بنسيون الاستقلال في نابلس.. رحلة صمود بدأت من يافا وحكاية نزل سكنه أبو عمار متخفيا

عاطف دغلس- بنسيون الاستقلال يحتل موقعا استراتيجيا بوسط نابلس-الضفة الغربية- نابلس-البنسيون- الجزيرة نت24
بنسيون الاستقلال يحتل موقعا إستراتيجيا وسط مدينة نابلس (الجزيرة)

ما أن تلقي بجسدك المثقل بتعب يوم طويل فوق سرير حديدي حتى يأخذك فضاء الغرفة التي نزلت بها إلى ماض جميل وحكايات رويت في المكان ذاته، وأخرى قد تسمعها عندما تتفرغ للراحة في صالة الاستقبال وتشرب فنجان قهوة أو كوبا ساخنا من الشاي، فأنت حينها تكون قد حللت ضيفا في أعرق فنادق نابلس وأقدمها؛ "بنسيون (نُزُل صغير) الاستقلال".

عاطف دغلس-واجهة البنسيون الشمالية حيث نوافذه الخشبية واشجار النخيل والبناء المعماري الجميل-الضفة الغربية- نابلس-البنسيون- الجزيرة نت20واجهة البنسيون الشمالية حيث نوافذه الخشبية وأشجار النخيل والبناء المعماري الجميل (الجزيرة)

أي زائر "لدمشق الصغرى" نابلس (شمال الضفة الغربية) لن يبذل جهدا ليهتدي إلى بنسيون الاستقلال، فبسؤال أي مار وسط المدينة سيلوح قائلا: هناك عند أطراف شارع حطين قرب مبنى بلدية المدينة، وهناك ستبصر لافتة كبيرة كُتب عليها وباللون الأسود العريض الاسم ورقم الهاتف، وباللغتين العربية والإنجليزية.

عاطف دغلس- بنسيون الاستقلال عمره اكثر من 72 عاما-الضفة الغربية- نابلس-البنسيون- الجزيرة نت22بنسيون الاستقلال عمره أكثر من 72 عاما (الجزيرة)

وتعود حكاية الفندق -الذي يصنف وفق معايير السياحة الحديثة على أنه بنسيون- لعام 1948، حينها حوَّل إبراهيم عيران -الذي هجَّره الاحتلال وعائلته قسرا من مدينته يافا- 6 غرف بُنيت على الطراز العثماني وتعود لعائلة العَمد النابلسية لفندق يواصل به مهنته بعد أن طال "اليومان" اللذان خُدر بهما عموم اللاجئين للعودة للديار.

عاطف دغلس- ابراهيم عيرام مؤسس بنسيون الاستقلال وصاحبه-الضفة الغربية نابلس- الجزيرة نت29إبراهيم عيران مؤسس بنسيون الاستقلال وصاحبه (الجزيرة)

يافا الأصل

بعمره السبعيني يستقبل فيصل عيران نجل الحاج إبراهيم زبائنه في صالة كبيرة تتوسط غرف البنسيون، ويضع عند رأسها مكتبه الخاص، ويُخرج سجلا كلما اقتضى الأمر ليوثق اسم النزيل ورقم هويته، ويسأل بلطف: كم ليلة ستمكث؟

ومن مكتبه أيضا يشرف على النزلاء، ويلبي طلباتهم بقدر المستطاع، فجرى العرف أن يتم تقديم القهوة والشاي مجانا، أما الطعام فليس في قائمة الخدمات.

قبل النكبة، كان الحاج إبراهيم والد فيصل يملك ويدير 4 فنادق؛ يوجد اثنان في يافا، هما الاستقلال الذي يضم 48 غرفة في سوق الدير، وزهرة الشام الذي يحتوي على 42 غرفة في شارع النزهة، وكانت حجارتهما "قدسية حمراء وفيها ثقوب بفعل البحر". بالإضافة إلى فندقين آخرين في مدينة حيفا، ولا يذكرهما فيصل ولم يزرهما.

عاطف دغلس-خزنة قديمة احضرها الحاجة ابراهيم عيران معه من يافا-الضفة الغربية- نابلس-البنسيون- الجزيرة نت14خزنة قديمة أحضرها الحاج إبراهيم عيران معه من يافا (الجزيرة)

غادر والد فيصل يافا وهو يغلق أبواب فنادقه بالطوب ويصفدها بالحديد كأنه أدرك أن العودة ليست "يومان ونرجع" كما قيل، وظلت على حالها ليصنفها الاحتلال ضمن "أملاك غائب"، الذي هو في الحقيقة حاضر ولكنه ممنوع من العودة.

يقول عيران الابن، وقد تأثر بماض عريق عاشه فندقهم وحال صعبة ومقيدة بإجراءات وزارة السياحة بفعل جائحة كورونا؛ إنه ورث الفندقة عن والده، وعمل معه بها بعد الهجرة بإنشاء البنسيون في نابلس، التي لم يكن بها سوى 3 فنادق.

عاطف دغلس-الصالة الداخلية الواصلة بين غرف البنسيون-الضفة الغربية- نابلس-البنسيون- الجزيرة نت21الصالة الداخلية الواصلة بين غرف البنسيون (الجزيرة)

"فلاح الثورة"

وقتئذٍ كان أغلب النزلاء من التجار العرب، من العراق ومصر وسوريا ولبنان والمغرب، فضلا عن نزلاء أجانب وآخرين محليين تخلدهم السجلات المحفوظة في "سدة" (مخزن علوي) البنسيون، وكانوا يتجاوزون 30 ضيفا في الليلة الواحدة أحيانا.

عاطف دغلس- لا يزال البنسيون يحافظ على تقليده القديم-الضفة الغربية- نابلس-البنسيون- الجزيرة نت16لا يزال البنسيون يحافظ على تقليده القديم (الجزيرة)

ويستذكر عيران واحدا منهم، كان يظهر متخفيا بزي فلاح قادم من الريف، والحقيقة أنه كان الرئيس الراحل ياسر عرفات (أبو عمار)، الذي "نام في البنسيون أواخر ستينيات القرن الماضي عندما جاء نابلس لدعم الثوَّار"، ونزل فيه أيضا قادما من غزة موسى القدوة، وهو خال الرئيس أبو عمار.

وعبر التاريخ ظهرت الخانات بمدينة نابلس خاصة في الحقبة العثمانية، واستخدمت كأسواق ولاستقبال القوافل التجارية، وحوت منامات فندقية، أقدمها خان المنارة عام 1567 ثم خان الفروخية (نسبة إلى فروخ باشا تاسي)، وخان الوكالة الذي أعيد ترميمه منذ سنوات وأصبح فندقا ومطعما سياحيا.

عاطف دغلس-البنسيون شعبي ويوفر خدمات المطلوبة للزبائن-الضفة الغربية- نابلس-البنسيون- الجزيرة نت22البنسيون شعبي ويوفر الخدمات المطلوبة للزبائن (الجزيرة)

لكن "بنسيون الاستقلال" حافظ على عراقته كواحد من أقدم فنادق نابلس الشعبية خلال فترة الانتداب البريطاني، حسب وصف مدير مكتب وزارة السياحة بنابلس حسان شتية فإن سر البنسيون يكمن في "تقليده وأصالته حتى الآن".

عاطف دغلس-واجهة البنسيون الامامية التي تطل على شوارع الرئيسية في المدينة-الضفة الغربية- نابلس-البنسيون- الجزيرة نت28واجهة البنسيون الأمامية التي تطل على الشارع الرئيسي في المدينة (الجزيرة)

تراث وأصالة

بضع درجات عند الشارع الرئيسي تؤدي إلى بنسيون الاستقلال، وتطل على جمال بنائه خاصة بلاطه النابلسي الملون وجدرانه الحجرية والزخارف الهندسية في حلقتين دائريتين تعلو واجهتيه الشمالية حيث مبنى بلدية نابلس، والغربية المطلة على الساحة السماوية وأشجار النخيل وبرتقال الزفير (ويطلق عليه أيضا الخشخاش أو النارنج) الذي يُضيفه النابلسيون لبعض طعامهم فيزيده تميزا.

عاطف دغلس- شجرة برتقال الزفر في ساحة البنسيون الخارجية-السماوية--الضفة الغربية- نابلس-البنسيون- الجزيرة نت7شجرة برتقال الزفير في ساحة البنسيون الخارجية (الجزيرة)

في البنسيون بعض المقتنيات القديمة التي أحضرها والد فيصل من يافا، ولا تزال موجودة، مثل مرآة كبيرة ومكتب خشبي تعلوه صورة صاحب البنسيون إبراهيم عيران وخزنة حديدية تتوسط الصالة، أو "اللوبي" بتسمية الفنادق الحديثة.

في البنسيون مرآة كبيرة من مقتنيات قديمة أحضرها والد فيصل من يافا لا تزال موجودة (الجزيرة)

أما النوافذ فهي تحفة أخرى، وبعضها خشبي من عمر المبنى، وأخرى حل الألمنيوم مكانها بعد تحطيم الجيش الإسرائيلي لها خلال اقتحاماته المتكررة للفندق.

مكتب خشبي تعلوه صورة صاحب البنسيون إبراهيم عيران الذي أحضرها من يافا (الجزيرة)

خالد خندقجي ينزل في البنسيون بين الحين والآخر منذ أكثر من 40 عاما، ويقول إن المبنى حافظ على نمطه حتى اللحظة كفندق شعبي ومعلم تراثي، لكن موقعه عرَّضه لاستهداف الاحتلال الإسرائيلي خلال اقتحاماته للمدينة.

ويضيف للجزيرة نت أن البنسيون بمثابة "كنز"، وعلى الجهات المختصة الحفاظ عليه ودعم صموده بمساندة محاولات القائمين عليه لمواكبة التطورات وتحسين خدماته لتلبية احتياجات الزبائن.

عاطف دغلس- صالة داخلية للبنسيون حيث يحافظ على تقليده من البلاطة النابلسي الملون العريق-الضفة الغربية- نابلس-البنسيون- الجزيرة نت11صالة داخلية للبنسيون حيث يحافظ على تقليده من البلاط النابلسي الملون العريق (الجزيرة)

يعمل البنسيون بنظام معين، ويتبادل فيصل واثنان من أبنائه أوقات العمل، خاصة الترتيب والإشراف العام، ويقول أحمد نجل فيصل إنهم أضافوا خدمات جديدة كالتبريد والتلفاز، رغم بقاء الأسعار على حالها، فهي قليلة مقارنة بالفنادق الحديثة التي يصل سعر الليلة الواحدة فيها لنحو 10 أضعاف البنسيون.

عاطف دغلس- غرف البنسيون تميزت ببساطتها وتقليدها القديم-الضفة الغربية- نابلس-البنسيون- الجزيرة نت9غرف البنسيون تميزت ببساطتها وتقليدها القديم (الجزيرة)

من 10 قروش (أقل من ربع دولار أميركي) كانت أجرة المبيت في البنسيون منذ إنشائه، إلى أقل من 9 دولارات، بعد أكثر من 70 عاما، رغم تضاعف إيجاره من 400 دينار أردني لنحو ألفين (3 آلاف دولار أميركي) سنويا، وهم يدفعون الضرائب كأي منشأة سياحية أخرى.

الحفيد فيصل عيران حريص على الحفاظ على البنسيون (الجزيرة)

بساطة الخدمة

يخبرنا عيران الحفيد، ونحن نتنقل بين غرف البنسيون، أنهم يقومون بالإصلاحات الضرورية والبسيطة للبنسيون كطلاء جدرانه تجنبا للإخلال بشروط عقد الإيجار، الذي قد يفقدهم مشروعهم وحلم حياتهم.

هذه الخدمات "على بساطتها" تعجب جدا الشاب معاوية بديري، ويجد راحته في البنسيون كونه يحظى "بنوم هادئ ومعاملة جيدة وحفاظ على الخصوصية"، فضلا عن السعر المناسب.

عاطف دغلس-نافورة ماء بناها فيصل عيران في الساحة السماوية للبنسيون-الضفة الغربية- نابلس-البنسيون- الجزيرة نت6نافورة ماء بناها فيصل عيران في الساحة السماوية للبنسيون (الجزيرة)

كان بديري يقضي ليلته 70 أو 80، فهو كما أخبرنا لا يذكر تماما كونه يعرف البنسيون منذ أكثر من 20 عاما، ويأتيه بين الحين والآخر، ويستقبلونه حتى في أوقات متأخرة وبعد منتصف الليل.

أمام محاولات استثمارية طالت مبنى السينما القديم الملاصق لبنسيون الاستقلال، وأدت إلى هدمه؛ يصمد فيصل عيران في فندقه ويحافظ عليه حتى الرمق الأخير، حتى أنه لا يحمل هاتفا خلويا ويفضل أن يظل التواصل معه مقترنا بهاتف البنسيون الأرضي.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

الطمرية.. حلوى نابلسية

تأتي الطمرية في المقام الثاني بعد الكنافة وتعرف بطعمها الطيب والمميز بين حلويات النابلسيين المتنوعة. تؤكل الطمرية ساخنة، ويعد يوم الجمعة صباحا الوقت المفضل للنابلسيين لشرائها وتناولها كوجبة إفطار.

Published On 26/2/2019
عاطف دغلس- مهند الرابي مؤلف كتاب نابلس وبلاطها الملون- الضفة الغربية- نابلس- الجزيرة نت6

أطلق المهندس والباحث بالتراث النابلسي والفلسطيني مهند الرابي كتاب “نابلس وبلاطها الملون”، وهو كتاب نوعي وحديث ويتناول البلاط الملون صغير الحجم المستخدم في أبنية نابلسية والنقوشات التراثية عليه.

Published On 8/10/2020
المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة