الحرب على الجمال.. لماذا أصبحت العمارة الحديثة وجها قبيحا لحياتنا؟

الحداثة أصبحت قبيحة لتجاهلها التعبير عن الجمال، الذي هو ضرورة بقدر ضرورة الجدران والأسقف والأبواب (مواقع التواصل الاجتماعي)
الحداثة أصبحت قبيحة لتجاهلها التعبير عن الجمال، الذي هو ضرورة بقدر ضرورة الجدران والأسقف والأبواب (مواقع التواصل الاجتماعي)

أحد أهم التعميمات التي يمكن أن نطلقها على العالم الحديث، هو أنه عالم قبيح بدرجة غير عادية، إذ لا يمكن لأحد أن يقول إن العالم اليوم أجمل من الماضي. يمكن أن يكون عالم اليوم أكثر تطورا وتقدما لكنه بالتأكيد أكثر فوضوية من الماضي، ولهذا التحول عدة أسباب.

الحرب على الجمال

منذ بداية ظهور العمارة، كان من المفهوم أن مهمة المهندس المعماري، ليست فقط جعل المبنى صالحا للخدمة، ولكن أيضا جعله جميلا. وباسم الجمال يضيف المهندس المعماري مجموعة من البلاط الملون فوق النوافذ، أو خطا من الزهور المنحوتة فوق الباب. يحاول تنسيق النوافذ والواجهات الأمامية، حتى لو كان المبنى عمليا مثل جسر أو قناة مائية، فإن المهندسين المعماريين يسعون لمنحه مظهرا جميلا إلى أقصى حد.

أدرك الرومان أن أسوار ضخ المياه يمكن أن تكون جميلة مثل معبد. وشعر الفيكتوريون الأوائل أنه حتى المصنع يمكن أن يكون له بعض الخصائص الجمالية لمنزل ريفي أنيق، وعرف أهل ميلانو أن أماكن التسوق يمكن أن تتحلى أيضا بالجمال.

مع التقدم العمراني في العصر الحديث، أصبحت كلمة الجمال من المحرمات، وبدأ مهندسو الحركات المعمارية الحديثة في شن حرب على ما وصفوه بالتبذير والمبالغة في التجميل.

في مقال بعنوان "جريمة الزخرفة" أشار المعماري النمساوي الحداثي "أدولف لوس" إلى أن تزيين مبنى بأي شيء جميل يعد خطيئة ضد جوهر الهندسة المعمارية، والتي أعاد تعريفها بمصطلحات وظيفية بحتة، كما اعتبر أن المباني غير المزخرفة هي المباني الصادقة، وأن كل أفكار الجمال تعد خيانة للمهمة الجوهرية للهندسة المعمارية التي اعتبر مهمتها تشكيل مبانٍ تشكل الغرض المادي الأساسي للبناء.

مستشفى قديم في برشلونة (مواقع التواصل الاجتماعي)

أعجب مطورو العقارات بفكرة التخلي عن الجمال، ولم يعد أيا منهم مضطرا لدفع مبالغ مالية كبيرة مقابل أي شيء يتعلق بالجمال، ما منح الفكرة ختم الموافقة العقلانية، وما بدأ كفكرة معمارية متخصصة، أصبح مبررا لبناء ضواحي شاسعة ومناطق خالية من أي مظهر من مظاهر الجمال، وبدأ التحول إلى العمارة التي تشبه الصناديق غير الآدمية.

ويبدو أن المعماريين الحداثيين لم يكونوا متفقين تماما بشأن فكرة التخلي الكامل عن الجمال مقابل الوظيفة، فظهر معارضون لتلك الفكرة -منهم المعماري الحداثي السويسري لو كوربوزييه، والمعماري الألماني لودفيغ فان دير روه- حيث أكدوا ضرورة الاهتمام بالسحر البصري الجمالي مثل أسلافهم القدماء، حتى بعد أن أرادوا تقديم أنفسهم على أنهم معماريون صارمون.

لكن حبهم للفن والجمال ظل باقيا، ويعد هذا أهم الاختلافات بينهم وبين مطوري العقارات والعمارة من بعدهم الذين اعتبروا مفهوم الجمال مفهوما قديما ونخبويا، وغدت الحداثة قبيحة لأنها نسيت كيفية التعبير عن الجمال، الذي هو ضرورة بقدر ضرورة الجدران والأسقف والأبواب.

مستشفى حديث في برشلونة (مواقع التواصل الاجتماعي)

لا يوجد تعريف للجمال

في عالم ما قبل الحداثة، كانت هناك قواعد جمالية مطبقة على نطاق واسع، في الفن والعمارة. دونت هذه القواعد في مدرسة فنية قديمة تعرف بالكلاسيكية، أنشأها الإغريق وطورها الرومان، وحددت الكلاسيكية ما يجب أن يكون عليه الفن والجمال لأكثر من 1500 عام، وكانت العمارة الكلاسيكية موجودة ومؤسسة بالكامل في العالم الغربي.

مع الوقت ظهرت درجة من الخلاف تدريجيا، وبدأ البعض في تقديم أنماط أخرى، مثل العمارة القوطية في العصور الوسطى، والعمارة الصينية، والعمارة الإسلامية وعمارة جبال الألب وتايلند.

وتباينت أنواع المباني وظهرت معها نقاشات حول أفضل طرق البناء. وبمرور الوقت أدرك الجميع أنه فيما يتعلق بالذوق البصري، لا يمكن لأحد أن يفوز حقا في ذلك الجدل، فكل الأذواق تستحق النظر إليها بعين الاعتبار، ولم يعد هناك معيار موضوعي للقياس إليه.

بعد ذلك التحول ومع ظهور الحداثة، تلاشى معنى القبح، وظهر معنى جديد هو الذوق الشخصي، ولم يُسمح لأحد بأن يصف مبنى بأنه قبيح، فما يعجبك أنت ربما لا يعجب غيرك والعكس صحيح، وأصبحت المدن أقبح من أي وقت مضى، وغدا كل شيء مسموحا طبقا للذوق الشخصي.

أهمية الرؤية الشخصية

في أوائل القرن العشرين برزت فكرة جديدة، وهي أن المهندس المعماري فرد مميز، ويجب أن تكون له رؤيته الشخصية الفريدة، وخياله الذي يجب أن يعبر عنه في مبانيه من أجل إرضاء روحه الإبداعية. لقد كان ذلك بمثابة تحرر لبعض المهندسين المعماريين، ولكن المجتمع بالكامل دفع ثمنا لتنامي ظاهرة الإبداع الفردي.

مبنى حديث في نيويورك (مواقع التواصل الاجتماعي)

فجأة بدأ المهندسون المعماريون في التنافس على إنشاء أكثر الأشكال المعمارية غرابة وصدمة، في محاولات لإثبات الفردية والتميز، وتلاشت القواعد الهندسية والتناغم بين المباني والرؤية العامة المتكاملة للعمران الهندسي.

وأصبح العالم قبيحا للغاية لأن الجميع تناسى أن الاهتمام بالمجال البصري ليس مجرد ترف للنخبة، ولكن في بيئة متدهورة أصبح مزاج الجميع متدهورا داخل المباني الخاصة بالعمل أو الخاصة بالسكن.

لم تحترم الحداثة المشاعر الإنسانية، وتخيل الجميع أنه طالما لم يسرب السقف، وطالما هناك باب مغلق يمكننا أن نسكن بين المباني ذات القبح غير المسبوق ولا نفقد إرادتنا في الحياة.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة