أول ناد للفروسية في إدلب.. متنفس للهروب من الحرب والقصف

القسم الداخلي خُصص لتدريب المبتدئين على ركوب الخيل (الجزيرة)
القسم الداخلي خُصص لتدريب المبتدئين على ركوب الخيل (الجزيرة)

محمد الأسمر-إدلب

بين أشجار الزيتون وعلى الأطراف الشرقية لمدينة إدلب في منطقة تدعى "دير الزغب"، وجد الشاب عبد الرحيم الزعيم أرضًا مناسبة لإقامة أول ناد لتعليم الفروسية في الشمال السوري.

عمِل على تسوية الأرضية وتنظيفها من الحصى والحجارة وفرشها بالتراب الناعم والرمل قبل المباشرة بأي عمل، حفاظا على سلامة الخيل والفرسان.

على مساحة قاربت الهكتار الواحد، بنى "الزعيم" إسطبلا واسعًا لتربية الخيل، يقابله من الطرف الجنوبي ساحة مخصصة للتدريب قُسمت إلى قسمين يفصل بينهما سور حديدي مرتفع يمنع الخيول من تجاوزه.

خصص القسم الداخلي بمساحة تقارب كيلومترا مربعا واحدا لتدريب المبتدئين على ركوب الخيل، حيث تساهم المساحة الصغيرة بلجم الخيل ومنعه من العدو بسرعة حفاظا على سلامة المتدربين.

أما القسم الخارجي فيحيط بالساحة الأولى ويدعى "المضمار"، ويدخله الفرسان الأكثر مهارة، فالمساحة الواسعة التي يتمتع بها تسمح للخيل بالعدو بشكل جيد داخل المضمار، بينما يمنعها من الخروج سور حديدي مرتفع يلف ساحة التدريب بشكل كامل.

على الطرف الشمالي لساحة التدريب تم بناء إيوان زينت جدرانه بأشعار تتغنى بالخيل العربي، كما جُهّز بفرش عربي يحاكي الأجواء التقليدية للتراث العربي، ويستعمل لاستقبال الضيوف والراغبين في مشاهدة التدريبات اليومية.

محبة "الزعيم" للخيل كانت وراء إنشاء النادي لإعادة هذه الرياضة إلى الأذهان (الجزيرة)

ركوب الخيل متاح للجميع
محبة "الزعيم" للخيل دفعته بداية لاقتناء فرس واحدة، لكن غياب مثل هذه المشاريع عن الشمال المحرر شكل حافزا مناسبا للتفكير في إنشاء النادي، لا سيما أنه لمس رغبة في ركوب الخيل وتعلم الفروسية لدى الكثير ممن التقى بهم أثناء جولاته اليومية على الفرس التي يملكها، بحسب "الزعيم" الذي أكد أن "الهدف من إنشاء النادي لم يكن ماديا بقدر رغبتنا في إعادة هذه الرياضة إلى الأذهان، وجعل إمكانية ركوب الخيل متاحة للجميع".

يتلقى المتدرب ثلاث حصص تدريبية في الأسبوع، ضمن دورة لثلاثة أشهر تنتهي بسباق بين المتدربين، والفائز منهم يشارك في السباق العام الذي يتم الترتيب له على مستوى الشمال السوري.

 المدرب أحمد سماق: هناك خطوات عديدة للوصول إلى حالة الانسجام المناسبة بين الفرس والمتدرب (الجزيرة)

الانسجام بين الفرس والمتدرب
في ساحة التدريب يلكز سامر فرسه ليحثها على التحرك بشكل أسرع، على أمل اللحاق برفاقه الذين سبقوه في المضمار، لكن محاولات سامر باءت بالفشل فقد أكمل رفاقه دورتهم الأولى وتجاوزوه من جديد، فمدة التدريب التي قضاها في هذا النادي لم تسمح له بإطلاق العنان لفرسه بعد.

ويقول المدرب المسؤول عن تمرين هؤلاء الشبان إن "الفرس ذكية وتعرف ما إذا كان الذي على ظهرها فارسا أم متدربا، وعلى هذا الأساس تتحرك".

يعتمد المدرب أحمد سماق على خطوات عديدة للوصول إلى حالة الانسجام المناسبة بين الفرس والمتدرب، حيث يلجأ إلى النادي الكثير من الشبان الذين لم يملكوا أي تجارب مع الخيل، لذا يعمد بداية إلى كسر حاجز الخوف لديهم لأن خوف الفارس سينعكس على حصانه فيجعله في مزاج سيئ يصعب التعامل معه.

خطوات التدريب تبدأ بالاقتراب من الخيول ولمسها وإطعامها والسير بجانبها لتألف المتدرب ويألفها (الجزيرة)

قبل ركوب الخيل
تبدأ خطوات التدريب بالاقتراب من الخيول ولمسها وإطعامها والسير بجانبها فترة من الزمن حتى تألف المتدرب ويألفها، لينتقل المتدرب بعدها إلى مرحلة ركوب الخيل.

في ساحة التدريب يقف المدرب سماق بفرسه أمام المتدربين ليشرح لهم بعضا من طبائع الخيل والعلامات التي تظهر عليها قبل القيام بأي حركة، ويقول إن "معرفة ردة فعل الخيول وتوقع حركاتها المسبقة تمكّن الفارس من الحفاظ على توازنه وتضمن ثباته على ظهرها".

وتبدأ مرحلة ركوب الخيل بالمشي ضمن ساحة التدريب فترة من الزمن، وبعد أن يصل المتدرب إلى حالة جيدة من التواصل مع الخيل ينتقل إلى مرحلة العدو التي ترتفع تدريجيا نتيجة انسجام الفرس مع فارسها.

عشرات الشبان يزورون النادي يوميا ويقضون ساعات أمام المضمار للاستمتاع بمشاهدة الخيل (الجزيرة)

الخيل تورث الشجاعة
ويصف سماق إقبال الناس على النادي بالجيد، و"أغلب الذين وفدوا إلى النادي وجربوا ركوب الخيل للمرة الأولى، تعلقوا بها وعادوا للانتساب إلى النادي من جديد، فالخيل تورث الشجاعة وتترك أثرا طيبا في نفس فارسها" بحسبه.

عشرات الشبان يزورون النادي يوميا ويقضون ساعات طويلة أمام المضمار بهدف الاستمتاع بمشاهدة الخيل التي تعدو في الميدان، أو بهدف ممارسة ركوب الخيل الذي أصبح متاحا لهم اليوم.

أبو عمر (38 عاما) لم يركب الخيل من قبل، لكن وجود هذا النادي مكنه من ممارسة هذه الرياضة التي دفعه إليها حبه للخيل العربي، ويؤكد أن شهرا واحدا من التدريب منحه الخبرة اللازمة لامتطاء الخيل والعدو به بشكل لم يكن يتوقعه من قبل.

من جهته، يرى زاهر (11 عاما) أن هذا المكان حقق له بعض أحلامه، "فمقاطع الفروسية التي كنت أراها على  اليوتيوب أصبحت واقعا أمامي، وصرت قادرا على صناعتها بنفسي"، كما أن تشجيع والده وإصراره على التدريب قد يصنعان منه فارسا متميزا.

في هذا المكان تجد متنفسا مناسبا للهروب من أخبار الحرب والقصف الذي تعرضت له الكثير من مناطق إدلب في الفترة الماضية، فالابتعاد عن متابعة هذه الأخبار ومشاهدة الخيول ومهورها التي تعدو في الميدان، تسرق المُشاهد من حياته اليومية وتنقله إلى أجواء عامرة بالمحبة والحماس.

المصدر : الجزيرة