"طباخ السعادة".. حكاية العجوز وكوخ "سرطان البحر" الشهير بغزة بالفيديو

حنين ياسين-غزة

ما بين الفجر والشروق يبدأ العجوز عثمان راضي رحلة يومية نحو الغرب إلى شاطئ بحر مدينة غزة ليس ليستجم أو يرفه عن روح أنهكتها سنوات العمر الطويلة، بل ليصنع "وصفة السعادة" للعشرات من الفلسطينيين الذين يتسابقون لكوخه الصغير يوميا لتناول وجبة مختلفة من سرطانات البحر الشهية.

رحلة "طباخ السعادة"، كما يفضل أن يلقبه زبائنه، تبدأ بشراء سرطانات البحر من عشرات الصيادين الذين يتوزعون على الشاطئ قرب كوخه الخشبي، فيختار أفضل ما لديهم قبل أن ينقله بمساعدة أبنائه إلى مطبخه المتواضع ليصنع هناك أطباقا مختلفة قبل أن يصل فوج زبائنه الأول.

 راضي يملك خبرة طويلة في تنظيف سرطانات البحر، فخلال أقل من ساعة ينهي تنظيف ما يزيد عن 20 كيلوغراما منها (الجزيرة)

خبرة طويلة مع سرطانات البحر
وعلى منضدة مرتفعة تطل على زرقة مياه البحر ورماله الذهبية، يقوم الطباخ العجوز بتنظيف سرطانات البحر وغسلها جيدا من الرمال العالقة فيها.

ويملك راضي خبرة طويلة في تنظيف سرطانات البحر، فخلال أقل من ساعة ينهي تنظيف ما يزيد عن 20 كيلوغراما منها.

وتنتهي سرطانات البحر المنظفة في مطبخ العجوز الفلسطيني إلى ثلاثة أقسام، أولها السرطانات ذات الحجم الكبير وهذه تستخدم في معظم الأطباق، والثاني السرطانات الصغيرة وتستخدم في صناعة الحساء، والقسم الثالث مقصات السرطانات التي تتوزع على جميع الأطباق باستثناء المشوي منها.

يقطع راضي الخضروات كالبطاطا والفلفل الحلو والبصل والبقدونس ويضيفها تدريجيا كل حسب المدة التي يحتاجها للنضج (الجزيرة)

أسرار أطباق راضي
أول الأطباق التي يبدأ الطاهي الفلسطيني بتحضيرها هي حساء السرطانات لأنه يحتاج لوقت طويل نسبيا مقارنة ببقية الأطباق.

بعد إضافة كمية مناسبة من الماء إلى وعاء كبير على نار هادئة، يقطع راضي الخضروات مثل البطاطا والفلفل الحلو والبصل والبقدونس ويضيفها تدريجيا كل حسب المدة التي يحتاجها للنضج.

وقبل أن تنضج الخضروات، يضيف راضي كمية مناسبة من طحينة السمسم البيضاء وحبوب الشوفان والملح وخلطة من البهارات الخاصة تتكون من الزنجبيل وحب الهال والقرنفل، ومكونات أخرى لم يرغب في الحديث عنها.

تتداخل نكهات المكونات لتصنع مزيجا ذا رائحة ونكهة مميزتين (الجزيرة)

وبعد أن تتداخل نكهات كل تلك المكونات وتصنع مزيجا ذا رائحة ونكهة مميزتين، يضيف الطباخ العجوز إليه سرطانات البحر صغيرة الحجم ويتركها تغلي مدة 20 دقيقة ليصبح الطبق جاهزا للتقديم.

وفي الوقت الذي يصنع فيه راضي الحساء، يفرم في خلاط يدوي بعض الخضروات منها الفلفل الأخضر الحلو والبصل والبندورة، ويضيف إليها صلصة الطماطم وكمية مناسبة من طحينة السمسم حمراء اللون.

ذلك المزيج الأخير يضيف إليه الطاهي حبوب السمسم والسرطانات كبيرة الحجم وخلطة البهارات الخاصة نفسها، ويضعه على نار هادئة ويتركه يغلي لمدة 20 دقيقة حتى يصبح المزيج متماسكا.

أطباق سرطانات البحر المطهوة على بخار الماء مع التوابل الحارة، والسرطانات المشوية بانتظار رواد الكوخ (الجزيرة)

الطبق الثالث الذي صنعه راضي في يوم زيارتنا له، كان السرطانات المشوية، وهذه لا تحتاج لكثير من الجهد، فهو يضعها في صينية كبيرة ويضيف إليها مزيجا من الخضروات المطحونة والبهارات التي يعرف زبائنه مذاقها جيدا ويضعها داخل فرن متوسط الحرارة لتنضج خلال 15 دقيقة.

الأطباق الثلاثة هذه يمكن أن يضاف إليها ثلاثة أطباق أخرى، حسب طلب الزبائن، هي سرطانات البحر المطهوة على بخار الماء مع التوابل الحارة، والسرطانات المشوية على الحطب أو الفحم والمقلية، وهذان الطبقان يتم تتبيلهما بالملح والفلفل فقط.

حكاية "طباخ السعادة" بدأت قبل 7 أعوام عندما ترك مهنة صيد الأسماك بسبب المضايقات الإسرائيلية للصيادين (الجزيرة)

مشهد صباحي ذهبي
وقبل أن ينتهي العجوز الفلسطيني من تحضير أطباقه وتقديمها، يكون فوج زبائنه الأول قد وصل ويستمتع بفنجان من القهوة أمام مشهد صباحي خلاب لمياه البحر الصافية والشاطئ الذهبي.

وبعد فترة انتظار ليست طويلة، يبدأ راضي بتقديم أطباقه الشهية التي يهتم بأدق تفاصيل مظهرها، فهو مقتنع تماما بمقولة إن "العين تأكل قبل الفم".

وما أن ينتهي الزبائن من تناول وجباتهم الدسمة حتى يقدم لهم الطاهي إبريقا من الشاي مع أوراق النعناع الأخضر أو الميرمية لتكتمل حلقات سعادتهم.

حكاية "طباخ السعادة" بدأت قبل نحو 7 أعوام عندما ترك راضي مهنة صيد الأسماك بسبب المضايقات الإسرائيلية المتواصلة للصيادين، وفكر ببناء كوخ خشبي صغير على الشاطئ يقدم فيه المأكولات البحرية.

الصيادون يخرجون سرطان البحر من الشباك فور صيده (الجزيرة)

سرطانات البحر فقط
وبسبب كثرة المطاعم التي تقدم المأكولات البحرية، فكّر راضي في التخصص في تقديم سرطانات البحر، فهي زهيدة الثمن وتحظى بشعبية واسعة في قطاع غزة خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

ومنذ ذلك الوقت بدأ كوخ الطباخ العجوز يحظى بشهرة تدريجية حتى بات يشهد إقبالا واسعا، مما اضطر راضي إلى تنظيم العمل حتى لا يكتظ كوخه الصغير، فبات من يرغب في زيارته أن يحجز قبل يوم أو يومين على الأقل.

ويقسم راضي العمل في كوخه إلى ثلاث فترات، الأولى تمتد حتى ما قبل الظهر ويقدم خلالها وجبة الفطور، والثانية وتمتد حتى ما قبل الغروب ويقدم فيها الغذاء، والفترة الأخيرة تمتد حتى الساعة التاسعة مساء وهي مخصصة لوجبة العشاء.

ولا يزيد إجمالي تكلفة 3 وجبات مختلفة من سرطانات البحر تكفي 4 إلى 5 أشخاص عن 80 شيكلا (20 دولارا)، وهذا المبلغ زهيد للغاية مقارنة بأسعار المأكولات البحرية التي تقدمها المطاعم بمدينة غزة.

ولا يقدم راضي سرطانات البحر إلا خلال أشهر الخريف، فهي موسم صيد سرطانات البحر ذات الجودة العالية.

ويتمنى راضي أن يوسع كوخه الخشبي الصغير ويحوّله إلى مطعم مبني بشكل جيد يقدم فيه جميع المأكولات البحرية.

المصدر : الجزيرة