معلمو اليمن.. أجور متدنية تدفعهم للأعمال الشاقة لتأمين قوتهم

المعلم ناصر غازي يجمع الحصى لبيعه، فراتبه الشهري يعادل 40 دولارا ولا يغطي تكاليف أسرته المكونة من 9 أطفال (الجزيرة)
المعلم ناصر غازي يجمع الحصى لبيعه، فراتبه الشهري يعادل 40 دولارا ولا يغطي تكاليف أسرته المكونة من 9 أطفال (الجزيرة)

مر يوم المعلم (الذي احتفل به العالم في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول الجاري) بلا مذاق عند أستاذ اللغة العربية ناصر غازي (38 عاما) في مدرسة للتعليم الأساسي شمال لحج (جنوب شرق العاصمة اليمنية صنعاء)، حينها كان مع ولده الأصغر في أحد الأودية لجمع الحصى من أجل بيعها بعد أيام لصناعة البلك (الطوب)، بمبلغ لا يتعدى 8 دولارات فقط.

الراتب 40 دولارا

ويقول ناصر غازي، الذي نال درجته الوظيفية عقب الإطاحة بالرئيس صالح في 2011، إنه انتظر 14عاما من دون وظيفة حتى نالها في يناير/كانون الثاني 2012، وكانت أحلامه كبيرة، بيد أن هذا الطموح تلاشى مع مرور السنوات؛ إذ إنه يتقاضى مرتبا يعادل 40 دولارا شهريا، ولا يغطي أدنى تكاليف أسرته المكونة من 9 أطفال.

وهو الأمر الذي جعله يفكر كثيرا في ترك التدريس، حيث لا يستطيع توفير مصاريف الدراسة لأطفاله، أو حتى متطلبات الدراسة.

أعمال شاقة

ويضيف غازي أنه يعمل في الأعمال الشاقة كي يتمكن من توفير بعض احتياجات منزله، حيث فشلت الوظيفة في توفيرها. ويعمل أحيانا في صناعة "البلك" عند مالك أحد المصانع من أجل الحصول على 3 دولارات فقط يوميا، ليتمكن من توفير بعض الاحتياجات المنزلية اليومية، وإن كان العمل شاقا لكنه لا يوجد خيار غير ذلك.

ويتابع أنه في بعض الأيام يقوم بجمع الحصى على مدى 5 أيام، وبيعه بـ8 دولارات، مؤكدا أن هذه الأعمال الشاقة لم يكن يخطر في خياله أنه سيشتغلها في سن متقدمة، وفي وقت لم يعملها قبل توظيفه في التربية والتعليم.

المعلم غازي ويساعده ولده في جمع الحصى لزيادة دخله ليؤمن قوت أسرته (الجزيرة)

انهيار التعليم

وفي اليوم العالمي للمعلم، دعا صندوق التعليم والشراكة العالمية من أجل التعليم واليونسكو واليونيسيف إلى استئناف دفع رواتب ما يقارب نصف المعلمين اليمنيين والموظفين في المدارس (يقدر عددهم بـ160 ألفا) والذين لم يقبضوا رواتبهم بشكل منتظم منذ عام 2016.

ومع تعليق دفع الرواتب وتعرض المدارس للهجوم باستمرار؛ اضطر العديد من المعلمين لإيجاد مصادر بديلة للدخل لإعالة أسرهم. ومن المرجح أن يؤدي المزيد من التأخير في دفع رواتب المعلمين إلى الانهيار التام لقطاع التعليم والتأثير على ملايين الأطفال اليمنيين، خاصة الفئات الأكثر تهميشا.

ولم يكن أمام مدير مدرسة التربية للتعليم الأساسي بباب المندب عقيل علي عبد الرحيم خيار سوى البحث عن مصدر آخر للدخل ليساعده في توفير مصاريف أسرته المكونة من 4 أفراد، خاصة أن ما يتقاضاه شهريا لا يتجاوز 60 دولارا بعد توقف تسوية وظيفته بسبب الحرب، ولا توفر له الأمان المطلوب؛ مما جعله يتجه لفتح مصنع صغير يصنع فيه بعض متطلبات المنازل من عتبات الأبواب والنوافذ وبيعها.

ووفقا له فإن العمل ليس مربحا رغم مشقته بالنظر لغلاء أسعار مواد البناء وعدم وجود حركة بيع يومية، لكنه في الغالب يوفر له شيئا من الاحتياجات التي لا توفرها الوظيفة الحكومية.

ويرى عقيل أن تردي الحالة الاقتصادية للمعلم زاد من عدم قدرته على تقديم الأداء الأفضل بسبب الخذلان والظلم اللذين يتعرض لهما.

استمرار انقطاع مرتبات المعلمين أدى إلى تصدعات كبيرة في بنية النظام التعليمي (الجزيرة)

عواقب وخيمة

من جانبه، يقول المسؤول الإعلامي لنقابة المعلمين اليمنيين يحيى اليناعي للجزيرة نت إن مشكلة المعلمين والتعليم خلال الحرب تبدو ثانوية مقارنة بغيرها من المشاكل، إلا أن تجاهلها ينذر بعواقب وخيمة على المديين القريب والبعد.

وأضاف اليناعي أن الحرب دفعت آلاف المعلمين إلى الصفوف المتقدمة للفقراء الأشد احتياجا، وقد أدى استمرار انقطاع مرتباتهم إلى تصدعات كبيرة في بنية النظام التعليمي وطابعه الوطني والمدني، وفتح الباب لعسكرته وتسييسه من قبل جماعة الحوثي المسلحة، بما يخدم الحرب والتحشيد للقتال.

وتابع في حديثه للجزيرة نت أن الحرب والحكومة والمجتمع الدولي لم تستوعب إلى الآن آثار انقطاع الرواتب بشكل فجائي وكامل على أهم وأكبر شريحة عاملة ومؤثرة في حاضر ومستقبل أجيال اليمن.

انتحار وجنون

وأكد اليناعي تأثر حياة المعلمين وعلاقاتهم الأسرية والاجتماعية سلبا جراء انقطاع الرواتب وتدهور الوضع الاقتصادي، حيث سجلت حالات انتحار لبعضهم بعد أن عجزوا عن توفير متطلبات الحياة لأسرهم وأطفالهم.

لافتا أن الفقر الناجم عن توقف مصادر الدخل وانعدام فرص عمل بديلة محفز للإقدام على الانتحار، كما حدث مع أحد معلمي صنعاء الذي ألقى بنفسه من سطح بناية مرتفعة، في حين تعرض بعض المعلمين بسبب تأثير الانقلاب والحرب على أوضاعهم المعيشية والاقتصادية لاضطرابات نفسية وأصيبوا بالجنون، حيث إن الفقر له انعكاساته السلبية على الصحة النفسية للأفراد والمجتمع، وعلى قوة العلاقات الاجتماعية.

ووفقا لليناعي، فإن 1579 تربويا تعرضوا للقتل على يد مسلحي الحوثي خلال الفترة من 21 سبتمبر/أيلول 2014 حتى الأول من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، منهم 81 تربويا من مديري المدارس والإداريين والبقية من المعلمين.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة