"الزينية".. آخر قرية تتحدث لغة أهل مصر القديمة

يسكن قرية الزينية نحو 600 أسرة مسيحية (مواقع التواصل)
يسكن قرية الزينية نحو 600 أسرة مسيحية (مواقع التواصل)

شيماء عبد الله

ما بين الهيروغليفية والعربية، مرت عدة لغات سكنت في وادي النيل، تداولها المصريون وعرفوا حروفها ورموزها، بقيت ما بقيت لكن كُتب عليها في النهاية أن تنزوي، ومثلما دخل الإسلام إلى مصر فانتشر رويدا رويدا، هكذا أيضا فرضت اللغة العربية نفسها وتراجعت اللغة المصرية القبطية.

بعد عقود غابت اللغة القديمة واندثرت إلا في "الزينية"، في أقصى صعيد مصر، حيث بقي أهلها يحفظونها و يورثونها لأجيال أتت من بعدهم.

قرية الزينية المعزولة
في الأقصر أقصى جنوب مصر، توجد الزينية، قرية صغيرة بقبلي المدينة السياحية، القرية التي ورثت إرث مصر من معابدها وشمسها التي لا تغيب.

يقول الرحالة الأوروبي الأب فانسليب (Vanslip) حين زار مصر عام 1671، إنه التقى في بلدة بالأقصر بالرجل الأخير الذي ما زال يحفظ اللغة المصرية القديمة، وإن مات ذهبت اللغة إلى القبر. كانت الجملة مجازية، فالرجل كان أصم وبلغ من الكبر عتيا، لكن لحسن الحظ، فإن رحيل الرجل الأخير لم يُنهِ اللغة المصرية القديمة، وبقيت اللغة وكلماتها تقاوم الانقراض.

الطالب في كلية الآثار وابن قرية الزينية محمد بدر، حمل على عاتقه مهمة التعريف بالقرية، وباللغة المصرية القديمة التي لا تزال على ألسنة الزينين.

ينشغل محمد دوما بإعادة نشر القصص التاريخية عن مصر القديمة، فيحكي تاريخ الفراعنة، ويعيد للحضارة المصرية القديمة ألقها وتوهجها وفخر المصريين بها.

يحكي الشاب العشرينى عن سرّ محاولاته الحثيثة في نشر لغة أهل مصر القديمة، وعن سر احتفاظ الزينية تحديدا باللغة القديمة (الزينية قرية معزولة بالصعيد، لم يسكنها العرب القادمون من شبه الجزيرة العربية، بالإضافة لأنهم تصدوا لحركة عريان أفندي).

مدخل "الزينية".. آخر قرية تتحدث لغة أهل مصر الأصلية (مواقع التواصل)

حركة عريان أفندي
حركة "عريان أفندي" -أو ما تذكر تاريخيا بـ"اللفظ الحديث"- يقصد بها الوحدة التي كان دشنها البابا كيرلس الرابع بين الكنيسة المصرية والكنيسة اليونانية في القرن الثامن عشر، بأن يتم استخدام الحروف اليونانية نطقا على اللغة المصرية.

يشرح بدر فيقول "بمعنى أن اسمي محمد ينطق موهمد، أبنودي مثلا تنطق أفنوتي، أشلال تقال باللفظ الحديث أشليل، وهكذا، وبالطبع كان هذا تشويها رفضه مسيحيو الزينية، وكانت كنيستها هي الكنيسة الوحيدة التي بقيت في مصر، تستخدم اللغة المصرية القديمة في طقوسها وتراتيلها".

واقعة "وي وي"
اعتراض قبط الزينية على الوحدة الكنسية بين الكنيسيتين المصرية واليونانية، سُجل تاريخيا في واقعة شهيرة، حينما زار البابا كيرلس الرابع دير المحرق فصلى بالرهبان، وفي نهاية الصلاة قال "أشليل"، بدلا من أشلال، وهي كلمة قبطية تعني "صلاة"، فخرج الرهبان من الصلاة ساخرين منه قائلين "وي وي وي أفجوسنان أشليل"، بمعني "وي وي وي يقول لنا أشليل"، وما زالت حتى الآن الكلمة تتداول للسخرية أو التعجب "واه" باللهجة الصعيدية، و"يييييي" في اللهجات المصرية الأخرى.

اللغة القبطية ما زالت حاضرة في قاموس العامية المصرية حتى الآن، فالبعض يستخدم كلمة "قوطة" كبديل للطماطم، و"فوطة" تعني المنشفة، و"شنة ورنة" لمن ذاع صيته، و"كِن" بمعنى اهدأ، و"أوبا" للتعبير عن الاندهاش والتعجب.

وبحسب بدر فإن "اللهجة العامية نجحت في أن تصنع خليطا مميزا من اللهجات المصرية، ومثلما تحافظ الزينية على اللغة القديمة، كذلك تحفظ الكنائس الأناشيد والألحان المصرية القديمة، ولا تزال تستخدمها حتى اليوم".

وتفتح "الزينية" أبوابها لتعليم اللغة القبطية للحفاظ على التراث المصري القديم، وتقدم دروسا مجانية للزائرين.

رغم ضعف إمكانات القرية فإن عائلاتها تحرص على تعليم ولو فرد واحد منها اللغة القبطية (مواقع التواصل)

يشكل المسيحيون نحو 25% من سكان القرية، حيث يقدر تعدادهم بستمئة أسرة، وتحاول الأسر تعليم فرد من كل أسرة على الأقل اللغة القبطية.

في مارس/آذار 2019، أضافت غوغل اللغة القبطية لتطبيق جي بورد (Gboard)، وهو تطبيق لوحة المفاتيح الافتراضية، وذلك ضمن ستين لغة حديثة تمت إضافتها حديثا، رغم تصنيف اللغة القبطية كلغة منقرضة.

المصدر : الجزيرة