التقاط الصور باستخدام الهاتف المحمول هل يعزز ذكرياتنا أم يدمرها؟

اكتشف علماء النفس أن التفاصيل الدقيقة تُنسى إذا التقطنا الصور ولم تخزن أدمغتنا المعلومات (بيكسل)
اكتشف علماء النفس أن التفاصيل الدقيقة تُنسى إذا التقطنا الصور ولم تخزن أدمغتنا المعلومات (بيكسل)

يعتقد معظم الناس أن ذاكرتهم بمثابة "خزان" ثابت قادر على الاحتفاظ بجميع الذكريات، بيد أنه لا يمكن للذاكرة أن تكون ثابتة لأنه تطرأ عليها الكثير من التغييرات، علاوة على أنها لا تعد نسخة حقيقية من الأحداث التي نعيشها.

لكن الذاكرة تساعدنا على إضفاء معنى لحياتنا وتعزيز اعترافنا بهويتنا، لهذا السبب ينبغي بذل كل ما في وسعنا للحفاظ على ذكرياتنا وضمان تخزينها في أذهاننا.

الذاكرة ليست "مخزنا" ثابتا للذكريات
بينت الكاتبة جنيفير ديلغادو سواريز في تقرير نشرته مجلة "رينكون دي لا بسيكلوخيا" الإسبانية، أننا عندما نتذكر حدثا معينا في كل مرة، فإنه يخضع لتعديلات عن طريق الخطأ أو يصبح أقل دقة. كما أن الذكريات التافهة تُنسى بسهولة.

واكتشفت عالمة النفس إليزابيث لوفتوس أنها عندما أخبرت الناس أن السيارات "اصطدموا" بدلا من قول "اصطدمت"، تذكروا أن حادث السيارة كان أشد قوة مما كان عليه في الواقع.

فالتفاصيل الصغيرة من هذا القبيل تؤثر على ذاكرتنا، لكن الأمر الأكثر إحباطا هو أننا نغيّر تلك التفاصيل ونعيد بناء الواقع دون إدراك ذلك.

ولهذا السبب، من غير الطبيعي أن نتساءل كيف يمكن لممارساتنا الأكثر شيوعا على غرار تصوير جميع تجاربنا أن تؤثر على ذاكرتنا.

 تصوير جميع تجاربنا يمكن أن يؤثر سلبا على ذاكرتنا (بيكسابي)

كيف تتكون الذكريات؟
يعد الانتباه الخطوة الأولى في تشكيل ذاكرة مستمرة، علما بأن قلة الانتباه لن تمكن عقلك من تخزين الأحاسيس.

عملية تخزين الذكريات في الدماغ تجري من خلال إقامة روابط عصبية، وكلما كانت التجربة قوية كانت هذه الروابط أقوى وقلّ احتمال نسيان الأحداث. ولعل هذا ما يفسر عدم نسياننا بسهولة للوقائع التي يكون لها تأثير عاطفي كبير أو تلك التي تعلمنا من خلالها.

وإضافة للروابط المشار إليها، يمكننا أن نتذكر ما حدث مع بعض الأحاسيس والعواطف والكلمات. وإذا لم نحصل على المعلومات الأساسية لتكوين ذكريات قصيرة الأجل، فلن يتم تخزين المعلومات في الدماغ على المدى الطويل.

التصوير بالأجهزة المحمولة يصرف انتباهنا عن التجربة التي نعيشها، ولهذا لا نتذكر التفاصيل (بيكسابي)

تأثير التقاط الصور على ذاكرتنا
اكتشف علماء النفس في جامعات برينستون وأوستن وستانفورد الأميركية أن التفاصيل الدقيقة تُنسى إذا التقطنا الصور ولم تخزن أدمغتنا معلومات.

ففي سلسلة من التجارب، تجول مئات المشاركين في كنيسة ستانفورد التذكارية، التي تعد من أجمل المباني، وعمدوا خلالها لتدوين ملاحظات ذهنية عن تفاصيل مبنى الكنيسة، وطلب من آخرين التقاط صور للكنيسة بهواتفهم الذكية.

بعد أسبوع، اختبر الباحثون ذاكرة المشاركين وسألوهم عن بعض التفاصيل التي تخص الكنيسة. فتبين أن أولئك الذين تجولوا في المبنى دون كاميرا أجابوا بطريقة صحيحة عن سبعة من أصل عشرة أسئلة، في حين لم يتذكر المشاركون الذين التقطوا صورا للتفاصيل بشكل جيد، وليس ذلك فحسب، بل ارتكبوا أيضا أخطاءً أكثر عند الإجابة.

وأوضح علماء النفس أنه "عند استخدام الأجهزة المحمولة فإننا نصرف انتباهنا عن التجربة التي نعيشها. ويعني هذا الإلهاء أننا لن نتذكر التفاصيل التي يجب أن نوليها الاهتمام اللازم".

ونظرا لأن الهواتف الذكية منتشرة في حياتنا، يخشى علماء النفس أن تؤثر هذه الأجهزة في نهاية المطاف على قدرتنا على تكوين ذكريات دائمة وموثوقة.

علماء النفس يخشون أن تؤثر الأجهزة الذكية على قدرتنا على تكوين ذكريات دائمة وموثوقة (بيكسابي)

الهاتف المحمول كـ"ذاكرة موسعة"
بالنسبة للتأثير المذهل للهاتف المحمول، تتم إضافة ما يُعرف باسم "التحميل المعرفي" أو "الذاكرة الموسعة"، الذي ينطوي على توسيع الذاكرة عبر الاستعانة بمصادر خارجية.

وفي الممارسة العملية، نحن نهتم بدرجة أقل بعملية التذكر لأن لدينا صورة نعود إليها كلما أردنا التذكر، بحسب علماء النفس.

وكشفت تجربة أخرى أجريت في جامعات كولومبيا وويسكونسن وهارفارد أننا عندما نتأكد من أننا نستطيع حفظ المعلومات على جهاز ما، فإننا نتذكر معلومات أقل. وغالبا يكون هذا التأثير أكثر حدة لدى الأشخاص الذين لا يحبون التفكير كثيرا، وهو ما أكدته دراسة أخرى أجريت في جامعة واترلو.

إذ يحول هؤلاء الأشخاص هواتفهم الذكية إلى نوع من "الركائز" الإدراكية. كما أنهم لا يزيدون معارفهم بسبب اعتمادهم على التكنولوجيا.

ورغم أننا في الحقيقة لسنا بحاجة للجوء للدراسات العلمية لفهم ظاهرة الاستعانة بمصادر معرفية خارجية، فإنه من المحتمل أنك الآن لا تتذكر حتى نصف أرقام هواتف جهات الاتصال في دليل هاتفك، ولكن قبل وصول الهاتف المحمول، كنت تكافح لحفظ أكبر عدد ممكن من أرقام الهواتف، وهو ما يعد مثالا واضحا يوميا لظاهرة "الذاكرة الموسعة".

"الاحتياطي المعرفي" يحمينا من الخرف
ما الخطأ في ذلك؟ في هذه الحالة تتدهور الوظائف المعرفية التي لا تُستخدم بسرعة أكبر لأنك لا تشكل ما يعرف بـ"الاحتياطي المعرفي" الذي يحمينا من الخرف.

ووجدت مجموعة أخرى من علماء النفس في جامعة ييل أدلة على أن التقاط الصور لمشاركتها على مواقع التواصل الاجتماعي يغير وجهة نظرنا داخل الذاكرة.

واكتشفوا أن المشاركين الذين التقطوا الصور بهدف مشاركتها على المواقع، اعتادوا أن يتذكروا اللحظة من منظور مراقب خارجي.

يجب ألا ننسى أننا يجب أن نستخدم التكنولوجيا لتوسيع قدرتنا وليس للحد منها (بيكسابي)

هل تجعلنا الهواتف الذكية أغبياء؟
تأثير هذه الأجهزة هائل لأننا ننفصل عما يحدث في الواقع. عندما نعتمد على منظور شخص ثالث (عندما يعيش الشخص نفسه كمراقب خارجي)، تكون العواطف أقل حدة.

ولكوننا الشخصيات الرئيسية لهذه التجارب فإننا نعيش مشاعر أكثر واقعية، لذلك ستكون الذكرى أكثر صلابة على المدى الطويل.

في بعض الحالات، يمكن أن يكون الانفصال عن هذه الأجهزة إيجابيا لأنه يساعدنا على تخفيف الألم، لكن عيش حياتنا كمراقبين خارجيين ليس هو بالضبط أفضل وصفة لتحقيق أقصى استفادة من التجارب وتوحيد ذكرياتنا.

وبطبيعة الحال، لا يعني ذلك أن الهواتف الذكية تجعلنا أغبياء، وإنما يجب ألا ننسى أننا يجب أن نستخدم التكنولوجيا لتوسيع قدرتنا وليس للحد منها.

المصدر : الصحافة الإسبانية