شاهد.. كفيف عراقي يتقن صيانة الدراجات النارية ويتفوق على إعاقته

أصابعه كجهاز خاص لمعرفة أحجام التروس والمفكات، وحواسه يستعين بها لتمييز روائح الأبخرة المنبعثة وأصوات المحركات عند تشغيلها. حوّل باحة منزل عائلته إلى ورشة لتصليح الدراجات النارية، مستقبلا زبائنه فيها، ذلك عقيل الهاشمي (38 عاما) ابن محافظة ميسان (جنوبي شرق العراق) الذي فقد بصره وهو ابن 20 عاما بسبب مرض وراثي.

انتفض الهاشمي على عالمه الخاص ودخل مضمار العمل المهني محاولا تغيير انطباع العامة عن ذوي الاحتياجات الخاصة.

الهاشمي أثناء صيانته دراجة نارية (الجزيرة نت)

وفي حديث للجزيرة نت، قال الهاشمي إنه يعمل منذ عامين في صيانة الدراجات النارية، وله زبائن يقصدونه، موضحا أنه يتلقى أجورا معقولة يستطيع من خلالها تلبية بعض احتياجاته، في ظل ضعف الراتب الشهري الذي يتلقاه كإعانة من الحكومة لكونه كفيفا.

ولع الهاشمي بالصيانة دفعه لصيانة المولدات الكهربائية والسيارات ومد أنابيب الماء، وقد حاول تدريب مكفوفي مدينته على مهنته، في مبادرة منه لمساعدتهم.

يقول حسين ابن أخت الهاشمي الملازم له في تقديم المساعدة أثناء عمله "تعلمت الكثير منه وغالبا ما يرشدني إلى أشياء لم أكن أعرفها"، ويضيف أن خاله يستطيع -رغم فقدان البصر- معرفة الأجزاء الصغيرة في الدراجة، ويطلب منه أدوات ومفكات محددة خلال عمله، لافتا إلى أنه يطلب منه أحيانا البحث عن قطع صغيرة سقطت على الأرض، أو يذكر ألوان بعض القطع التي يبحث عنها.

حسين (يسار) يقول إنه تعلم الكثير من خاله في صيانة الدراجات النارية (الجزيرة نت)

مواقف

وكان الهاشمي قبل أن يفتح ورشته الخاصة في بيته، قد عمل أول الأمر في إحدى ورش التصليح في ميسان، إلا أن صاحب الورشة اضطر لطرده بسبب تهكم بعض الزبائن لاستعانته بعامل أعمى.

وخلال إعداد تقرير الجزيرة نت هذا، كان من اللافت قدرة الهاشمي على التعرف إلى قيمة العملات النقدية التي يتقاضاها مقابل الصيانة عبر برنامج خاص على هاتفه النقال، والذي يجيد استخدامه ويتواصل عبره مع العديد من أصدقائه، ويقول بهذا الصدد إنه تعرض عدة مرات للغش من خلال نقود مزيفة، فرغم قدرته على تمييز مقدار العملة إلا أنه لا يستطيع معرفة إن كانت مزيفة.

ومن المواقف التي ذكرها الهاشمي، أن شخصا قدم إليه في أحد الأيام يريد إصلاح سيارته، وبعد الانتهاء من ذلك بادره بالسؤال: هل عرفتني؟، "فأجبته على الفور نعم أنت من تهكمت عليّ أمام صاحب الورشة وتسببت بطردي وقطع رزقي"، فأعرب الرجل عن استغرابه كيف عرفه، "فأجبته يكفيني سماع الصوت مرة واحدة ولن أنساه للأبد".

الحلفي اعتبر أن ذوي الاحتياجات الخاصة من الرياضيين الذين حققوا إنجازات ما زالوا يعانون الإهمال (الجزيرة نت)

نماذج أخرى

لم يكن الهاشمي الحالة الوحيدة من ذوي الاحتياجات الخاصة التي ولجت عالم الكدح والعمل لتحصيل لقمة العيش، فهناك الكثيرون ممن خاضوا تجارب مشابهة.

إسماعيل ثامر مدير قسم شؤون المواطنين التابع لمجلس الوزراء، يقول إن قلة الإعانات الشهرية التي يتقاضاها ذوو الاحتياجات الخاصة دفعت بالكثير منهم للعمل بمهن وأعمال مختلفة، وغالبا ما ترد شكاوى بهذا الشأن، ورغم المحاولات الكثيرة التي قامت بها بعض المنظمات المجتمعية والمؤسسات الحكومية لمساعدتهم، فإنها لا تفي بالغرض، وما زالت شريحة كبيرة من ذوي الاحتياجات الخاصة تعاني من التهميش وقلة المرتبات المقدمة لهم.

الهاشمي خلال صيانته دراجة نارية في باحة منزله (الجزيرة نت)

الكاتب الرياضي أحمد الحلفي صاحب كتاب "أصحاب التحدي" الذي أورد فيه الإنجازات والبطولات التي حققها ذوو الاحتياجات الخاصة من محافظة ميسان بالتحديد، يقول "على الرغم من تحقيق أبطال البارالمبية -وهي ثاني أكبر حدث دولي متعدد الرياضات، يشارك فيه رياضيون بدرجات إعاقة متفاوتة- من أبناء محافظة ميسان إنجازات وبطولات دولية و قارية، فإنهم ما زالوا يعانون الإهمال، وعلى سبيل المثال لا الحصر: البطل حسين دويح صاحب ذهبية بطولة أوروبا المفتوحة لرفع الأثقال، ومحطم 3 أرقام قياسية فيها، ما زال يعمل بمهن مختلفة من أجل تحصيل لقمة العيش".

ويتابع الحلفي أن معظم الرياضيين من ذوي الاحتياجات يواجهون الإهمال، وضرب مثالا على ذلك أبطال منتخب الطائرة من ذوي الاحتياجات الذين شاركوا في أكثر من 20 بطولة دولية، وحققوا خلالها ألقابا عربية وآسيوية وعالمية، وأبطال رفع الأثقال من الشباب الذين حققوا ذهبية العالم وآسيا العام الماضي، وأبطال لعبة كرة السلة على الكراسي، ولعبة المنضدة والساحة والميدان وكرة القدم.

ويضيف الحلفي أنه على الرغم من الكم الهائل من المنجز الرياضي الذي حققه ذوو الاحتياجات الخاصة، فإن الكثير منهم -بسبب الحاجة- يمتهنون مهنا لا تليق بإنجازاتهم التي حققوها في مختلف البطولات.

وختم حديثه بالقول: لم تكن الحالة المادية المشكلة الوحيدة التي يعاني منها ذوو الاحتياجات الخاصة، بل صحبتها النظرة القاصرة من المجتمع والتي تعتبره إنسانا لا يستطيع إدارة شؤونه.

ولفت الهاشمي وأصدقاء له مكفوفون إلى أن من أبرز ما يعانونه هو عدم قبولهم من قبل معظم الأسر التي يتقدمون لخطبة بناتهم، وذلك على الرغم من قدرتهم على إدارة أمورهم.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة