفجار في بترها. 

على رصيف سوق شعبي وسط دمشق، يرتب عبد القادر (45 عاما) بيد واحدة عددا من الشتلات والنباتات والأزهار الصغيرة الملونة، في طقس يتكرر يوميا منذ التاسعة صباحا. 

ويقول بحسرة "من الصعب أن أنسى الحرب، لأنها سلبتني أغلى ما لدي؛ ابني مازن ويدي اليسرى، وتسببت في كسر دائم في قدمي". 

وتسببت الحرب السورية -التي تدخل الأحد (15 مارس/آذار) عامها العاشر- في مقتل أكثر من 380 ألف شخص، وأدت إلى تشريد وتهجير أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها، كما دمرت البنى التحتية، وأنهكت الاقتصاد وقطاعاته المنتجة.

ورغم أن دمشق كانت نسبيا بمنأى عن النزاع، وباتت آمنة بشكل كامل منذ عام 2018، فإن معاناة قاطنيها لم تنته، وبينهم عبد القادر الذي تسبب انفجار سيارة مفخخة عام 2013 في إصابته ومقتل ابنه مازن.

وبينما ينفث دخان سيجارته على قارعة الطريق، ويضع كم معطفه البرتقالي، الذي يرتديه دائما، في جيبه الأيسر، يقول "انتهت الحرب في دمشق بالنسبة إلى كثيرين، لكنها ستبقى معي حتى آخر عمري".

خلال سنوات الحرب، خسر أبو مازن منزله في مدينة عربين في الغوطة الشرقية، المنطقة التي شكلت معقلا للفصائل المعارضة قبل أن تنسحب منها بعد سنوات من الحصار والمعارك العنيفة. 

من خلال عمله في بيع الشتلات والأزهار، يكافح هذا الرجل لتأمين قوته اليومي، ودفع إيجار منزله قرب دمشق، في ظل أزمة اقتصادية خانقة، وموجة غلاء، وانهيار قيمة الليرة السورية، وانخفاض القدرة الشرائية، وشحّ المواد الأولية والمشتقات النفطية.

الحرب السورية أدت إلى تشريد وتهجير أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها (الجزيرة)

مليئة بالهموم
في سيارة أجرة يقودها في شوارع دمشق وأزقتها، يصغي نبيل الشريف يوميا إلى عشرات القصص التي يرويها الركاب على مسامعه ويجمعها قاسم مشترك.

ويقول السائق (63 عاما) الذي يجوب العاصمة منذ أكثر من ثلاثين عاما؛ "يصعد معي يوميا أكثر من 15 راكبا، وكل زبون يشكو من الحالة الاقتصادية الصعبة وغلاء المعيشة".

ويوضح بنبرة هادئة خلال قيادته السيارة في محيط ساحة التحرير (شرقي دمشق)، "أعصابي باردة للغاية، لولا ذلك لما استطعت تحمل سماع الشكاوى المتتالية للناس"، مضيفا "السيارة باتت مليئة بالهموم وحكايات الناس الموجعة على مدار سنوات الحرب".

وبعدما كانت القذائف والانفجارات شغل الناس ومحور أحاديثهم اليومية طيلة الأعوام الأولى من الحرب، باتت اليوم تتحدث عن "المازوت والغاز والمواد المفقودة من السوق".

ويضيف "لم تعد الناس تشعر بالراحة، وتحول الخوف من الموت إلى خوف من الفقر".

وعلى وقع انخفاض قيمة الليرة مقابل الدولار بشكل غير مسبوق، شهدت معظم المواد الغذائية والتموينية -وبينها السكر والأرز، فضلا عن اللحوم وحليب الأطفال وغيرها من المنتجات- ارتفاعا قياسيا في أسعارها، في وقت ترزح فيه الفئة الأكبر من السوريين تحت خط الفقر، وفق الأمم المتحدة.

وتعتمد الحكومة نظام البطاقة الذكية لبيع المحروقات، على خلفية أزمة وقود عرفتها البلاد العام الماضي، وفاقمها تشديد العقوبات الغربية على تصدير النفط إلى سوريا.

وقدرت الأمم المتحدة في وقت سابق كلفة الدمار في البلاد بنحو أربعمئة مليار دولار.

‪حي المزارع في ريف دمشق بات يسمى حي النازحين لكثرة العائلات المهجرة التي قدمت إليه‬ (غيتي)

حي النازحين 
في ضاحية جرمانا في ريف دمشق، بات حي المزارع يعرف باسم حي النازحين، نظرا لكثرة العائلات التي قدمت إليه تدريجيا هربا من المعارك في مناطق عدة، ومن بين هؤلاء أحمد حمادة (71 عاما) وعائلته الذين فروا من محافظة حلب شمالا.

في شارع يفتقد للبنى التحتية، يقطن أحمد مع زوجته في منزل قيد الإنشاء، خال إلا من فرش ووسائد متواضعة، ويقول "خلال سنوات الحرب نزحنا أكثر من عشر مرات من مكان إلى آخر، وتعبنا من كثرة التنقل".

متكئا على وسادة في غرفة مظلمة وذات جدران عارية، يتحسر الرجل على الأيام التي كان يملك فيها منزلا كبيرا في ريف حلب، معربا عن قناعته بأن "الحرب تنتهي حين ينتهي نزوحنا ونعود إلى أرضنا ومنازلنا".

تتنهد زوجته ظريفة (64 عاما) بعدما ينهي كلامه، وتقول بينما تجلس قرب مدفأة باردة لم يجدوا حطبا لوضعه فيها "كُتب علينا الشقاء والانتقال، أخذت الحرب عمري، تشرد أبنائي وتهدم بيتي ولم يبقَ لنا شيء".

تسكب ظريفة الشاي الساخن في أكواب تفتقد للسكر باهظ الثمن، وتروي كيف تجد صعوبة بالغة في تذكر أيام ما قبل الحرب، وتضيف "أشعر بأن حياتي كلها حرب وتنقل، لا أتذكر شيئا من الأيام التي سبقت نزوحنا".

يتبادل الزوجان اللذان يرتديان الثياب العربية التقليدية نظرات حزينة وهما يجلسان وسط الغرفة الباردة، ويقولان إن صاحب المنزل أبلغهما بضرورة إخلائه في أقرب وقت لرغبته في بيعه.

وبغصة وعينين تملؤهما الدموع، تقول بصوت متقطع "أمنيتي الأخيرة في الحياة أن أعيش في بيت من دون أن أضطر للخروج منه، لقد مللت الرحيل".

المصدر : الفرنسية

حول هذه القصة

نزح حوالي 400 ألف سوري خلال الأشهر الأربعة الأخيرة، إثر التصعيد العسكري لقوات النظام وحليفتها روسيا، فاتخذ بعضهم من حقول الزيتون ملجأ لهم، أو التحقوا بالمخيمات والمناطق المحيطة بالحدود التركية.

15/9/2019

أحصت الشبكة السورية لحقوق الإنسان استهداف الحلف الروسي السوري 67 منشأة طبية في شمال غرب سوريا منذ 26 أبريل/نيسان 2019، وطالبت الولايات المتحدة الأميركية التدخل “لوقف جرائم الحرب الروسية”.

18/2/2020
المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة