مقهى "طقطق" بالقيروان.. محج مترشحي الرئاسة وعشاق القهوة

رياض نادل مقهى "طقطق" يتفانى في تلبية طلبات زبائن القهوة (الجزيرة)
رياض نادل مقهى "طقطق" يتفانى في تلبية طلبات زبائن القهوة (الجزيرة)

ناجح الزغدودي-القيروان

مع إطلالة الشمس عبر شرفات المبنى الشبيهة بشرفات سور مدينة القيروان العتيقة (وسط)، يمتلئ رصيف مقهى "طقطق" بالزبائن الذين يتسابقون لحجز مواقعهم المختارة المطلة على ساحة الشهداء لمتابعة سباق الانتخابات الرئاسية المقررة الأحد المقبل.

يتصاعد البخار من آلة صنع القهوة النحاسية ذات الخمسين عاما، فتغمر رائحتها الذكية أرجاء المقهى القديم، حينها يأخذ نادل المقهى الأسمر أقداح قهوة "الفيلتر" السوداء ويرصها على طبق فضي على إيقاع طلبات الزبائن.

قبالة سور المدينة العتيقة الشامخ ولونه الذهبي، ينتصب مبنى مقهى "طقطق" ذو الطراز المعماري المميز بشرفاته الدائرية ونوافذه الخشبية وهندسته المستوحاة من معمار المدينة.

خصوصية معمارية تجذب الزبائن والزوار وتغري السياسيين (الجزيرة)

جدران ناصعة البياض ونوافذ وأبواب خشبية منقوشة زرقاء صافية ترمز إلى الصفاء الروحي؛ مثلت مصدر إلهام لفنانين عالميين وتونسيين، وأيضا لمعمار ضاحية "سيدي بو سعيد" السياحية بالعاصمة تونس.

يقطع النادل رياض أصداء الجدل السياسي المهيمن على رصيف المقهى، بقرقعة كأس القهوة وهو يضعها على طاولة النقاش أو وهو يلبي نداء من ناداه، أو ممازحا الزبائن، ويتنقل بين الطاولات المحاصرة بجلسائها، مشاركا الآراء والمطالب التنموية.

فرقاء السياسة
على رصيف المقهى المبلط بنمط تقليدي على مساحة واسعة، يتوزع الزبائن بين حلقات نقاش ويرشفون القهوة القيروانية على إيقاع خطابات المترشحين للانتخابات الرئاسية القادمة من ساحة الشهداء عبر مكبرات الصوت واللوحات الدعائية للمترشحين.

قهوة "الفيلتر" القيروانية على إيقاع الحملة الانتخابية الرئاسية (الجزيرة)

خلال حملة الانتخابات تحوّلت ساحة الشهداء (نسبة إلى شهداء مقاومة الاستعمار الفرنسي بين 1881 و1956)، التي تمت تهيئتها سنة 2009 تزامنا مع احتفالية القيروان عاصمة للثقافة الإسلامية، إلى مسرح للعروض الحزبية.

تفصل الساحة بين المدينة العتيقة والحي التجاري العصري. وكانت منذ ثورة 2011، فضاء سياسيا شهد فعاليات حزبية ونقابية وثقافية؛ فكانت قلب المدينة النابض وأشبه بشاشة عملاقة قبالة قاعة جلوس عائلية.

يتثبت النادل الأربعيني من طلبات القهوة، ويتفقد مكعبات السّكر، مستعجلا معدي القهوة المنشغلين في إتمام الطلبية، ليتخلص من ضغط مناداة الزبائن، فيرد عليها من الداخل "هاو جاك" (أنا قادم) ثم يقبل هاشا متمايلا بطبقه في حركات مرحة.

آلة صنع القهوة تجاوزت النصف قرن ومنها تخرج قهوة "فيلتر" بنكهة مميزة (الجزيرة)

كسب رياض طيلة 23 سنة من عمله سمعة محترمة بفضل أسلوبه المرح في إرضاء الزبائن، رغم التعب الإضافي الناتج عن إقبال رواد المقهى ومرافقي السياسيين، خلال الانتخابات، إلا أنه يتأقلم مع الضغط بفضل عشقه مهنته.

"أشعر بالارتياح عندما أحسن التعامل مع الزبائن ونشر الابتسامة والمرح"، كما يقول رياض للجزيرة نت، وهذا الأسلوب يساعده في تقليل توتّر الأجواء عند احتدام النقاشات بين الفرقاء، فتبدد دعابته وقهقهاته سحب التشنج.

أمام شاشة عملاقة
تقع المقهى على مسافة أمتار من مقر هيئة الانتخابات، مما يجعلها أقرب محطة للسياسيين. ومنذ بدء الحملة الانتخابية زار المقهى أكثر من ثمانية مترشحين للرئاسية، واستغلوا كثافة الزبائن لنشر وعودهم ونثر المطويات بشكل يومي.

كان صبري الظاهري يجالس صديقه قبل أن تنهال عليه أوراق الدعاية لمرشحي الرئاسة، ويقطع حديثهما المترشح صافي سعيد (مترشح قومي عروبي) فناقش بعض رواد المقهى برامجه في حين تجاهله آخرون.

صبري وصديقه يوسف ومرشحون على طاولة النقاش بانتظار القهوة الصباحية (الجزيرة)

بصفته عاطلا عن العمل بعد التخرج، تحدث صبري للجزيرة نت بشيء من المرارة عن وضع الشباب التونسي جراء البطالة وغياب فرص الشغل بمحافظة القيروان ذات نسبة البطالة الأعلى من النسبة الوطنية التي تجاوزت مليون عاطل من خريجي الجامعة.

يتابع صبري يوميا خطابات المترشحين ووعودهم الانتخابية في الساحة المقابلة له وعلى التلفاز، ولكنه "لم يعد يصدقهم ولا يهتم بوعودهم"، ويتساءل: "ما الذي يمنع السياسيين من تنفيذ برامج لخدمة المواطنين والوطن".

"المقهى يطل على الساحة وبينما نشرب قهوة الصباح كالمعتاد يهرع إلينا المترشحون بوعودهم الجاهزة"، كما يقول يوسف. ويشير إلى أنه يغلب على رواد المقاهي النقاش السياسي حول أفضل المترشحين على تفاصيل الحياة اليومية.

وبشيء من التندر، يشير يوسف إلى أن معظم المواطنين بمدينة القيروان يتواجدون بالمقاهي التي يتجاوز عددها مئة مقهى لمئتي ألف ساكن، جراء ارتفاع نسب البطالة. ويختار المترشحون مقهى "طقطق"، لكونها الأكثر ارتيادا وحولها حركة تجارية كبرى.

حجز طاولة
ساحة الشهداء، هي فضاء للاجتماعات الشعبية لكل مترشح. يبدأ حملته من النزل الواقع على مشارف باب تونس، ويمرّ بأسواق المدينة العتيقة مشيا على الأقدام، مستفيدا من تواجد الحرفيين والتجار، ثم يطل من باب الجلادين على ساحة الشهداء.

سفيان (يسار) وأصدقاؤه في مكان جلوسهم المعتاد منذ عقود (الجزيرة)

منذ عودته سنة 1990 يختار لطفي بن غانم (ستيني)، رئيس مؤسّسة القيروان، (الجمعية التي تعنى بتراث الجهة وتنظم احتفاليات ثقافية خلال المناسبات الدينية) الجلوس في المكان نفسه بمقهى "طقطق" مع عدد من أصدقائه.

"هذه قهوتي الرسمية، ومع الثامنة صباحا من كل يوم تجدني في هذا المكان". يقول النادل إن كل زبون من زبائن المقهى لديه مكان مخصوص يُعرف به وتُعرف الشخصيات بأماكن جلوسها.

تتحول مقهى "طقطق" إلى مقهى سياسي بفعل تأثير المظاهرات التي تجري وسط الساحة، التي وصفها بالبطحاء المقابلة، ويتابعها رواد المقهى كأنهم في بث مباشر. وهي في نظره "خصوصية تميز المقهى ولا توجد في مدن أخرى".

صحفيون في استقبال المترشحين بساحة الشهداء (الجزيرة)

"يستمتع" رواد المقهى بشرب القهوة وبالنقاشات المباشرة والتفاعلات التي لا توفرها وسائل الإعلام، لكنها لا تخرج عن السيطرة بشكل مفرط في ظل التواجد الأمني في محيط الساحة.

يشيد رياض بأجواء التسامح والحوار التي تسود النقاشات رغم الخلافات الجوهرية في التوجهات السياسية للمجموعات على الطاولة نفسها، قائلا "نحن نسير على المسار الديمقراطي السليم وستصبح تونس نموذجا".

اختيار بصوت عال
سفيان طقطق (أربعيني) صاحب المقهى التي ورثها عن والده هو من بين جلساء لطفي بن غانم. ورغم فوارق السن كان هناك انسجام ومرح طفولي رغم الدعابة اللاذعة المتبادلة حول الولاءات الحزبية لمساندي الثورة وأوفياء النظام السابق.

يذكر سفيان أن والده بنى المقهى سنة 1964، واختار موقعها المميز قبالة باب الجلادين، وحرص على أن تكون مطابقة لمعمار مدينة القيروان، وهذه الخصوصية المعمارية والموقع جعلاها ملتقى كبيرا لأهالي القيروان وزوارها.

ساحة الشهداء تعج بجماهير أحد المترشحين (الجزيرة)

أما عن قهوة "الفيلتر" السوداء الأكثر رواجا، فيؤكد سفيان أن مدينة القيروان هي أكثر من حافظ على طريقة إعدادها وخلطتها المميزة ونكهتها. وتحتفظ المقهى بالآلة النحاسية العتيقة لنصف قرن، وهي فريدة محليا وعالميا.

ويعتبر سفيان أن المقهى تعد جهاز قياس لنبض الشارع القيرواني، قائلا "بعد الثورة أصبحنا نعيش تجربة جميلة جدا في حرية التعبير، وأصبح النقاش حول اختيار الرئيس يتم بصوت عال دون خوف، وهو ما لم يكن متاحا قبل ثورة 2011 التي أطاحت بالدكتاتورية.

مع انتهاء فترة عمله ظهرا، يكمل رياض حساباته، تاركا زبائنه في غمرة النقاشات، بعد أن أيقظت القهوة حواسهم ونشطت سواكنهم، يتجادلون حول أسماء المرشحين والأجدر بينهم بعد الثورة.

المصدر : الجزيرة