تأثرت بالحروب والثورات.. كيف تغير طول الملابس على مرّ التاريخ؟

قبل الحرب العالمية الأولى كانت أردية النساء طويلة وثقيلة (بيكسابي)
قبل الحرب العالمية الأولى كانت أردية النساء طويلة وثقيلة (بيكسابي)

ليست مجرّد قطعة قماش، فالأزياء أبعد من أن تكون بهذه البساطة، إنها دلالة على هوية بلد أو ثقافة أو خط موضة ترسمه دور أزياء عريقة. وإذا ما ذهبنا إلى الملابس الفلكلورية، فإننا نجد في مختلف دول العالم أن الرداء الطويل والمزخرف المؤلف من طبقات كان الأكثر حضورا، وقد وصل بطوله إلى منصات عرض الأزياء.

وتاريخيا، كانت الأثواب الطويلة رداء النساء والرجال منذ عصور ما قبل الميلاد في كثير من البلدان، وتظهر في كثير من المنحوتات والتماثيل في عدد من الحضارات.

وفي الكثير من المجتمعات -مثل الدول العربية والشرق الأقصى- ما زال الرجال يرتدون الألبسة الطويلة كلباس رسمي أو تقليدي، وفي أسكتلندا يرتدي الرجال التنانير القصيرة في المناسبات الوطنية وكلباس تراثي.

بداية تقصير الفساتين

قصّرت الحرب العالمية الأولى الفساتين الطويلة والثقيلة ذات الطبقات التي أصبحت عائقا بعد أن اتجهت النساء للعمل، وصممت كوكو شانيل في فرنسا ثيابا غير رسمية (Casual) مازجة بين الثياب النسائية والرجالية لتكون مريحة وعملية أكثر مع الحفاظ على الأناقة، فكانت أزياء بسيطة بأسعار متوسطة وملابس مناسبة لكل الأوقات، عكس ما كان سائدا في العصور الوسطى وحتى بداية القرن العشرين، وأطلقت كوكو الفستان الأسود لأسفل الركبة، وسوّقت له فأصبح عنوان الأناقة ولبسته السيدات وما زلن.

ورغم تقصيرها الفساتين، اعتبرت كوكو في نهاية ستينيات القرن الماضي "أن رؤية الركبتين أمر فظيع" بالإشارة إلى التنانير القصيرة التي وجدتها غير لائقة، لكن كارل لاغرفيلد الذي استلم الإدارة الفنية لدار شانيل في الثمانينيات، اعتمد التنورة القصيرة في البدلات الرسمية للسيدات لإضفاء الشبابية.

وسميت المصممة الإنجليزية ماري كوانت بوالدة التنورة القصيرة التي ترتفع 10 سنتيمترات فوق الركبة، والتي سمتها "ميني" تيمنا بسيارتها، وشكلت صدمة وضجة كبيرة في بداية الستينيات، وباتت قطعة القماش هذه رمزا من رموز تحرر المرأة وتمردها، ونالت كوانت وسام تكريم بريطاني.

وسلكت الـ"ميني جيب" وبعدها "الميكرو جيب" -الأقصر منها- طريقها إلى أشهر دور الأزياء حينها، محدثة تغييرا جذريا في الموضة، بعد أن كان الأسلوب الكلاسيكي والمتحفظ هو السائد.

ورغم أنها حظرت في هولندا في الفترة الأولى، فإنها اكتسحت أوروبا وصولا إلى أميركا، مرافقة لانتشار ثقافة البوب، ثم إلى الصين ومصر ولبنان وسواها من الدول.

إلى أن انتشرت "الهيبية" بتنانيرها الطويلة والثياب الفضفاضة في السبعينيات، لكن التنورة القصيرة كانت قد فرضت وجودها، وفي عروض الأزياء أصبح المصممون يراعون ويوازنون بين القصير والطويل والمتوسط في آن واحد، لإرضاء كافة الأذواق والمجتمعات.

الفساتين تقصر وتطول بحسب المجتمعات والثقافات (بيكسابي)

اختلاف الثقافات

تختلف التنورة وشكلها وضيقها وطولها بحسب الثقافات، فمنها القصير والفضفاض والمحتشم. وإذا ما ذهبنا إلى ارتباط العقائد باللباس، نجد أن النساء الملتزمات دينيا يفضلن التنانير الطويلة والفضفاضة التي تغطي كامل الساق.

وتقول مصممة الأزياء اللبنانية ندوى الأعور -للجزيرة نت- إن الموضة هي حدث يتم التعامل معه في كافة جوانب الحياة، وهي تشمل كافة القطاعات، فهي التي تضع الأسس العامة للمجتمع، ولا تقتصر على الملابس فحسب بل تتخطاها إلى قطاعات عدة.

فعندما توضع خطوط الموضة لأي موسم فإننا نرى اعتماد هذه الخطوط والاقتراحات في كافة المجالات، سواء لجهة الأزياء، أو لجهة مستحضرات التجميل وصناعة الأثاث والديكور وغيرها، وعندما تميل الموضة إلى الفساتين القصيرة أو الطويلة، فهي تعطي بذلك حرية الاختيار للمستهلك الذي يقوم بانتقاء ما يتناسب مع شخصيته وبيئته، لذلك فهي مزيج من الموضة وثقافة المجتمعات.

الرياضة والرقص

وتشير ندوى إلى أن موضة الفساتين والتنانير القصيرة بدأت في فترة الستينيات، واشتهرت مع المصممة الإنجليزية ماري كونت والمصمم الفرنسي أندريه كوراج، قائلة إنها عُرفت أولا من خلال الملابس الرياضة وملابس الرقص، حيث اعتبرت الفساتين القصيرة بمثابة ثورة ودعوة إلى التحرر من التقاليد بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت موجهة بالدرجة الأولى للمراهقات.

المصممة اللبنانية ندوى الأعور تنصح بالابتعاد عن التكلف في الإطلالة والمحافظة على الهوية العربية في اللباس (الجزيرة)

اختيار الطول المناسب

وعن تصاميمها، تقول ندوى إنها تطلع على الخطوط الأساسية للموضة، وتقوم بتصميم مجموعتها التي لا تخلو من الفساتين القصيرة أو المتفاوتة الطول، متخذة بعين الاعتبار مراعاة جميع الأذواق، "ولكن بالإجمال أنا ميالة بطبعي إلى الفساتين الطويلة، لأنني أعتقد بأن الخياطة الراقية تبرز بشكل أفضل على الفساتين الطويلة، كما يكون لدي مساحة أكبر أستطيع من خلالها التوسع في التصميم".

ولكي تكون الإطلالة ناجحة، تعتبر ندوى أن على المرأة اختيار ما يتناسب مع المناسبة، ففي المناسبة العائلية الرسمية كالزفاف يفضّل ارتداء الفساتين الطويلة. أما في حفلات الكوكتيل أو الخطوبة فيمكن ارتداء الزي المتوسط الطول، أما أثناء العمل فتقول إن الزي يجب أن يتماشى مع طبيعة المهنة، فيكون بسيطا، ويفضل برأيها أن يكون "تايورا أكثر منه فستانا"، وبكل الأحوال تنصح السيدات بارتداء ما يشعرهن بالراحة والأناقة في ذات الوقت، بعيدا عن الابتذال.

وبالنسبة للأجسام التي يناسبها ارتداء القصير، تقول ندوى إنه مناسب لصاحبات القامات الممشوقة، وعلى عكس القامات القصيرة والممتلئة، فالثوب القصير يقسم الجسم إلى قسمين فيبدو أقصر، بينما الرداء الطويل يعطي مدى أطول، أما إذا كانت السيدة في عمر متقدم، فتنصح بانتقاء ثوب متوسط الطول لكي تستطيع التحرك بسهولة أكثر.

كما تنصح بالابتعاد عن التكلف والمغالاة في الإطلالة، والمحافظة على الهوية العربية من خلال المحافظة على معيار الحشمة في اختيار الملابس عامة.

أما العروس، فتجد أن طلتها لا تكتمل إلا من خلال الفستان الطويل، وتعتبرها أميرة ليوم واحد، لذا عليها اختيار ثوب طويل بطلة ملوكية في رداء لا يمكن ارتداؤه كل يوم، بينما الفستان القصير باستطاعتها ارتداؤه في مناسبات أخرى.


حول هذه القصة

غيرت الحرب العالمية الأولى وأحداثها الفكرة المتداولة عن الموضة والملابس النسائية تحديدا. فعندما انطلق الرجال للقتال، تولت النساء الوظائف التي كان يشغلها الذكور في السابق، وبات عليهن تغيير نمط ملابسهن.

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة