أزهار إسطنبول مال وجمال.. المطبخ التركي أول من عرف شراب ماء الورد

باعة الزهور أمام محالهم بميدان تقسيم  في العاصمة التركية اسطنبول (الجزيرة)
باعة الزهور أمام محالهم بميدان تقسيم في العاصمة التركية اسطنبول (الجزيرة)

خليل مبروك-إسطنبول

يستقبل غومش أونال زوار منطقة "تقسيم" يوميا بوروده المنتشرة في ساحة الميدان الرئيسية وكأنها معلم أساسي ولد مع المدينة، بل ويسعى جاهداً كل يوم ليكون من أوائل من يفتحون أبواب متاجرهم.

ويتعامل الخمسيني التركي مع أزهاره بعناية شديده إلى حد أنه يشعر بالتوتر كلما شاهد طفلاً يقترب منها خشية أن يسيء معاملتها.

ويقول أونال للجزيرة نت إنه عمل مع والده في زراعة الورد وإنتاجه بولاية مانيسا منذ أكثر من ربع قرن، قبل أن يهاجر للإقامة في إسطنبول حيث افتتح محله الأول "جيجيكجي" (وتعني صاحب الورد) أول الأمر في منطقة بكر كوي.

ونجح الرجل قبل ثلاث سنوات في الفوز بمناقصة ضمان محل في ميدان تقسيم ليتحول إلى مشروع عمره الذي يبيع الورود فيه من شتى الأصناف.

‪بعض أزهار الزينة داخل أحد المتاجر في إسطنبول‬ (الجزيرة)

مهنة مزدهرة
وتمثل زراعة الزهور والاتجار بها واحدة من المهن المزدهرة في مدينة إسطنبول، ويعمل فيها الآلاف من الزارعين والباعة والمستثمرين، وبالكاد تجد حياً أو منطقة سكنية يخلو من ركن مميز لبيع الزهور أو حتى محلات كبرى.

فهنا في أكساراي المنطقة التي تنتشر فيها تجارة الأرصفة، تبيع عشرات من "نساء الغجر" الورد الجوري بالوردة وبالباقة، وينفقن من هذا العمل على عائلات بأكملها.

وفضلاً عن العاملين النظاميين في بيع الورود، فإن المئات من الرجال والسيدات والشبان يعملون في بيع الورد بين طوابير السيارات في أزمات السير الخانقة، سيما في فترات الأعياد والمناسبات خاصة في عيد الأم وحتى عيد فالنتاين.

وفي منطقة باشاك شهير، اختار أحد المستثمرين الورود علامة تجارية مميزة للمقهى الذي افتتحه وغطى سقفه وكافة جدرانه بباقات الورد والزهور الملونة والبيضاء.

‪‬ تكسب آلاف العائلات عيشها من زراعة الورد وتجارته والصناعات المرتبطة به(الجزيرة)

قيمة تجارية
وتكسب آلاف العائلات عيشها من زراعة الورد وتجارته والصناعات المرتبطة به في مجالات العطور ومواد الزينة والتجميل وصناعات الأدوية، كما تحول تصدير الورد إلى مصدر دخل قومي بالعملة الصعبة.

وتقول الإحصائيات الرسمية أن 25 ألف تركي يعملون بزراعة وتجارة الورود بشكل مباشر، ويعمل نحو ثلاثمئة ألف بشكل غير مباشر.

وأوضح إسماعيل يلماز (رئيس جمعية مصدري أزهار ونباتات الزينة) أن تركيا صدرت زهورا بقيمة 110 ملايين دولار خلال 2019 بزيادة قدرها 10% عما حققته في العام السابق له.

وأكد في حديثه للجزيرة نت أن صناعة الزهور وتجارتها آخذة في التنامي، متوقعا أن ترتفع قيمة الصادرات من الزهور هذا العام إلى 125 مليون دولار.

وأوضح أن الزهور ونباتات الزينة التي تصدرها بلاده وصلت إلى 83 دولة أبرزها هولندا والمملكة المتحدة وبلغاريا وألمانيا ورومانيا وأوزبكستان، وأن دولا جديدة بدأت باستيراد الزهور التركية عام 2019 من بينها سنغافورة وليتوانيا وروسيا البيضاء.

عرف الأتراك باهتمامهم الكبير بالزهور وزراعتها وصناعة منتجاتها عبر التاريخ (الجزيرة)

تاريخ من الاهتمام
ويعرف عن الأتراك اهتمامهم الكبير بالزهور وزراعتها وصناعة منتجاتها عبر التاريخ، فهم أول من عرف "شراب ماء الورد" الذي ما زال يستخدم على نطاق واسع في المطبخ التركي.

وتبيع بعض المتاجر إلى يومنا هذا بتلات الزهور الجورية الصغيرة بسعر مئتي ليرة (35 دولارا) ليستخدم كمشروب شاي الورد، ولتصنع منه مربيات الجوري المشهورة في تركيا.

أما في منطقة الفاتح، فلا تزال حديقة "غولهانة" المجاورة للقصور العثمانية التاريخية تنبض بأمواج الورد بألوانه الزاهية التي تجتذب السياح والزوار من كل مكان.

وتقول المراجع التاريخية أن سلاطين بني عثمان أمروا بافتتاح تلك الحديقة كمزرعة تنتج فيها الأزهار التي تنقل لتزيين قصورهم، كما هو الحال في حديقة قصر الباب العالي "توب كابي" الذي عرف أكثر سنوات العصور العثمانية قوة وازدهاراً.

وبالكاد يُتم أي عروسين حفل زفافهما في إسطنبول دون التقاط الصور التذكارية بحديقة "أميرجان" ذات الطبيعة السلطانية المطلة على مضيق البوسفور.

‪هدايا من أزهار الزينة معدة للبيع داخل أحد المتاجر‬ (الجزيرة)

مهرجان التوليب السنوي
وخلال السنوات الأخيرة تحولت حدائق إسطنبول إلى مزارات للسياح والأهالي على السواء، ومن بينها حديقة "يلديز بارك" بمنطقة باشكتاش، وحديقة "فنار بهجة" وتلة العرائس بالجانب الآسيوي من المدينة، وحديقة غوليت بمنطقة بهجة شهير.

وتحول مهرجان زهرة "التوليب" إلى حدث سنوي مركزي على الأجندة السنوية، فخلال نيسان/أبريل كل عام تتزين إسطنبول خلاله بأكثر من ثلاثين مليون زهرة زنبق تنتشر بالحدائق والميادين وحتى على أرصفة الشوارع.

وتنتج البلاد نحو ستين مليون زهرة سنوياً أغلبها بولاية أسبرطة وفي قونيا عاصمة السلاجقة وموطن الزنبق الذي يوزع على كافة الأراضي التركية موسم التوليب، أما سجادة التوليب العملاقة بحديقة جامع السلطان أحمد في إسطنبول، فقد أصبحت في السنوات الأخيرة أيقونة ترشد إلى عبق المكان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة