رواء.. مشروع شبان مغاربة يروون ظمأ البشر والشجر في القرى العطشى

فكرة "رواء" ولدت في أذهان هؤلاء الشباب تدريجيا بعد سنوات من العمل الإغاثي والتنموي في المناطق النائية (الجزيرة)
فكرة "رواء" ولدت في أذهان هؤلاء الشباب تدريجيا بعد سنوات من العمل الإغاثي والتنموي في المناطق النائية (الجزيرة)

في كل عطلة يشد المغربيان جلال اعويطا وبهاء الدين المرابطي وأصدقاؤهما الرحال إلى القرى النائية في المغرب ضمن مشروع رواء التطوعي، يتركون منازلهم وأعمالهم ومدنهم، ويتبعون شغفهم في العمل الاجتماعي والإغاثي، فيحفرون الآبار لسكان يفتقرون إلى سر الوجود: الماء.

في تلك القرى البعيدة يتحد الجفاف مع قساوة الطبيعة ليجعل حياة هؤلاء القرويين صعبة، وعوض أن يكون الأطفال في المدارس ينهلون العلم يقطعون الكيلومترات لجلب الماء ليرووا ظمأ أسرهم ويسقوا بهائمهم.

يتشارك المتطوعون مع الأهالي السكن والطعام المحلي، يلاعبون الصغار، ويعيشون لحظات ألفة ولهفة لرؤية الأرض تتفجر ماء، ينغرسون وسط الطين المبلل فرحين مثل الصغار عندما يحصلون على لعبة جديدة.

ولدت فكرة "رواء" في أذهان هؤلاء الشباب تدريجيا بعد سنوات من العمل الإغاثي والتنموي في المناطق النائية، حسب ما أوضح للجزيرة نت المدير التنفيذي للمشروع بهاء الدين المرابطي، وبدأ تنفيذها قبل 3 أشهر.

جلال اعويطا وبهاء الدين المرابطي المشرف على مشروع رواء ومديره التنفيذي على التوالي (الجزيرة)

معايير قبل البدء

يختار المتطوعون القرى المستفيدة من المشروع وفق معايير، أهمها حجم الحاجة، وعدد السكان المتضررين من غياب الماء الصالح للشرب عن بيوتهم، ويتم التنسيق -حسب بهاء الدين- مع شركاء محليين لضمان نجاح واستمرارية المشروع، وأيضا للتأكد من دقة المعطيات والمعلومات المعروضة بخصوص المنطقة المستفيدة.

ومنذ انطلاق المشروع -الذي يعتمد في تمويله على تبرعات المحسنين- حفرت عشرات الآبار لصالح حوالي 9 آلاف مغربي.

ويوضح المشرف العام على "رواء" جلال اعويطا للجزيرة نت أن الأمر لا يتعلق بحفر البئر فقط، بل بمشروع مائي متكامل يتضمن الحفر وبناء الخزان المائي وتركيب المضخات والطاقة الشمسية وتركيب الشبكة المائية وإيصال الماء إلى البيوت، ويكلف كل مشروع مائي ميزانية تتراوح بين 60 ألفا و200 ألف درهم (ما بين 6500 و21 ألف دولار).

عملية الحفر

لا تتم عملية الحفر لإيجاد الماء بشكل عبثي، بل عبر مراحل يشرحها المرابطي للجزيرة نت، فبعد تحديد المنطقة المستهدفة تتم المعاينة ثم دراستها من الناحية الهيدروجيولوجية تحت إشراف متخصصين متطوعين، يحدد مكان الحفر بالاستعانة بمهندسين وتقنيين، ثم يتم التعاقد مع شركة من أجل الحفر، على أن يستكمل التجهيز وبناء الشبكة المائية بعد ذلك بإشراف مباشر من الفرق المحلية.

لا يهدف مشروع رواء لإيصال الماء لمن يحتاجه فقط، يوضح بهاء الدين، بل يشمل كذلك ترسيخ ثقافة التطوع في المجتمع المغربي وإلهام الجمعيات الأخرى لخلق مشاريع مشابهة ليعم الخير المناطق المغربية المحتاجة للتنمية، ويعتقد أن مشكلة الماء في المغرب لن يتم حلها من طرف جهة واحدة، بل يجب تكاتف الجميع من أجل هذه القضية الكبيرة.

ويشهد المغرب تفاوتا في توزيع موارده المائية، وهو واحد من بين 31 بلدا تعاني شح المياه حسب تقرير للبنك الدولي صدر العام الماضي، فيما حذر المجلس الاجتماعي والاقتصادي والبيئي (هيئة استشارية) من هذا التهديد، داعيا الحكومة إلى اتخاذ إجراءات أكثر جدية وصرامة.

وقال المجلس في تقرير رسمي إن الموارد الحالية للمغرب تقدر بنحو 650 مترا مكعبا للفرد سنويا مقابل 2500 متر مكعب سنة 1960، وهو ما يشير إلى نقص في الموارد المائية.

وأمام هذا الوضع، ترأس الملك محمد السادس العام الجاري اجتماعا بشأن "البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي" 2020-2027 باستثمار كلف 115 مليار درهم (حوالي 12 مليار دولار)، فيما وضعت الحكومة المغربية مخططا للفترة 2020-2050 لتنفيذ مشاريع مائية بقيمة 40 مليار دولار، وهو بمثابة خريطة طريق لمواجهة التحديات المائية خلال الـ30 سنة المقبلة.

مشروع رواء غيّر حياة القرويين كما غيّر حياة المتطوعين وأثر فيها (الجزيرة)

لحظات الترقب

لا يمنع الغبار المتطاير من الأرض العطشى خلال الحفر، ولا هدير الآلات المزعج، ولا الشمس الحارقة المتطوعين والأهالي من تتبع تفاصيل عملية التنقيب عن الماء، فهم يحرصون على البقاء في مكان الحفر في حالة ترقب وانتظار ليعيشوا اللحظات الأولى لانبجاس أولى القطرات.

قد تستمر العملية يوما أو يومين، نهارا أو ليلا، تختلط خلالها المشاعر بين اليأس والأمل، وتتلاحق لحظات ترقب وانتظار ولادة جديدة لا يدرك قيمتها ومعناها إلا سكان القرى العطشى الذين حوّل الجفاف وندرة الماء أراضيهم إلى قفار، وأيضا المتطوعون الذين يأملون ألا يعودوا خائبين ولا ينتهي البحث دون إسعاد الأهالي وتحقيق حلمهم في إيجاد سر الحياة.

وبمجرد ما يمتزج التراب بالبلل تنتعش الآمال وتسري السعادة بين الأهالي والمتطوعين "لقد فعلناها.. ظهر الماء" يتقافز الصغار فرحا، ويتعانق الكبار بشدة وتنتشر شرارة الإنجاز بين الجميع، حتى الشيوخ يتخلصون من وقارهم ويسرعون نحو مكان الحفر لاشتمام رائحة التراب المبلل بالماء وتطهير نفوسهم.

ويشبّه المشرف العام على المشروع جلال اعويطا حالتهم وهم ينتظرون ظهور الماء كحالة أم تنتظر ابنا غائبا عزيزا من عشرات السنين، ففي نظره الماء أعز مفقود وأعظم موجود، لذلك تختلط المشاعر حين ظهوره بين الدموع والفرحة.

منذ انطلاق المشروع الذي يعتمد في تمويله على تبرعات المحسنين حفرت عشرات الآبار لصالح حوالي 9 آلاف مغربي (الجزيرة)

علاقة وطيدة

علاقة المتطوعين بالسكان المحليين ليست وليدة هذا المشروع، فقد أصبحوا جزءا من عائلة كبيرة ممتدة، يحسون بمعاناتهم ويفرحون لفرحهم ويحزنون لحزنهم، لذلك يهبّون لمساعدتهم وتسهيل حياتهم قدر المستطاع.

و"رواء" هو واحد من المشاريع التنموية والإغاثية التي يشرف عليها جلال وبهاء الدين وغيرهما من الشباب، والتي تهتم بدعم الأسر المعوزة والأرامل وتعليم الأيتام في القرى ودعم قطاعات التعليم والصحة، وقد توطدت العلاقة أكثر مع القرويين بفضل "رواء" الذي ساهم في حل أهم مشكلة تعانيها هذه المناطق والمرتبطة بالماء.

يقول جلال اعويطا للجزيرة نت إن "رواء" غيّر حياة القرويين، كما غيّر حياة المتطوعين وأثر فيها، فالفرق بين وجود الماء وعدم وجوده كالفرق بين الحياة والموت، وقد جعله هذا المشروع وأصدقاءه يستشعرون النعم المحيطة بهم ويدركون مسؤوليتهم في إعانة الناس.

وبالنسبة لجلال، فإن النجاح في الحياة يقاس بما يقدمه الإنسان للآخرين، ومشهد الفرح على وجوه السكان بعد رفع الضرر عنهم لا تتسع الكلمات لوصفه، ولا الصور للتعبير عنه.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة