سجاد في المطبخ وحمامات مغطاة بالخشب.. ديكورات داخلية حطمتها الأوبئة

تصميم الشرفات جاء مصاحبا لانتشار مرض السل، إذ كان ضوء الشمس والهواء النقي هما "العلاج" الأكثر شهرة (غيتي)
تصميم الشرفات جاء مصاحبا لانتشار مرض السل، إذ كان ضوء الشمس والهواء النقي هما "العلاج" الأكثر شهرة (غيتي)

منذ بداية جائحة كوفيد-19، تحولت منازلنا إلى مقار عمل ومدارس وصالات رياضية، ومكث الكثيرون منا فيها أكثر من أي وقت مضى.

الأمر الذي دفع شركات التصميم والهندسة لطرح رؤية جديدة لتصميم المنازل في المستقبل؛ لتتماشى مع ما سيتبقى من آثار ذلك الوباء.

ومع ذلك لا يبدو الأمر جديدا، فلطالما غيرت الأوبئة والأمراض من شكل المباني والمنازل الخاصة بنا.

فعلى مدى مئات إن لم يكن آلاف السنين، دأب الجنس البشري على تغيير بيئته لوقف أو إبطاء انتشار الأمراض المعدية، والأوبئة؛ مثل الطاعون والكوليرا والتيفوئيد والسل، فكيف تغيرت منازلنا لمواجهة الأوبئة السابقة؟

التلوث والبنية التحتية

فيما مضى لم يكن يعرف العالم شيئا عن أنظمة الصرف الصحي للمطابخ والحمامات بشكلها الحالي، كانت السباكة الداخلية مقتصرة على بيوت الأغنياء، وكان من المعتاد أن تتدفق مياه الصرف الصحي الخام من المباني إلى شوارع المدينة مباشرة، ومع انتشار الكوليرا الحاد في لندن في خمسينيات القرن الـ19 ثبتت الصلة بين مياه الشرب الملوثة، التي سببت الكثير من الوفيات.

أدى ذلك إلى إصلاح شبكة الصرف الصحي ومدها إلى داخل البيوت، خلال العصر الصناعي، وإنشاء أنظمة مياه الشرب الحديثة، بحسب ما جاء في موقع "كربد" (Curbed).

الحمامات الأسطورية

اعتقد الكثيرون أن الحمامات هي المصدر الرئيسي للعدوى بالأمراض خاصة الكوليرا والدوسنتاريا والتيفوئيد.

وكانت ديكورات الحمامات في القرن الـ17 تشبه الغرف الأخرى في منازل الأثرياء.

فعندما بنى الأثرياء حماماتهم الأولى، غطى السجاد المطرز الثقيل الأرضيات، وغلف كل شيء بالخشب، وأحاط الخشب الداكن المنحوت بشكل مزخرف بالمرحاض والمغسلة وحوض الاستحمام، وظهرت كل وحدات الحمام كقطع أثاث تخفي الغرض الحقيقي منها.

في ذلك الوقت كان مرضا السل والإنفلونزا يحصدان الأرواح، وأقنع المختصون العملاء بأن المراحيض الداخلية المتصلة بشبكة الصرف الصحي العامة أكثر فائدة بكثير لوقف انتشار الأمراض المعدية.

كان لانتشار مرض السل والإنفلونزا أثر في تغيير تصميمات الحمامات وشبكات الصرف الصحي العامة (الجزيرة)

كان الخشب هو أول من أطيح به لصالح تركيبات السباكة المفتوحة، والتي كانت أسهل بكثير في التنظيف وأكثر صحية.

أحواض الاستحمام، التي كانت في الأصل مصنوعة من الخشب ومبطنة إما بألواح من الزنك أو النحاس، ظهرت فيما بعد من الحديد الزهر المطلي بالمينا سهل التنظيف، وأصبحت "المينا" نفسها هي المادة المفضلة لتركيبات الحمام الأساسية في كل من المستشفيات والمنازل الخاصة.

وبحسب موقع "دورا سوبريم" (Durasupreme)، أزيل السجاد الثقيل الرطب الذي يجمع الغبار، وتعلق به الكائنات الحية الدقيقة الحاملة للأمراض، واستبدل بالمشمع أو البلاط الأملس لسهولة اكتشاف أي أوساخ بسرعة وتنظيفها بسهولة، وهو ما اعتمدته المستشفيات حينها.

مطابخ بيضاء

وربما حظيت الحمامات فقط، على ذلك الاهتمام في تلك الحقبة؛ لكن ما حدث في القرن الـ19 من تفشي وباء التيفوئيد، جعل الكثيرين يتعاملون برؤية أكثر شمولا.

وكانت المطابخ مغطاة بالسجاد الثقيل وورق الحائط، وكانت الصلة بين الطعام والشراب الملوث بالسالمونيلا وبين آلاف الأرواح التي ماتت قد تبلورت.

في بادئ الأمر، بدأت المباني العامة والمستشفيات على وجه الخصوص بتركيب البلاط الأبيض في الأرضيات والحوائط حتى يتمكن العمال على الفور من اكتشاف أي أوساخ، وتنظيفها  بسهولة، وفقا لـ"أركيتيكتشورال دايجست" (Architectural digest).

اعتمدت بعض المطاعم ومن بعدها المنازل ذلك البلاط الأبيض لاستحضار البيئة المعقمة للمستشفى (الجزيرة)

واعتمدت بعض المطاعم ذلك البلاط الأبيض لاستحضار البيئة المعقمة للمستشفى، وجعل الناس يشعرون بالأمان عند تناول الطعام هناك.

وانتشرت الثقافة الجديدة داخل البيوت لوقف انتشار العدوى، واستبدلت الأرضيات والحوائط بالسيراميك الأبيض الناعم؛ ليصبح المطبخ أكثر أمانا وصحة عند تحضير الطعام.

وإلى جانب البلاط، استبدل المشمع بالأرضيات الخشبية والأقمشة الزيتية كأرضيات صحية مفضلة، وذلك بفضل سهولة التنظيف أيضا.

شرفات العلاج

في آواخر القرن الـ19 وبداية القرن الـ20، كان وباء السل قد انتشر، وانتقل بين الأفراد بسهولة من خلال الرذاذ، الذي يخرج في الهواء بعد السعال والعطس.

أدرك المختصون أن السل يمكن أن ينتشر بسهولة كبيرة في الأماكن الصغيرة المغلقة، حيث لا يتغير الهواء.

وكان ضوء الشمس والهواء النقي هما "العلاج" الأكثر شهرة لهذا المرض الفتاك حينها.

فانتشرت الأكواخ العلاجية وقتها، واحتوت على "الشرفات العلاجية" حيث يمكن للمصابين بالسل أن يستريحوا في ضوء الشمس والهواء الطلق، استلهم مصممو العمارة "الشرفة"، وأضافوها إلى الطابق الثاني أو الثالث من البيت، الذي قاموا ببنائه، وبقيت الشرفات جزءا من المباني حتى اليوم.

حمام الضيوف في مواجهة الموت

في بدايات القرن الـ20 وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى، تحديدا عام 1918 انتشرت الإنفلونزا الإسبانية، وخلفت ملايين القتلى الذين تجاوزوا أعداد قتلى الحرب العالمية.

وسيطر خلالها الخوف على الأشخاص من انتقال العدوى والحذر الشديد للحد منها؛ مما دفع أصحاب البيوت حينها، إلى استقطاع الجزء الأمامي من البيت وإضافة دورة مياه صغيرة فيه تحتوي على حوض ومرحاض.

ووجه أصحاب المنازل العمال والضيوف إلى غسل أيديهم في نصف دورة المياه قبل السير إلى المنزل؛ لمنع انتشار الإنفلونزا داخل البيت، وفقا لـ "إنمان" (Inman).

وبقي "حمام الضيوف" أو "نصف الحمام" محافظا على وجوده حتى اليوم في غالبية المباني والبيوت لذات الغرض القديم.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

تعتبر المؤلفة والأكاديمية البريطانية ديانا دارك أن تصاميم المعالم المعمارية الأوروبية لا تعود إلى التراث القوطي ولا التاريخ المسيحي الأوروبي، وإنما تدين بتصميمها لصحارى سوريا والعالم العربي والإسلامي.

30/8/2020
المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة