بعد خروجهما من الأسر.. شقيقان فلسطينيان يرمّمان بيوت نابلس القديمة

لم يرد أن يكون مجرد رقم، ولم يقف في وسط الطريق ويرفع يديه مسلما للأمر الواقع والحياة النمطية التي يعيشها كثير من الأسرى المحررين أقرانه، فقبل اعتقاله كان يعرف طريقه جيدا وهو الآن يقاوم بطريقته الخاصة بعيدا عن السجن الذي يرفض بشدة العودة إليه.

هناك في حارة الغرب من البلدة القديمة في مدينة نابلس (شمال الضفة الغربية) وجد الأسير المحرر الشاب باسل كتَّانة ضالته، واستطاع أن يكمل حلما بدأه منذ اللحظة الأولى لاعتقاله عندما حوّل محنته إلى منحة، وأكمل تعليمه الجامعي من داخل معتقله، وأسقط ما تعلمه واقعا بعد الإفراج.

ومنذ الإفراج عنه قبل أكثر من عامين من سجون الاحتلال الإسرائيلي لم يمهل كتانة (38 عاما) نفسه سوى 3 أسابيع ليعود إلى حياته العادية، ويشغل فراغه بالعمل مباشرة، فاختار وشقيقه عبد الرحمن كتانة -وهو أسير محرر أيضا- العمل بترميم بيوت في نابلس القديمة والانتفاع بها.

عملية الترميم للمنازل القديمة شملت 3 مبان حسب الأسير المحرر كتانة وما زالت مستمرة (الجزيرة)

أنتيك.. استحضار القديم

من "أنتيك" التي تعني (القديم) في اللهجة الدارجة بدأ الشقيقان كتانة رحلتهما في الترميم، فأبدعا بتحويل منزل قديم، بتمويل ذاتي قدره 6 آلاف دولار هي منحة الرئاسة الفلسطينية عقب التحرر، إلى مقهى بعد ترميمه بالكامل مع الإبقاء على هيئته القديمة في شكل البناء أو الأثاث المستخدم وحتى الأدوات التي تقدم بها المشروبات الساخنة والباردة والأطعمة بمختلف أنواعها.

في أنتيك يعد أيضا طعام الضيوف في نُزُل "تركواز"، وهو المبنى الثاني الذي رممه الشقيقان على النمط القديم أيضا، مستخدمين اللون التركوازي (الأزرق الباهت) في طلاء جدرانه ومقتنياته المختلفة، فهو اللون نفسه الذي استخدم قبل عشرات السنين، فيأتي دورهما ليكملا رسالة الماضي بصورة أحدث.

وبعد "أنتيك" و"تركواز" تسير خطى الشقيقين الأسيرين نحو "مشوار"، وهو المرحلة الثالثة بعد الترميم والتثقيف، فهو عبارة عن مجموعة من الوسائل التعليمية والتثقيفية للشباب تهدف إلى توعيتهم بثقافتهم وتراثهم خاصة عن البلدة القديمة وتاريخها.

عملية الترميم حافظت على الطراز القديم في بيوت مدينة نابلس (الجزيرة)

بين التاريخ والعمارة

في السجن أكمل باسل كتانة دراسته الجامعية، وتخصص في تاريخ بني إسرائيل والعلوم السياسية، في حين كان شقيقه عبد الرحمن كتانة الذي اعتقل نحو 5 سنوات قد أنهى دراساته العليا، ونال درجة الدكتوراه عن إحياء المدن القديمة ودور العمارة فيها في إذكاء صمود الناس، مثل "اجتياح أبريل/نيسان 2002″، والحصار الذي فرضه الاحتلال على نابلس القديمة، فالتقى التاريخ بفن العمارة وأكملا مشروعهما على أصوله.

ولأن المقهى كان متنفس الناس في القدم وخاصة بنابلس وقع الاختيار عليه ليؤدي الغرض ذاته لمن يأتيه زائرا، ليس لتناول الطعام والشراب فحسب، بل للتثقيف أيضا.

وهذا هدف باسل وعبد الرحمن "تعمير الحجر وتثقيف البشر"، ولا سيما الشباب الذين تم "تجهيلهم" خلال السنوات الماضية عبر إزاحة القيم والمعايير القديمة التي يفتقرون إليها.

يقول باسل كتانة -في حديثه للجزيرة نت- إن هدفهم ليس ماديا بالدرجة الأولى بل هو ثقافي وتوعوي، وقد نجحوا في ذلك، كما أعطى مشروعهم الرؤية لمستثمرين ليقوموا بإعادة تعمير "هائلة" في البلدة القديمة لإحيائها بشكل أو بآخر.

ويحاول باسل قهر النمطية التي يعيشها الأسرى عقب الإفراج عنهم، وهي الجلوس وانتظار الراتب الشهري "الذي باتت تحاربه إسرائيل وجزء من المجتمع الدولي".

لهذا فهو لم يركن منذ اللحظة الأولى إليه، وسعى إلى أن يكون منتجا ومشغّلا لموظفين أيضا، فعماله في المقهى والنُزُل من طلبة الجامعة الذين يعملون ويُحضرون زملاءهم أيضا للتثقيف وعقد الورش العلمية.

"أنتيك"، و"تركواز"، و"مشوار" هي 3 مبان و3 أفكار حققها الشقيقان كتانة في عملية الترميم التي يخوضانها للسنة الثالثة على التوالي بهدف الوصول إلى "مرسم"، وهو مركز الأبحاث العلمي الذي سيتيح لهم خدمة الشباب بوسائل علمية وثقافية أوسع.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة