تلاميذ مدارس ثانوية.. عقدوا العزم أن تحيا الجزائر

قطار التغيير انطلق من عادل (الثاني من اليمين بالصف الأول جلوسا) ورفاقه، ولن يتوقف إلا في محطة "الجزائر الجديدة" (الجزيرة)
قطار التغيير انطلق من عادل (الثاني من اليمين بالصف الأول جلوسا) ورفاقه، ولن يتوقف إلا في محطة "الجزائر الجديدة" (الجزيرة)

سلمى حراز-الجزائر

بدلة رياضية، حقيبة ظهر، سماعات في الأذن، قفازات وأكياس بلاستيكية.. هذه كانت عُدة عادل مُرغم (16 عاما) ورفاقه للمشاركة في حملة تنظيف تطوعية في إحدى غابات الجزائر العاصمة.

سابقا لم يكن المكان بالنسبة إلى أعضاء المجموعة إلا فضاء لممارسة الرياضة المولعين بها، لكن ليس بعد 22 فبراير/شباط الماضي تاريخ بداية الحراك، فقطار التغيير انطلق بالنسبة لعادل ورفاقه، ولن يتوقف إلا في محطة "الجزائر الجديدة".

بدأ التحدي من منتزه غابة بوشاوي في الجزائر العاصمة بعدما لبت مجموعة من طلاب الثانوية دعوة عادل -وهو طالب مقبل على امتحان شهادة البكالوريا- عبر مجموعة أسماها "الجزائر الجديدة" على تطبيق "إنستغرام"، وكانت الاستجابة كبيرة.

لم يأبه الرفاق لنظرات استغراب من كانوا يومها في الغابة وهم يجمعون القارورات البلاستيكية وبقايا الأكل وغيرها من فضلات من مروا من هناك، وسرعان ما تحولت تلك النظرات إلى إعجاب وأمل في غد أفضل على أيدي هؤلاء.

يقول عادل عن مجموعته في حديث مع الجزيرة نت "استوقفني أحد العاملين في شاطئ النخيل بالجزائر العاصمة عندما كنت أنظّف، وحدثني بخجل بأنها مهمته في الأصل، واعتذر مني على تقصيره، ووعد بأن الأمر لن يتكرر في المستقبل.. سعادتي كانت كبيرة لأنني أثرت في شخص سنّه ضعف سنّي، وبدوره سيؤثر هو في آخرين.. هذا نجاح كبير بالنسبة لي".

عادل ورفاقه أثناء حملة تنظيف في غابة بوشاوي (الجزيرة)

السياسة ليست لعبتنا
محدثنا الذي كان صعبا أخذ موعد معه مع بداية الموسم الدراسي، اعترف بأن المبادرات التطوعية لمساعدة العائلات الفقيرة وحملات تنظيف المحيط أو إطعام المتشردين لم تكن ضمن أولوياته سابقا، لكن بوادر التغيير أحيت فيه وفي أقرانه طاقة قال إن مدرجات الملاعب فقط كانت متنفسا لها، قبل أن يجد هؤلاء سبيلا آخر للمساهمة في بناء الوطن، لكن بعيدا عن السياسة فهي ليست مهمة ولا لعبة من هم في سنه حسب تعبيره، بل عبر مجموعته التطوعية "الجزائر الجديدة" التي استلهم شعارها من لازمة النشيد الوطني الجزائري "وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر".

وبالنسبة للتسمية يضيف عادل للجزيرة نت "لطالما أخبرني جدي ومن بعده والدي أن جزائر شبابهما كانت أحسن من التي نعرفها اليوم في كل شيء، وهذا مؤسف، لكن الأمل موجود بين أيدينا نحن أشبال الوطن حتى نبني جزائر لا تشبه تلك التي عرفها آباؤنا ولا أجدادنا".

المدارس الثانوية كانت ميدان المراهقين المتحمسين لصنع التغيير بعيدا عن عالم الكبار، ففي شهر رمضان الكريم صنعوا ما عجزت عنه حتى الجمعيات الخيرية المدعومة من الجهات الرسمية، إذ جمعوا كمية كبيرة من الأغذية بمساهمة تلاميذ المدارس من مصروفهم الخاص وبمساعدة أوليائهم.

ولا يمكن وصف شعور الرضا بأن يحظى هؤلاء بإفطار مثل جميع الصائمين بفضل مراهقين أصغرهم لا يزيد سنه عن 14 عاما بينما لم يتعدّ أكبرُهم العشرين، "الاتحاد يصنع المعجزات وقوتنا في تضامننا". يقول عادل.

مجموعة "الجزائر الجديدة" جمعت من الأغذية ما عجزت عنه الجمعيات المعتمدة (الجزيرة)

قوتنا في تضامننا
ولأن التضامن يصنع المعجزات مثلما ذكر عادل ورفيقه المقرب رؤوف صاوشة، كانت المشاركة في ترميم ميتم في ضواحي العاصمة من أجمل التجارب الإنسانية التي عاشها الرفاق، فالإحساس بالمسؤولية زاد والحماس بلغ أعلى الدرجات، حسب قوله.

وتواصلت المبادرات التطوعية للمجموعة التي ترتب أوراقها ومشاريعها القادمة من خلال مجموعات محادثة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فبادرت بجمع ملابس العيد لأطفال العائلات الفقيرة، والأغطية والأفرشة لمرضى أحد مستشفيات الجزائر العاصمة بعدما غمرته المياه إثر هطول الأمطار مؤخرا، مع إطلاق حملة جديدة لجمع الملابس الشتوية قبل انطلاق موسم البرد، وإعداد وجبات ساخنة مرتين شهريا وتوزيعها على الأشخاص بدون مأوى، مع التأكيد على رفض المساعدات المادية لتجنب أي تشكيك حول مصير الأموال.

توسع المشاريع
يتحدث عادل بحماس كبير عن الكثير من المشاريع التي يحلم بتجسيدها في الميدان، مثل إعادة التدوير ونشر ثقافة الابتعاد عن استعمال المنتجات البلاستيكية للحفاظ على البيئة وغيرها، رغم انشغاله بالدراسة وكثافة البرنامج الدراسي في السنة النهائية لشعبة التسيير، متمنيا لو كان اليوم أطول من 24 ساعة، لكنه يضيف أنه يكفي أن تنتقل عدوى المساهمة في التغيير ولو في أشياء بسيطة، وهو ما يمكن أن يصنع مصير أمة.

المصدر : الجزيرة