موروث شعبي.. الكحل اليدوي الأصيل بأيدي مسنة فلسطينية

الحاجة هادية تصنع الكحل بطريقة يدوية تقليدية محافظة على إرثها الشعبي الأصيل الذي ورثته عن أمها وجدتها (الجزيرة)
الحاجة هادية تصنع الكحل بطريقة يدوية تقليدية محافظة على إرثها الشعبي الأصيل الذي ورثته عن أمها وجدتها (الجزيرة)

عبد الرؤوف زقوت-غزة

وجه طفولي باسم، تلفه يد حنونة من دفء وتجاعيد، واليد الأخرى تفتح علبة ذهبية قديمة، وبهدوء تسحب قلم الكحلة من داخلها، وترسم بدقة وخبرة كبيرتين على محيط العين الخضراء الواسعة، لتزداد جمالا وبهاء.

كانت الطفلة رشا إحدى المحظوظات اللواتي تكحلن على يد السيدة الستينية هادية قديح، التي تصنع الكحل بطريقة يدوية تقليدية، محافظة على إرثها الشعبي الأصيل الذي ورثته عن أمها وجدتها.

والكحل أو الإِثمد هو حجر يطحن ليستخدم مسحوقه لتكحيل العيون، ويستخدم غالبا كمادة للتجميل للنساء، وعادة الاكتحال منتشرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والمغرب العربي وجنوب آسيا وبعض من أجزاء أفريقيا مما دون الصحراء الكبرى.

‪السيدة هادية قديح على حصيرتها الصغيرة خلال صناعتها للكحل اليدوي الذي أصبح نادرا جدا في غزة وفلسطين‬ (الجزيرة)

صناعة الكحل
على حصيرتها الصغيرة تتمتم الحاجة قديح مع رفيقات دربها بأغان فلسطينية قديمة، خلال صناعتها للكحل اليدوي، الذي أصبح نادرا جدا في قطاع غزة وفلسطين بشكل عام، في الوقت الذي تصر على صناعته بيدها.

ولدى قديح طقوس خاصة، حيث تتزين بثوبها الفلسطيني المطرز، وتفرش حصيرتها في الهواء الطلق خارج منزلها الواقع في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، ليجلب لها أولادها المعدات الخاصة بها، في حين تبدأ سيدات المنطقة بالوصول شيئا فشيئا.

‪السيدة هادية قديح خلال صناعة الكحل بطريقة يدوية‬ (الجزيرة)

تضع الحاجة قديح صحنا صغيرا ثم تسكب فيه القليل من زيت الزيتون، وتخرج من جيبها قطعة من القماش وتفتلها بيدها حتى يصبح شكلها أقرب إلى فتيل الشمعة، بعد ذلك تقوم بغمس طرف قطعة القماش في الزيت وتشعل تحت الصحن النار.

‪تنتظر إلى أن يتجمع الرماد ويتحول إلى كتلة سميكة تجمعها تحضيرا لوضعها في المكحلة النحاسية‬ (الجزيرة)

تنتظر الحاجة عشر دقائق تقريبا، ثم تغطي الصحن وتقلبه أو كما تقول "بنكفيه على وجهه"، وتنتظر إلى أن يتجمع الرماد ويتحول إلى كتلة سميكة، تجمعها وتخلطها بالقليل من زيت السمسم، تحضيرا لوضعها في المكحلة النحاسية.

ويعود تاريخ استخدام الكحل إلى العصر البرونزي، أي حوالي العام 3500 قبل الميلاد، واستخدمته شعوب وحضارات أشهرها الفراعنة، وكانوا يستخدمونه فتظهر عيونهم واسعة وجميلة.

‪السيدة هادية تعلمت صناعة الكحل من أمها التي تعلمت من جدتها‬ (الجزيرة)

سر الكحل
عند سؤال الحاجة هادية عن سبب شهرتها الواسعة في المنطقة أفصحت لنا عن سرها قائلة للجزيرة نت "تعلمت صناعة الكحل من أمي التي تعلمت من جدتي، وما يميز الكحل الذي أقوم بصناعته هو نوع القماش الذي أستخدمه".

وتستخدم قديح قماشا قديما من نوع خاص ترى أنه الأنسب لصناعتها، لافتة إلى أن استخدام أنواع أخرى من القماش أو القطن كما يفعل البعض لا يعطي المفعول من كثافة وقوة للكحل.

‪تكحيل طفلة صغيرة بعد الانتهاء من صناعة الكحل‬ (الجزيرة)

صغار وكبار
كل أطفال منطقة عبسان الكبيرة في مدينة خان يونس تكحلوا عند ولادتهم على يد الحاجة هادية، فالكحل كما تقول "يحمي العين من الأمراض، ويستخدم كذلك كمرطب".

ليس الأطفال فحسب، فالحاجة قديح معروفة في منطقتها أنها لا تترك مناسبة سعيدة إلا وتكون جزءا منها. فالكثير من العرائس في المنطقة حرصن على أن يتكحلن من يد السيدة الستينية قديما، لكن الأمر لم يعد كذلك اليوم بسبب انتشار صالونات التجميل بشكل كبير.

وتقول قديح "دائما الشيء الطبيعي أفضل للإنسان، والكحل الجديد مليء بالمواد الكيمائية التي يمكن أن تفسد العين، إضافة إلى أنه لا يدوم ولا يعطي المفعول الذي يعطيه الكحل الأصيل المصنوع يدويا".

موروث شعبي
خلال جلستها في صناعة الكحل تروي الحاجة هادية الكثير من القصص بعضها سمعتها من أمها، والبعض منها عايشته بنفسها، عن التزين قديما، وكيف كانت النساء يصنعن أدوات التجميل من الطبيعة.

وترى قديح أن ما تقوم به هو إحياء لذاكرتها الفلسطينية، وللإرث الذي تركته لها أمها، حيث تؤكد أن الكحل مثله مثل الأغاني والأثواب الفلسطينية جزء من الموروث الثقافي والشعبي، لذلك ستبقى تصنعه حتى آخر يوم في حياتها، كما تقول.

‪تأمل هادية أن يأتي اليوم الذي تستطيع فيه الاستفادة من صناعة الكحل في تحسين أوضاع أسرتها المادية‬ (الجزيرة)

الكحل وتحسين الأوضاع المادية
وتأمل السيدة الستينية أن يأتي اليوم الذي تستطيع فيه الاستفادة من صناعة الكحل في تحسين أوضاع أسرتها المادية، فهي أم لثمانية أبناء، جميعهم يسكنون معها في البيت ذاته، وجميعهم لا يعملون.

اثنان من أبناء قديح متزوجان، ولا تحصل العائلة على أي مساعدات، في وقت يمر فيه قطاع غزة بواحدة من أسوأ المراحل على المستوى الاقتصادي والإنساني، مما أدى لارتفاع نسب البطالة والفقر بشكل كبير.

ويعيش أكثر من مليوني فلسطيني في حصار إسرائيلي مطبق منذ عام 2007، تخلله ثلاث حروب طاحنة أعوام 2008 و2012 و2014.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أصبح وضع مستحضرات التجميل أمرا روتينيا بالنسبة للكثيرات، سواء خلال أوقات العمل أو المناسبات الخاصة. كما باتت مستحضرات التجميل جزءا من حياتنا حتى أنها أصبحت تقف عائقا أمام ادخارنا المال.

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة