"العم الصيفي".. تونسي عشق الأرض فاعتكف في غاباتها

العم الصيفي: لا أخاف العزلة بقدر خوفي من فقداني أرض أبي وجدي (الجزيرة)
العم الصيفي: لا أخاف العزلة بقدر خوفي من فقداني أرض أبي وجدي (الجزيرة)

منيرة حجلاوي-باجة

في طريق ضيقة بين غابات جبل "كاب نيقرو" المترامية الأطراف بمدينة نفزة في محافظة باجة بالشمال الغربي التونسي، قطعنا مسافة كيلومترين اثنين مشيا على الأقدام تحيط بنا الأشجار من كل جانب، للوصول إلى وجهتنا حيث يقيم الرجل اللغز الملقب بالعمّ الصيفي.

من بعيد، تناهت إلى مسامعنا ضحكات وصيحات رجل مسن ساعدتنا على تحديد مكانه في نقطة عالية، نادرا ما تسرق أشعة الشمس لحظات لتبعث من خلالها بعض الدفء على زائري المنطقة التي تتميز ببرودة طقسها الشديدة.

بشعره الذي غزاه الشيب وعينيه الدامعتين اللتين تخفيان الكثير من الأسرار والذكريات، استقبلنا العم الصيفي بلهادي رمضاني بترحاب وسعة صدر كبيرين ودون أي تكلف.

العم الصيفي يعيش في كوخ بالٍ جدرانه من الحجارة المرصوفة دون إسمنت وسقفه من الألواح والخرق البالية يعيش (الجزيرة)

العم الصيفي وألفة الطبيعة
ولد العم الصيفي على سفح جبل كاب نيقرو بين أحضان الطبيعة وترعرع مع الحيوانات البرية، فألف المكان ولم يغادره حتى بعد وفاة كل أفراد أسرته وهجرة بقية السكان إلى المدينة وبيع كل ممتلكاتهم وقطعان الأبقار والماعز، لتدريس أبنائهم والبحث عن موارد رزق بديلة.

تعد منطقة كاب نيقرو بغاباتها الخضراء الكثيفة وبحرها النظيف الساحر من أهم المناطق السياحية التونسية التي لم تحظ بالاهتمام نفسه على غرار بقية مناطق البلاد السياحية، وهي جنة فوق الأرض وقبلة سياحية عذراء أبدع الخالق في خلقها تنتظر استثمار جمالها وثرائها.

يجهل الرجل عمره، ويعود ذلك -بحسب كلامه للجزيرة نت- إلى رفض والده تسجيله عند ولادته، لأن المحتل الفرنسي في تلك الفترة كان يأخذ الشباب المسجلين في الدفاتر الرسمية غصبا إلى الخدمة العسكرية، بينما يرجح بعض السكان بلوغه الثمانين من العمر ولعله تجاوزها.

يعيش العم الصيفي في كوخ بالٍ بنيت جدرانه من الأحجار التي رصفت فوق بعضها دون استعمال الإسمنت، وسقفه من الألواح والخرق البالية التي لا تقيه حر شمس الصيف الحارقة ولا برد الشتاء وقسوته.

‪يجهل العم الصيفي عمره ويرجح البعض تجاوزه الثمانين‬ (الجزيرة)

عشق الأرض وتفاصيل المكان
تزوج الرجل من امرأة من أسرة فلاحية من الرحل، كان أفرادها يعملون في إحدى الأراضي المجاورة لمقر إقامته، ولكنهما تفارقا بسلام لأنها وعائلتها أرادوا منه بيع أراضيه والمغادرة معهم، وهو ما يرفضه رفضا قطعيا.

يتسبب مجرد الحديث عن بيع أراضي والده وجده في غضب العم الصيفي غضبا حادا، لشدة تعلقه بالمكان الذي يختزل ماضيا سعيدا عاشه ولا يرغب في نسيان تفاصيله رغم حاضره الصعب.

يفضل الرجل العيش وحيدا منعزلا رغم عوزه وقلة يد الحيلة والخصاصة التي يعيشها، وهو يصر على عدم التفريط ولو بشبر واحد من إرث والده رغم الضغوط التي تمارسها عليه بعض الأطراف النافذة التي تعمل على تجويعه لبيع أرضه والاستحواذ عليها، بحسب تأكيده.

العيش في الغالبات الشاسعة
يتمتع العم الصيفي بروح دعابة عالية وصدق بالغ جعلا الكثيرين ممن زاروه يتعلقون به ويعودون مرات عديدة للاطمئنان عليه من مختلف محافظات تونس، كبنزرت وصفاقس وسوسة وقابس ونابل وغيرها، وهو يبدو سعيدا وفخورا بذلك. 

وهو يعيش على مساعدات بعض أهالي المدينة أو حتى سكان المناطق المجاورة الغرباء وأحباء التخييم الذين يصعدون إلى مكان إقامته ويمدونه بالطعام وبعض لوازم الحياة الضرورية وبعض الألبسة.

لا يشعره العيش بمفرده عمرا بأكمله بين هذه الغابات الشاسعة المظلمة بالخوف بقدر خوفه وفزعه من فقدان أرضه، فهو ينظر للأشجار على أنها أشخاص يخاطبها ويحدثها عن مكنونات قلبه فتحسن الإصغاء إليه.

وهنا يتنفس هواء نقيا ويشرب مياها عذبة من بعض العيون ويأكل بعض الأعشاب الصالحة للأكل ويستمتع بزقزقة العصافير وطنين النحل في الصباحات المشرقة غير الممطرة.

‪يعيش العم الصيفي في كوخ بالٍ لا يقيه حر الصيف ولا برد الشتاء‬ (الجزيرة)

ضوضاء العدو اللدود
لم تطأ قدما العم الصيفي المدينة ولن تطأها، فهي عدوه اللدود، فيها ينتشر الباطل وحب السيطرة ونكران الجميل والظلم والكذب والاستيلاء على حقوق الضعفاء، كما يؤكد للجزيرة نت.

في المقابل، يجد حريته هنا في هذا المكان القصي الهادئ بعيدا عن ضوضاء الحضارة، وهو لا يطلب شيئا سوى العيش بسلام في أرض أجداده حتى آخر أنفاسه.

عندما حان موعد رحيلنا، مرت دقيقة صمت على العم الصيفي ليودعنا بعدها بعينيه الدامعتين ذواتي النظرتين البريئتين، ملوحا لنا بيديه المرتعشتين على أمل أن يجمعنا لقاء قريب.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة