وحيدون ومعزولون ويعصف بهم الاكتئاب.. عندما يغدر الأبناء والزمن بكبار السن في العراق

المسنون في العراق .....بين العنف والتهميش
دور المسنين لم تعد تتسع لهم (الجزيرة)

لم يتوقع الحاج عباس كوير (69 عامًا) أن يأتي يوم يجد فيه نفسه مع المسنين في دار حكومية، وخصصت له غرفة صغيرة يسودها الصمت، بعيدًا عن ضجيج أحفاده الذين اعتاد سماعهم، وبينما ينعش ذاكرته بتلك الأصوات تترقب عيناه باستمرار باب غرفته لعل زائرا دافئا يطل عليه، وهو يحمل معه بعضا من رائحة الأسرة التي عاش فيها راعيًا ومسؤولا.

فبعد أن توفيت زوجته ظل يعاني من الوحدة، لكن وجوده بين أولاده وأحفاده هوّن عليه تلك الأيام التي قضاها وحيدًا دون مؤنس، فالجميع منشغل بحياته الخاصة، لكن الوضع لم يدم طويلاً، حتى بدأ مشوار الذاكرة المؤلمة وهو يستمع للكلمات المذلة التي تنطقها زوجة ابنه كلما قدمت له الطعام، فقد كانت تتذمر وترميه بالكلمات الجارحة من دون رحمة، وزاد الأمر سوءًا عندما صارت تؤخر موعد إطعامه فيتأخر بذلك موعد دوائه، إلى أن تدهور وضعه الصحي، ورغم تلك المعاناة لم يشكُ سوء وضعه حفاظًا على أسرة ولده من المشاكل، كما يقول.

انتهت معاناته داخل "منزله" على يد زوجة ابنه عندما وقفت أمامه، وقالت له "لست خادمتك، حتى أتحمل عبئك، أنت ضيف ثقيل، متى ترحل لأرتاح"؟ إضافة إلى كلام مهين بمجرد أن تذكره الحاج استيقظت في صدره غصة خانقة، حيث يقول "في تلك اللحظات اعتقدت أنني أحلم، بعدها انفجرت دموعي كطفل يتيم مات أبواه أمام عينيه، حتى امتلأت نفسي بالضعف، ولم أنبس بحرف واحد، كأنها ألقمتني حجرًا".

كل ذلك ورغم مراراته كان هينا بالنسبة للحاج عباس قياسًا برد فعل أبنائه عديمي "المسؤولية والإنسانية"، كما يصفه؛ فقد قرر أبناؤه إرساله رغمًا عنه إلى دار المسنين، أو كما يسميها الناس "دار العجزة".

وبعد تلك التفاصيل الموجعة صفق الحاج كفيه ببعضهما، وردد المثل المشهور "يا من تعب يا من شقى ويا من على الحاضر لقى". في إشارة منه إلى أن نهاية جهوده وتربيته لأولاده لم تثمر عن رد الجميل وقت حاجته إليهم.

بعض المسنين في العراق افتقدوا رد الجميل من أبنائهم وقت حاجتهم إلى ذلك (الجزيرة)

مؤشرات حكومية ودولية

شهد العراق خلال الفترة الأخيرة، ومن خلال ما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قصصا حزينة عن تخلي الأبناء عن آبائهم وأمهاتهم، حتى أصبحت دور المسنين لا تتسع لهم، من بينهم أشخاص أصحاء يمتلك بعضهم رواتب تقاعدية، إلا أنهم فوجئوا بعدم تقبلهم بين أبنائهم، أو تعنيفهم، أو الاستيلاء على أموالهم، فلجأ بعضهم إلى الشارع بحثًا عن ملاذ آمن يأويهم، في حين فضل آخرون الذهاب إلى دار المسنين لينضموا إلى من أجبرهم أبناؤهم على العيش في تلك الدور.

وأعلنت وزارة الداخلية العراقية تسجيل (617) حالة اعتداء من الأبناء على الآباء خلال النصف الأول من العام الحالي 2020، كما أكدت منظمات مجتمع مدني أن المسنين هم الشريحة الأكثر تعرضًا للعنف داخل الأسرة، وتوقعت ارتفاع معدلات العنف تجاههم خلال فترة انتشار فيروس كورونا.

ورغم أن "إساءة معاملة المسنين" من الموضوعات التي تعد ذات حُرمة اجتماعية، فإنها لم تأخذ حيزها من الاهتمام ضمن خطط العمل الوطنية.

وتعد دور رعاية المسنين وفقًا لقانون رقم (4) لسنة 1985 مساحة آمنة للاستراحة، وفق شروط حددها القانون، ولا يمكن لهذه الدور مخالفة القانون إلا على المسؤولية الشخصية.

تقول مديرة دار رعاية المسنين في الديوانية فيان المحنة "إنها رفضت على مضض كثيرا من الطلبات والمناشدات التي تخص استقبال العاجزين أو الذين يعانون من أمراض تستلزم توفير الرعاية الصحية؛ فالدار للاستراحة، وليست لرعاية المرضى، علمًا أن أغلب المسنين الذين لجؤوا إلى الدار ناجون من عنف أبنائهم أو يعانون من الوحدة والإهمال الشديدين، أو تجدهم الناس يتوسدون الشوارع فيتصلون بنا".

مديرة رعاية المسنين في الديوانية فيان المحنة للاستخدام الداخلي فقطفيان المحنة تقول إن كثيرا من المناشدات تصلها بهدف مساعدة مسنين يتوسدون الشارع (الجزيرة)

خدمات غير كافية

ويقدم موظفو الدار "تطوعا" بعض الخدمات الصحية للمسنين النزلاء عند الحاجة، كما تعاني الدار حالها حال بقية الدور الحكومية من نقص موظفي الخدمات، مما يضطر الموظفون أحيانًا إلى القيام ببعض تلك الخدمات، ورغم أن القانون يوجب تقديم الخدمات الترفيهية والأنشطة الثقافية وفرص العمل للقادرين عليه، فإن المسنين لا يحصلون على شيء من ذلك، ولكن يوجد في الدار باحث اجتماعي لتقديم الدعم اللازم.

يقول الناشط الحقوقي بهاء العبيدي "مشاهد متكررة ولا يمكن وصفها على الاطلاق؛ فغالبا تصلني عبر صفحتي في فيسبوك مناشدات بهدف مساعدة مسنين يتوسدون الشارع، فأهرع مسرعًا نحو العنوان فيصدمني الواقع".

ويضيف "أغلب هذه الحالات من فئة النساء المسنات، وبعضهن يرفضن الذهاب إلى دور الإيواء، ويفضلن الانتظار في الشارع على أمل عودة من احتال عليهن"، ويكمل "أغلب الأبناء يكذبون على ذويهم المسنين ويطلبون منهم الانتظار في الشارع، ثم يتركونهم بلا عودة".

ورغم المسؤولية والصعوبة اللتين تواجهان العبيدي ورفاقه في إقناع المسنين بالمغادرة إلى دار المسنين، فإنه استطاع تقديم المساعدة لعدد منهم، وأحيانًا يطلب مساعدة القوات الأمنية.

الناشط الحقوقي بهاء العبيدي للاستخدام الداخلي فقطالعبيدي دعا إلى إطلاق الفعاليات المجتمعية ذات التواصل المباشر مع المسنين لتخفيف معاناتهم (الجزيرة)

أسباب المشكلة

وترى الباحثة الاجتماعية ابتسام نعمة أن ازدياد المشاكل الاجتماعية غير الإنسانية، ومن بينها عقوق وهجران الوالدين، أو التخلي عنهما وتعنيفهما؛ تعود لعدة أسباب، أبرزها غياب الوازع الديني والأخلاقي، وغياب الإحساس بالمسؤولية، والظروف المعيشية الصعبة لدى الأبناء وانشغالهم بالعمل بعيدا عن رعاية الوالدين، أو قد يكون الاستقلال المالي للأبناء أحد الأسباب، فضلا عن انتشار المخدرات والمسكرات والتفكك الأسري بمسبباته الكثيرة.

وتشير نعمة إلى أن المسنين المرضى والمقعدين والمصابين بارتعاش الأطراف وفاقدي الذاكرة والحالات المشابهة هم الشريحة الأكثر تعرضا للعنف بكل أشكاله، ويتعرضون غالبا للإيذاء بعد وفاة الزوج/الزوجة، موضحة أن المسنين داخل منازلهم يواجهون يوميًا مختلف أنواع العنف، وزادت تلك الممارسات خلال فترة الحظر الصحي بعد تفشي وباء كورونا.

ورغم وجود العديد من منظمات المجتمع المدني والفرق التطوعية والمنظمات الدولية في العراق، فإن برامج دعم المسنين ما تزال ضعيفة، أو تكاد تكون غير موجودة مقارنة بما تقدمه تلك الجهات لفئات المجتمع الأخرى، كما أنها لا تولي اهتماما بإحياء الفعاليات التي تعزز الأواصر الأسرية ورعاية كبار السن، مثل اليوم الدولي للأسرة، واليوم العالمي للوالدين.

كما توقفت أغلب البرامج الترفيهية التي كانت تقدمها المنظمات المحلية والفرق التطوعية للمسنين، الذين تم إجبارهم على عدم الخروج من دورهم الحكومية، حرصًا عليهم من خطر الإصابة بكورونا، وفقًا لما ذكرته فيان المحنة.

وفي هذا الشأن، تدعو ابتسام نعمة إلى تكثيف برامج الدعم النفسي والمجتمعي للمسنين المتواجدين في دور المسنين الحكومية من قبل منظمات المجتمع المدني، بدعم من الجهات الدولية.

من جانبه، دعا الناشط في مجال حقوق الإنسان بهاء العبيدي المنظمات الإنسانية إلى إطلاق الفعاليات المجتمعية ذات التواصل المباشر مع المسنين لتخفيف معاناتهم وتحسين حياتهم، سواء كانوا داخل بيوتهم أو داخل الدور الحكومية، وهذا يتطلب استجابة دولية فعلية تركز على برامج حماية حقوق كبار السن وتدفع باتجاه رعايتهم.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة