قطاف الزيتون وعصره.. ضيف خريفي محبوب في لبنان

في منتصف الخريف يفرض قطاف الزيتون نفسه على القرى اللبنانية ضيفا سنويا محببا ومنتظرا.

ينتظر الحاج الثمانيني أبو نايف كريم -من بلدة خربة سلم في جنوب لبنان- بفارغ الصبر موسم القطاف، ويروي للجزيرة نت قصة 40 عاما من "مسؤولية" الزيتون، كان قبلها يساعد والدته، ثم استلم المهمة وحده منذ عام 1980.

المعصرة القديمة

وفي تعابير الحاج كريم مفردات القرى القديمة، من أسماء ووحدات قياس ومعدات. فـ"الهئة" تعني 6 أوقيات أو 1200 غرام وتستخدم لقياس الزيت، وهي عبارة عن وعاء أو "طاسة" من المعدن، و"المد" عبارة عن 12 كيلوغراما من الزيتون، و"التنكة" 16 كيلو زيت.

ويروي الحاج أنه كان يقطف وحده يوميا 5 أمداد أي نحو 60 كيلو غراما من الزيتون. ويبدأ نهاره عند السابعة صباحا، وتكون استراحة الظهيرة عند الـ11 قبل الظهر، ليكمل يومه المثمر عند السادسة مساء.

ويقول إنه قديما أيام والدته كان بعض الناس ينقلون الزيتون إلى المعصرة على الدواب أي على ظهر الحمير، وكانت المعصرة تبعد نحو 20 كيلومترا، وتعمل يدويا "كان الرجال الأشداء يهرسون الزيتون بالحجر الكبير ذهابا وإيابا، ثم يفرش الزيتون المهروس على صينية من القش، وتكرر العملية وتجمع الصواني فوق بعضها البعض وترصّ، ويكبسها الرجال الأقوياء لتعصر الزيتون في جرن كبير".

الحاج أبو نايف كريم يروي للجزيرة نت قصة 40 عاما من "مسؤولية" الزيتون (الجزيرة)

في هذا الجرن يطفو الزيت على السطح، ويهبط الماء إلى أسفله، وتبدأ عملية جمع الزيت بمكيال "الهئة" حتى الوصول إلى الماء، وتحتاج العملية لساعات طويلة حسب الكمية، أما انتظار الحصول على الدور فقد يستغرق 20 يوما بسبب بطء عملية العصر اليدوية.

كان ذلك الزمن -حسب الحاج كريم- زمن العون والمساعدة، فكان الجيران يجتمعون في كل صغيرة وكبيرة، فكيف في موسم القطاف؟ وكانوا يقضون نهارهم بالعتابا والميجانا التي نسيها تماما الحاج بعد أن أصبح كل يقطف زيتونه وحده أو يوظف عمالا.

أما الاستراحة فكانت عبارة عن تناول "الزوادة"، وتكون عادة طعاما بسيطا لا يفسد بسرعة، مثل المجدرة "البرغل والعدس" أو "الأرز والعدس"، والبليلة أي البرغل المبلول باللبن.

منذ سنوات والحاج أبو نايف يقطف زيتونه بمساعدة الأولاد والأحفاد (الجزيرة)

قطاف اليوم

منذ سنوات والحاج يقطف زيتونه بمساعدة الأولاد والأحفاد، يجتمعون كل موسم ويشرف على جميع مراحل القطاف.

ينظف الأرض تحت الأشجار، ويفرش القماش عليها، ويبدأ بشجرة تلو الأخرى، وإذا استلم أحد أفراد العائلة زمام شجرة أخرى، فعينا أبو نايف تلاحقها. ولا يقبل أبدا استخدام العصا لضرب الحبات العالية حتى لا تتكسر الأغصان، فهو يتعامل مع شجراته بكل حب واهتمام. يضع السلم الخشبي، وتراه يلتقط الحبات العالية برفق العارف، متفاديا أن يكسر "طربون" الشجرة أي نهاية الغصن.

وعند انتهاء مدة القطاف كل يوم يجمع الحبوب في أكياس، ثم يأخذها إلى مكان واسع يفرشها، ويوجه إليها المروحة أو "فرد الهواء" حتى تتطاير الأوراق والقش وتبقى الحبوب وحدها تنتظر يوم العصر.

أبو نايف يلتقط حبات الزيتون العالية برفق العارف متفاديا أن يكسر نهاية الغصن (الجزيرة)

زيت وزيتون

ويرى أبو نايف أن الوقت الأمثل للبدء بعملية كبس أو تمليح الزيتون هو أول الخريف، ومع هذا فهو يختار مع أفراد العائلة أثناء القطف أحيانا الحبات الجيدة والكبيرة لرصّ الزيتون في مرطبانات زجاجية.

لكن هدفه الأسمى في هذه العملية هو الزيت، ويشير إلى أن الزيتون الأسود ينتج الزيت الذهبي اللون، أما الأخضر فينتج الزيت المعروف بالخضير، ولونه مائل للخضرة.

ويقول إن كل 5 أو 6 أمداد من الزيتون تعطي تنكة زيت، حسب نوع الزيتون والموسم. ولم يكن راضيا جدا هذا العام عن محصوله، فقد أنتج 8 تنكات ونصف من الزيت، في حين كان إنتاج العام الماضي أكثر من 12 تنكة. ويخبر أن في معصرة شعبان وهي معصرة القرية الحديثة، كان الحديث يدور عن عدم رضا المزارعين عن الموسم بسبب شحّه العام الحالي.

طرق مختلفة للتعامل مع كل من الزيتون الأسود والزيتون الأخضر (الجزيرة)

مؤونة الشتاء

وعن الزيتون فتقول إلهام جبيلي، إنها فرحت هذا العام لأنها استطاعت قطف زيتونها رغم أن الكمية كانت قليلة (نحو 30 كيلو غراما).

أما كيف تحضّر الزيتون لمؤونة الشتاء، فلديها طرق عدة، فالزيتون الأسود تكبسه بيدها وتضع عليه الملح الخشن وتقلبه يومين، ثم تضعه في مرطبان زجاجي وتضيف زيت الزيتون البكر إليه.

والزيتون الأخضر تدقّه، ثم تضع الماء والملح "فوشة البيضة" أي إنها تضيف الملح الخشن إلى الماء حتى تطفو بيضة الدجاجة النيئة فيكون المقدار سليما، ثم تضع الزيتون مع الفلفل الأخضر أو الأحمر الحار وقطع من الحامض بقشره، وتقفل المرطبان.

وتقول إن البعض يجرح الزيتون بالسكين ليعطي شكلا جماليا بدل دقّه، وتذكر إلهام أن هناك طرقا عديدة لكبس الزيتون، فالبعض ينقعه بالكلس ليكون مقرمشا، والبعض ينزع منه البذور ويحشوه بالفلفل أو الأعشاب.

إلهام جبيلي تلتقط حبات الزيتون العالية (الجزيرة)

آلة القطف والمعصرة

يقول الحاج أبو نايف إنه منذ العام الماضي يستعين بآلة لقطف الزيتون، ورغم أنها تكثر من تساقط الأوراق فوق الحبوب، إلا أنها تختصر مدة القطف. ففي حين كان يحتاج 10 أيام أو أسبوعين لقطاف محصوله، فإن هذه الآلة تقطفه بيومين.

وعن المعصرة الحديثة التي أصبحت موجودة في معظم القرى يقول إنها تفعل كل شي بأقل من ساعة من الزمن، من غسل الزيتون إلى طحنه، وعصر الزيت والتخلص من الماء و"الجفت" أي بقايا الزيتون.

البعورة

يرى الحاج أبو نايف أنه حتى لو اجتمع 20 رجلا على قطاف شجرة فإن ثمر الزيتون يبقى بها وكأنها بركة، ويفتخر أنه غالبا لا يبقي وراءه أكثر من كيلو زيتون في كل شجرة. ويخبر عن عادة معروفة تسمى "البعورة"، فعندما ينتهي الناس من قطف أشجارهم يأتي "المبعورون" وهم الذين يقطفون ما تبقى على الأشجار من زيتون من أجل رصّه أو استخراج الزيت منه.

ويأتون عادة من دون إذن وكأنه عُرْف، ويستخلصون مؤونتهم، والبعض يبيع من هذا الزيتون أو من الزيت، وبعض المبعورين يحصلون على 3 تنكات زيت.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة