تشاءموا من الجمعة واحتفلوا في المقابر.. أساطير العيد بعصر المماليك

المصريون اهتموا بزيارة المقابر وإقامة الاحتفال بالأعياد فيها منذ عهد المماليك (مواقع التواصل)
المصريون اهتموا بزيارة المقابر وإقامة الاحتفال بالأعياد فيها منذ عهد المماليك (مواقع التواصل)

 صفاء علي

ازداد نفوذ المماليك في مصر والشام منذ أواخر القرن السادس الهجري (12 الميلادي)، ويُعد السلطان نجم الدين أيوب المسؤول عن ازدياد نفوذهم على النحو الذي جعلهم يستولون على الحكم عقب وفاته.

وشعر المماليك بأنهم غرباء داخل المجتمع المصري، فلم يبذلوا مجهودا للاندماج، ومنهم من لم يتعلم اللغة العربية من الأساس، وكانت علاقاتهم بالمحكومين علاقة كراهية مضطربة سياسيا واجتماعيا.

واتسمت احتفالات المصريين بالأعياد بطابع خاص في عهد المماليك، خاصة مع انتشار أفكار التشاؤم في هذا العصر.

نذير شؤم
سيطرت آنذاك بعض أفكار التفاؤل والتشاؤم في ما يخص الاحتفال بعيدي الأضحى والفطر، كما ذكر الدكتور أحمد عبد الرازق عبد في دراسته، التي جاءت تحت عنوان "احتفالات المصريين بعيدي الفطر والأضحى في عصر المماليك".

وكان المماليك يتشاءمون عندما يأتي العيد يوم الجمعة، خوفا من زوال حكم السلطان الجالس على عرش السلطنة؛ ففي 1498 ميلادية وافق العيد يوم الجمعة، وتنبأ الناس بزوال السلطان قانصوه الأشرفي، وهذا ما حدث بالفعل.

ﻭﻓﻲ بعض الأحيان كان السلطان ﺃكثر تطيرا من موافقة العيد يوم ﺍﻟﺠﻤﻌﺔ؛ ففي 902 للهجرة، أمر السلطان في يوم الأربعاء 29 رمضان أن تدق أجراس القلعة لتعلن أنه نهاية رمضان دون انتظار رؤية الهلال، فرفض ﺍﻟﻘﺎﻀﻲ زين الدين زكريا، فَهمّ السلطان بعزله.

المنابر كانت تقام في طرقات المقابر للاحتفال بالعيد وإلقاء الوعاظ للخطب الدينية (مواقع التواصل)

بعض السلاطين رفضوا التشاؤم
قليل من السلاطين كانوا ضد هذه الاعتقادات التي سادت في العصور الوسيطة، ففي 1444م بدأ ذو الحجة يوم الخميس رغم أن الناس رأوا الهلال ليلة الأربعاء بعدة أماكن من الجوامع وغيرها، ولم يخبروا أحدا برؤيته إلا قليلا خوفا من أن يأتي العيد يوم الجمعة.

وعندما علم السلطان "جقمق" أنكر ذلك، وعنّف من حاول أن يُجنب توافق صلاة العيد يوم الجمعة، وأرسل للمحتسب وأمره بالنداء في البلاد أن من رأى هلال ذي الحجة ليلة الأربعاء فليؤد شهادته عند القاضي الشافعي، ولما استوفيت الشروط نودي بأن العيد يوم الجمعة، فاعتمدوا ذلك وصلوا العيد يوم الجمعة.

وفي عام 1436م شهد جماعة بتعذر رؤية هلال عيد الفطر مساء الأربعاء، ومن ثم إعلان الجمعة أول أيام عيد الفطر، فلم يقبل القاضي شهادتهم وردهم، عملا بالتشاؤم السائد آنذاك، واستمر الجدل إلى أن احتفل جماعة من الناس بالعيد وصلوا في منازلهم يوم الجمعة اعتمادا على من رأى الهلال ليلة الأربعاء، وقيل إن القاضي فعل هذا محاباة للسلطان.

الاحتفال في المقابر
بحسب كتاب قاسم محمد قاسم "مصر في عهد سلاطين المماليك"، فإن احتفال الناس بالعيد كان يتم في المقابر، التي كانت من أشهر أماكن التنزه والفرجة.

وكانت النساء تركب الدواب في الذهاب والرجوع منها، وهناك يجتمع الرجال والنساء يغنون ويمرحون، كما كان القراء يقرؤون القرآن، وكان الوعاظ يعظون الناس من فوق الكراسي والمنابر التي أُقيمت بين القبور، ويحدثون الناس عن القصص الدينية، التي تجعلهم يتجمعون حولهم.

وكان البعض يذهب إلى النيل، الذي تكتسي صفحته بالقوارب المليئة بالناس الذين يفرحون ويطربون، وهي نفس احتفالاتهم بعيد الأضحى.

وهذا ما جعل حكومة دولة سلاطين المماليك تنادي في شوارع القاهرة في يوم 29 رمضان 1390/793، ﻭﻫﻰ ﻟﻴﻠﺔ العيد، بمنع خروج النساء إلى الطرق، أو ركوب المراكب في النيل، وتهديد من يفعل ﺫﻟﻙ بإحراق ﺍﻟﻤﺭكب، حيث رأوا أن سلوك النساء تجلب المفاسد، خاصة مع اختلاطهن بالرجال واستحمام بعضهن في البرك، وتلصص بعض الرجال عليهن، وهو ما يجلب الفتن.

ولاموا على الأزواج السماح بخروج زوجاتهم إلى المقابر، حيث كن يستأجرن الدواب وهو ما كان يسمح لصاحب "الركوبة" بملامسة أجسادهن عند مساعدتهن على النزول أو الصعود.

آثار من العصر المملوكي (مواقع التواصل)

كعك وملابس جديدة
كاﻥ ﺍﻟﻨﺎس يسهرون ﻟﺴﺎﻋﺎﺕ متأخرة ﻟﻴﻠﺔ العيد ﻓﻲ تجهيز الملابس، وهناك فئة أخرى كانت تفضل الاستماع ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﺭآﻥ الكريم ﻭﺍﻷﺫكاﺭ، ﻭﻤﻊ ﻁﻠﻭﻉ ﺍﻟﻨﻬﺎﺭ يتوجه الرجال ﻷداء صلاة العيد، وهم يهللون ويكبرون حتى الوصول إلى ساحة الصلاة في موكب كبير، ليقوم الإمام بالصلاة، والذي كان يُفضل أن يرتدي زيا أبيض، وأن تكون خطبته قصيرة.

واعتاد المصريون تناول الأسماك في أيام عيد الفطر، وكانوا يتبادلون التهنئة عن طريق أطباق الكعك المحشوة بالعجوة (التمر)، الذي كان يُجهز في أواخر شهر رمضان.

وكان سوق "الحلاويين" من أبهج الأسواق في عيد الفطر خصوصا، وكان مُعد لصنع الحلوى المصنوعة من السكر على أشكال الخيول، وكان الجميع يشترونها لأطفالهم، تلك الحلوى مُنتشرة يوم العيد في أسواق الريف مثل المُدن تماما.

عيد الأضحى.. عفاريت المحمل.. وختان
كان سلاطين المماليك يهتمون بكسوة الكعبة، في إطار حرصهم على الواجهة الدينية لحكمهم، والذي قل الاهتمام به في أواخر عهدهم بعد زيادة حدة القتال بينهم.

ومن البدع التي ابتكرها المماليك "الجلبان" (عفاريت المحمل)، وهم مجموعة من المماليك يركبون خيولهم، وقد غيروا هيئتهم وارتدوا الأقنعة المُخيفة، ويطرقون أبواب الأعيان والأمراء ويجنون منهم الأموال قسرا، وينزلون بهم أقصى أنواع المهانة، حتى وصل الأمر بهم إلى خطف النساء والأطفال والفسق بهم.

وكان الختان أحد المظاهر الاحتفالية، حيث كان يتم ختان الأيتام والفقراء مع أبناء الأمراء، ويتم صرف كسوة لهم مثل ما حدث أثناء ختان الأمير نجم الدين بن السلطان الظاهر بيبرس عام 1273م.

المصدر : الجزيرة