مطعم مالي خاتون بكردستان العراق.. الأكلات الفولكلورية بأيدٍ نسائية

العاملات بالمطعم من النساء يتوزعن مهام العمل كاملة بينهن (الجزيرة)
العاملات بالمطعم من النساء يتوزعن مهام العمل كاملة بينهن (الجزيرة)

فرح سالم-السليمانية

عند المرور بالشارع الرئيسي المؤدي إلى سرجنار (5 كلم غرب مدينة السليمانية بالعراق)، ستلفت انتباهك لوحة الإعلان عن مطعم "مالي خاتون" -ويعني بالعربية "بيت السيدات"- الذي لا بد أنك قد سمعت عنه بصفته مطعما يقدم الأكلات الكردية الفولكلورية بأيد نسائية.

الإدارة والعمالة من النساء
جميع العاملات في المطعم من النساء اللواتي توزعن المهام بينهن، فمنهن من تقوم بطبخ الوجبات داخل المطبخ الذي يطل على رواد المطعم بنافذة تكشف ما يحصل بين جدرانه من تحضيرات.

كما تستخدم النافذة أيضا لتسليم الوجبات التي يتم تجهيزها لتُقدم للرواد بيد العاملات اللاتي لا تتجاوز أعمارهن 25 سنة، أما القسم الأخير من النساء العاملات فهو القسم الذي أوكلت له مهمة تنظيف المطعم والعناية به.

اسم مطعم بالكردية "مالي خاتون"، ويعني "بيت السيدات" (الجزيرة)

مطعم بأيدٍ نسائية.. حلمي
لافين سعيد إحدى العاملات في المطعم، تبدأ عملها الساعة التاسعة صباحا وتستمر حتى الرابعة عصرا، وعن تجربتها تقول "بدأت مشواري بالعمل في المطعم، وكنت من أوائل الفتيات العاملات فيه، أشرف على تسجيل طلب رواد المطعم، وتقديم الطعام لهم، إضافة لأعمال الإدارة التي نشترك بها جميعا".

وهذا العمل جعلها تعتمد على ذاتها ماديا، ولم تعد بحاجة لطلب المال من والدتها أو شقيقها لسد احتياجاتها، وهي تتمنى أن يكون لديها مطعمها الخاص بها ذات يوم، والذي سيكون بأيدٍ نسائية أيضا، بحسبما قالت لافين التي تخرجت في كلية العلوم الزراعية بجامعة السليمانية عام 2017، ووجدت فرصتها بالعمل في المطعم.

مطعم مالي خاتون يقدم الأكلات التقليدية الكردية لمحبيها (الجزيرة)

الطبخ فرصة لتطوير الذات
أما جوان نجم، وهي من عاملات المطبخ اللواتي أوكل إليهن مهمة إعداد الطعام، فتقول "استلمت مهمة العمل طباخة في المطعم منذ حوالي شهرين. أنا أم لثلاثة أطفال ولم يحالفني الحظ لإكمال دراستي الإعدادية، لذلك وجدت في هذا العمل الفرصة لتطوير ذاتي ومساعدة زوجي على مصاعب الحياة".

وبينما تقلب الرز الذي كان قد أوشك على النضج، تضيف "لا نواجه أية صعوبات في عملنا، فرواد المطعم يقدّرون هذا العمل ويشجعوننا دائما"، وتختتم جوان بقولها "إضافة إلى أن زوجي وعائلتي هم الداعم الأول لي".

الديكورات الفولكلورية تميز المطعم (الجزيرة)

العاملات شجاعات وعصاميات
رواد المطعم ممن يواظبون على الحضور باستمرار، إذ يجدون فيه سمة أساسية تجعله متميزا عن غيره من مطاعم الوجبات السريعة وسواها، فهو يقدم أكلات مشابهة بجودتها للوجبات المنزلية، كما أن للعنصر النسائي فيه الدور في أن يكون ملاذا للسيدات الباحثات عن المذاق وجو الألفة الذي توفره العاملات، إضافة لتميز ديكورات المكان.

وعن ذلك تقول بزوين قادر وهي من زبائن المطعم الدائمات "أنا أعمل في شركة قريبة من مكان المطعم، وآتي إلى هذا المكان بشكل يومي أثناء استراحة الغداء".

وتضيف "أجد في هؤلاء الفتيات والنساء العاملات في هذا المكان مثالا للقوة والإصرار، وأحرص دوما على تشجيعهن كلما سنحت الفرصة من خلال تعليقي على نوعية الوجبات وجودتها. هذا العمل ليس بالشيء المعيب، بل على العكس تماما".

وتختتم "أنهن شجاعات وعصاميات، أغلب المتواجدات هنا هن من طالبات الجامعة والمعاهد أو من المسؤولات عن إعالة ذويهن".

قطع ومقتنيات فولكلورية  تزين المطعم (الجزيرة)

عمل النساء في المطاعم أمر طبيعي
أما الخبير الاقتصادي والأستاذ في جامعة كويه السيد ياسين النقشبندي، فيرى أن عمل النساء في أماكن مماثلة يساهم بإنعاش الاقتصاد في إقليم شمال العراق، ويقول "كان هذا العمل لسنوات طويلة حكرا على الرجال بسبب تصنيفات العادات والتقاليد".

ورغم أن المرأة في الإقليم تحظى بمكانة اجتماعية مرموقة منذ زمن بعيد وحتى وقتنا الحاضر، كما أن المرأة الكردية تحظى بالكثير من الامتيازات مقارنة بالنساء في المحافظات الأخرى، لكنها لم تدخل هذا المضمار إلا في السنوات الأخيرة، بحسب النقشبندي.

ويختتم الخبير الاقتصادي بقوله إن "بعض الناس يرون أن عمل النساء في المطاعم أمر معيب؛ لكن الأغلبية تتفق على أنه أمر طبيعي ولم نشهد حالات تحرش في أماكن مماثلة أو ما شابه، فالقانون هنا يقف إلى جانب المرأة وينصفها".

من العزف إلى مالي خاتون
وعن فكرة تأسيس المطعم من قبل ريبين سالار الذي عرف عن نفسه "أنا ريبين سالار، عازف سنطور!"، فقال إن "هدف المشروع هو إظهار قوة وإمكانية المرأة في المجتمع". هكذا بدأ مالك المطعم حديثه عن تجربته في إدارة "مالي خاتون"، وهو يعزف على آلة السنطور الفولكلورية منذ وقت طويل، ويقدم دورات تدريبية للفتيات والنساء للعزف على هذه الآلة.

لاحقا، فكر بافتتاح مطعم كردي يقدم الأكلات التقليدية الكردية لمحبيها، والتي تمثل جزءا من تراث وثقافة الشعب الكردي، مشيرا إلى أن "عائلتي شجعتني على الفكرة، وتم افتتاح المشروع قبل سنة وهو بتطور مستمر". 

الديكورات الفولكلورية تضفي طابعها الخاص على المطعم (الجزيرة)

النساء يتابعن أدق التفاصيل
وعن شغفه بآلة السنطور (وهي آلة وترية تشبه القانون) ومدى ارتباط العملين ببعضهم، قال "أثناء تدريبي للفتيات على العزف، كنت أعرض فرص العمل في المطعم، وكنت أرى الحماس والاستجابة الفورية لدى الأغلبية، ففرص العمل شحيحة نوعا ما، وهذا العمل يوفّر للفتيات العاملات فرصة لإعالة أنفسهن".

وعن سبب اختياره النساء تحديدا لهذا العمل، يقول ريبين "لدى النساء القدرة على إدارة العمل بشكل كفء، كما أنهن يتمتعن بالقدرة على متابعة أدق التفاصيل سواء في تحديد النكهات أو نظافة المكان والطعام".

ويختتم حديثه بالقول "أسعى من خلال هذا المشروع إلى تمكين النساء وإدخالهن سوق العمل بشكل يحقق لهن الاكتفاء الذاتي، ولا أنوي تغيير الكادر أو الاستعانة بغير النساء في المستقبل القريب".

المصدر : الجزيرة