بالفيديو: الشيخ التسعيني جلامنة.. موثق أفراح وأتراح قريته برقين

بهيبة ووقار يسير متكئا على عصاه وقد تأبط حقيبة سوداء ظلت لعقود رفيقته وحافظة أسراره، ويتنقل وقد هدّه المرض بين حجرات المنزل وشرفته، حيث يجلس الشيخ سعيد جلامنة ليتبادل مع زوجته العجوز أطراف الحديث أو يقرأ ورده اليومي من القرآن والمطالعة.

دخل الشيخ عقده التاسع ولما ينضب معينه ثقافةَ وعلما بعد مسيرة جاب عبرها مدنا وقرى فلسطينية شمالا وجنوبا إما معلما أو مأذونا شرعيا أو موثقا لوفيات قريته برقين قرب مدينة جنين شمال الضفة الضفة الغربية.

مشهد من قرية برقين قرب مدينة جنين شمال الضفة الغربية (الجزيرة)

المعلم مأذون

بين مدن يافا وجنين وقريته برقين، تلقى جلامنة تعليمه الابتدائي والثانوي، وفيها عُيِّن معلما للرياضيات بعد تخرجه من الصف الخامس ثانوي (11 الآن) لأكثر من 30 عاما، وقبيل تقاعده من سلك التعليم عام 1987 اختاره سفيان الخالدي قاضي محكمة جنين الشرعية آنذاك مأذونا شرعيا، فعمل لسنة كاملة في مخيم المدينة قبل أن يُنقل لبلدته برقين.

وليس عبثا اختير جلامنة ليكون مأذونا، فسعة إطلاعه وعلمه وإبداعه في الخط والعلم الشرعي، الذي اكتسبه وهو في سن كبيرة من كلية الشريعة بمدينة الخليل جنوب الضفة الغربية أواخر سبعينيات القرن الماضي، أهَّلته لذلك.

حبس الشيخ جلامنة أنفاسه وهو يسرد قصته في جامعته التي انسحب منها وهو في سنته الثالثة، وأعادنا بذاكرته للوراء ليقول للجزيرة نت "رفضوا إعفائي من القسط الجامعي للسنة الرابعة حيث كان وضعي المادي صعبا، لأن الإعفاء لم يكن إلا للمتفوق الأول وأنا كنت الثاني".

لم يبد الشيخ جلامنة أسفا على ترك الكلية وهو يستعرض درجات تفوقه التي أهلته ليعلم الشريعة ويبرم عقود الزواج، فضلا عن أن وظيفته أساسا كمعلم.

حقيبة الأسرار

كل تاريخ الشيخ جلامنة كان حاضرا في حقيبته، دفاتره وشهاداته المدرسية والجامعية وكتب تعيينه في وظائفه، كلها مرتبة في مكانها وبسهولة تصل إليها يداه، حتى امتحانه في اللغة العربية عام 1952 وهو في الصف السابع لم تزل عباراته بلونها الرصاصي وتصحيح المعلم باللون الأحمر تحكي جمال النص ونجاعة الشيخ.

يحكي الشيخ قصة دفاتر عمرها فوق 30 عاما خصصها لتوثيق عملية تسليم العقود لأصحابها "تجنبا لأية أخطاء"، ويُقلِّب بيديه النحيلتين صفحاتها وهو يحدثنا عن أغرب قصة عقد قران حدثت معه قائلا "عقدنا ذات مساء لشاب ولم تكد تشرق شمس اليوم التالي حتى جاء والد الفتاة يريد طلاقها".

وكان يرفض أخذ أية أموال زائدة (الإكرامية) عن الرسوم المقررة، ويكتفي بحبة حلوى واحدة "كأي مدعو آخر"، حتى إن أحد الأزواج جاء بهدية لبيت الشيخ وهي علبة حلوى فاخرة فأعادها معه.

والمأذونية في فلسطين لها رونقها، إذ يُكلَّف شيخ الجامع أو موظف بوزارة الأوقاف في منطقة محددة بعقد القران للأزواج في منازلهم، ويحضر رفقة أهل الزوج الذين يتكفلون بدفع رسوم العقد.

شهادة الحاج جلامنة حيث تظهر أنه كان متفوقا وكانت الضفة الغربية وقتها جزءا من الأردن (الجزيرة)

توثيق الوفيات

وهو على حاله في توثيق عقود الزواج، دار في خلد الشيخ جلامنة عمل آخر ينفع الناس به، إذ همَّ مطلع تسعينيات القرن الماضي بتوثيق الوفيات في قريته أيضا، ويقول وقد راح يُخرج وثائق خاصة من صندوق حديدي قديم برتقالي اللون كتب عليه "صنع في ألمانيا" إن تسجيل الوفيات مهم مثل توثيق العقود، "وكل ذلك بغرض التعريف".

ويساعده في التوثيق نعي المتوفى عبر مكبرات الصوت في المساجد باسمه الكامل، فضلا عن قرب منزله من المقبرة ومشاركته في الجنازة وتقديم واجب العزاء، وإن غُمَّ الأمر عليه تسعفه زوجته الحاجة رابعة، فسمعها أفضل منه، كما تقول، كما تجري اتصالاتها مع أناس ثقات لتتحقق أكثر.

وبعد الاسم، يوثق وقت الوفاة صباحا أو مساء أو بينهما، وسببها إن كان طبيعيا أو نتيجة لحادث أو مرض عضال أو غيرهما، والتسجيل يكون بالتاريخ الميلادي والهجري مع وصف لحالة الميت إن كان أرمل أو أعزب.

كما يقتصر التسجيل على المقيمين داخل القرية بالدرجة الأولى ومواليدها المتوفين في الخارج وأقارب الشيخ جلامنة و"الأعزاء" عليه من خارج القرية.

كتاب تعيين الشيخ جلامنة مأذونا شرعيا (الجزيرة)

توثيق "الفرح والترح"

وتميز تدوين جلامنة الذي جمع بين نقيضين "الفرح والترح"، بالترتيب وجمال الخط الذي تجلَّت فيه صور الإبداع وتنوع بين النسخ والرقعة والفارسي، مما يضفي سلاسة وسهولة في القراءة ومراجعة المعلومات المدونة.

ساقنا كتاب "وصايا الرسول" عليه السلام الموضوعُ فوق منضدة صغيرة لسؤال الشيخ عما إذا كانت من محبي القراءة، فرد قائلا إن القراءة ديدنه وخاصة في العلوم الشرعية.

وأكمل مشيرا بيده إلى الواجهة الأمامية من غرفة الجلوس حيث مكتبته المتواضعة التي تزخر بعشرات الكتب، "قرأت كل تلك الكتب، وبعضها مرتين".

قرب مقبرة قرية برقين من منزل الشيخ جلامنة ساعده في التوثيق (الجزيرة)

توثيق اجتماعي

في برقين سبق أن سجَّل الباحث في توثيق التاريخ الشفوي عبد الباسط خلف الأموات بين عامي 1982 و1992، وهي الفترة التي استكمل فيها الشيخ جلامنة المهمة دون أن يعلم.

وهي مهمة ليست عادية و"توثيق اجتماعي وإنساني مهم"، بوصف الباحث خلف وإن تأخر اكتشاف ذلك، ويقول إن تلك السجلات تشكّل مرجعا للأجيال لمعرفة تواريخ وفاة أقاربهم لأهداف مادية كعمل حصر إرث لهم أو نقشها على قبورهم أو حتى استذكار ذكراهم السنوية.

يردف خلف بأن اعتقال الاحتلال الإسرائيلي له عام 1992 حال دون إكمال المهمة، ويضيف أنه رفد الشيخ جلامنة بما وثقه سابقا وهو يبحث الآن عن سجل لأموت قريته قيل له إنه عند أحدهم وفيه توثيق لعامي 1950 و1970.

تجاوز المتوفون في دفتر الشيخ الجلامنة 890 اسما وقعت 71 صفحة في دفتره، وفاجأنا بأنه دوّن وزوجته وصيتهما، وأنه ينشغل بالبحث عمن يحمل هذه "الأمانة" وهذا الإرث ويأخذ على عاتقه تسجيل الوفيات بعده.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

في مخيم بلاطة، وباقي المخيمات؛ تلتقي سرديات التطريز بتفاصيلها الدقيقة لتشكل لوحة فسيفسائية متناسقة حفّزت المؤسسات الأهلية فيه لاستغلال بطالة النساء وخلق حلقة وصل مع بلدانهن الأصلية عبر التطريز.

أطلق المهندس والباحث بالتراث النابلسي والفلسطيني مهند الرابي كتاب “نابلس وبلاطها الملون”، وهو كتاب نوعي وحديث ويتناول البلاط الملون صغير الحجم المستخدم في أبنية نابلسية والنقوشات التراثية عليه.

المزيد من أرشفة وتوثيق
الأكثر قراءة